التطويق الكامل لكوبا: حصار يشتدّ وعدوان أميركي في الأفق

تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا مرحلة جديدة من التصعيد، مع تزايد المؤشرات إلى انتقال الضغوط الأميركية من الحصار الاقتصادي إلى التلويح بخيارات عسكرية، في مقابل تمسك هافانا بخيار الصمود وتعزيز استقلالها.

  • كوبا تدين المحاولات الأميركية لإنشاء
    التطويق الكامل لكوبا: حصار يشتدّ وعدوان في الأفق

في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، تعود كوبا إلى واجهة الاهتمام الأميركي، وسط مؤشرات إلى تشديد الحصار واستحضار خيارات عسكرية بالتوازي مع ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.

واشنطن وكوبا... هل يتحوّل الحصار إلى مواجهة عسكرية؟

كشفت شبكة "CBS" في الخامس عشر من تموز/يوليو الجاري أن كبار مسؤولي "البنتاغون" درسوا خيارات عسكرية ضدّ كوبا، بينها إنزال جوّي واسع تنفّذه الفرقة "101" المحمولة جوّاً، وأن الجيش الأميركي عقد أواخر حزيران/يونيو جلسة تخطيط لدراسة مسارات عمل محتملة على الجزيرة. والمفارقة أن تقييم التهديد السنوي للاستخبارات الأميركية ذاته لا يصنّف كوبا تهديداً عسكرياً، وإنما بيئة تتيح حضوراً متنامياً لخصوم واشنطن كالصين وروسيا وإيران. وهذا التناقض يكشف أن الدافع ليس أمنياً بل إخضاع الجزيرة، وهو ما وصفه وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بأنّه "حرب نفسية" عبر "تسريبات تقيس مدى تقبّل الرأي العام الأميركي لمغامرة عسكرية" تُنتج، إن وقعت، "حمّام دم بلا أي مبرّر".

ولا ينفصل هذا التحوّل عن لحظة استنزاف تمرّ بها واشنطن. فبعد انهيار مذكّرة التفاهم مع إيران في حزيران/يونيو، عادت الحرب الأميركية-الإسرائيلية إلى الاشتعال حتى بلغت الضربات أسبوعها الثاني، مع سقوط جنديين أميركيين في الأردن وتجاوز سعر النفط ثمانين دولاراً للبرميل. وهذا يشغل الأصول العسكرية الأثقل في "الشرق الأوسط" ويؤجّل أيّ تحرّك قريب ضدّ الجزيرة الكوبية، لكنّه في الآن ذاته يرفع حاجة إدارة ترامب إلى إنجاز سريع ورخيص يعوّض تعثّرها. وهنا تبدو جزيرة زهيدة التسليح على بُعد نحو 150 كيلومتراً هدفاً أقلّ كلفة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي التي قد تقيّد يد ترامب.

من الحشود العسكرية إلى حصار الوقود.. كيف تضغط واشنطن على كوبا؟

وعلى الأرض، لم يتفكّك الحضور العسكري الأميركي في البحر الكاريبي رغم نقل حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى "الشرق الأوسط"، فما زالت نحو 5 بوارج ترابط في المنطقة، وحلّت في الـ29 من أيّار/مايو الماضي قوة قتال ساحلية قوامها 1300 من مشاة البحرية على متن سفينة "فورت لودرديل" انطلاقاً من بورتوريكو، وذلك بعد وصول المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات "نيميتز" في الـ20 من الشهر ذاته. وأكّدت حاكمة بورتوريكو إجراء أكثر من 8100 جندي تدريبات على الجزيرة بين أيّار/مايو وآب/أغسطس، ووصفت عرض ماركو روبيو التفاوضي (فتح قناة حوار مشروط بتغيير سياسي في هافانا) بأنّه "إنذار نهائي" لا فرصة تفاوض متكرّرة. وأعلن وزير الحرب بيت هيغسيث صراحةً أن أسر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أو تصفيته لا يزال خياراً مطروحاً، بما يكشف أن ما يجري في البحر وعلى الأرض داخل الإقليم هو تحضير للهجوم على كوبا وليس لمكافحة تهريب المخدرات كما تسوّق إدارة ترامب.

يقوم الحصار في جوهره على خنق واردات الوقود باعتبارها نقطة الاختناق الأشدّ أثراً. فقد وقّع ترامب في الـ29 من كانون الثاني/يناير الأمر التنفيذي رقم 14380 الذي هدّد بتعرفات جمركية على أيّ دولة تزوّد الجزيرة بالنفط وقلّص وارداتها بنسبة تناهز 90%، ثمّ أتبعه بالأمر رقم 14404 في الأوّل من أيّار/مايو الذي فرض عقوبات ثانوية على أيّ شركة أو مصرف يتعامل مع مجموعة "غايسا" العسكرية. وبذلك تجاوزت العقوبات المفروضة منذ مطلع هذا العام 240 إجراءً. والنتيجة أن ناقلة نفط روسية واحدة فقط رست على ساحل الجزيرة منذ بداية العام الجاري وقد نفدت حمولتها في نيسان/أبريل الماضي، وكانت الواردات النفطية قد بلغت الصفر في كانون الثاني/يناير الماضي للمرة الأولى منذ عام 2015، فيما علّقت العديد من شركات الشحن والخدمات تعاملهما مع كوبا وأوقفت نشاطاتها على الجزيرة.

وقد تحوّلت هذه الندرة المفروضة إلى انهيار متسلسل في كلّ قطاع. فقد انقطعت الشبكة الكهربائية الوطنية بالكامل 3 مرّات خلال 9 أيّام فقط من شهر تموز/يوليو الجاري، وبلغ العجز رقماً قياسياً يناهز ألفين ومئتي ميغاواط، وتجاوزت ساعات الانقطاع 20 ساعة في هافانا و70 ساعة في بعض الأرياف. ويعتمد نحو مليون كوبي على صهاريج المياه لأن قرابة 80% من معدّات الضخّ تحتاج إلى كهرباء. وقد وثّق مفوّض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تضاعف وفيات الرضّع نتيجة الوضع، وتراجع احتمال نجاة الأطفال المصابين بالسرطان من 85% إلى 65%. وقدّرت هافانا أضرار الحصار التراكمية بنحو 178 مليار دولار. وبذلك كلّه تكون وظيفة الحصار واضحة: تحويل حاجات أساسية إلى أدوات عقاب جماعي من أجل صناعة انفجار داخلي.

الصمود بدل الاستسلام.. كيف تستعد كوبا لمواجهة الضغوط؟

وفي مواجهة كلّ ذلك، تعمل هافانا على نزع أمضى أسلحة الحصار عبر تحويل أزمة الطاقة إلى مشروع سيادة. فقد ربطت 49 حديقة شمسية بالشبكة خلال عام واحد بقدرة تفوق ألف ميغاواط بفضل تمويلٍ صيني، فارتفعت حصّة الطاقة الشمسية من نحو 6% إلى ما يتجاوز 20%، ضمن خطة لإقامة 92 حديقة تبلغ قدرتها الإجمالية نحو ألفَي ميغاواط بحلول عام 2028، أي ما يقارب كامل قدرة كوبا التقليدية. وكلّ ميغاواط شمسي يوفّر قرابة 18000 طن من الوقود المستورد، بما يجعل بلوغ الهدف كفيلاً بإفراغ الحصار النفطي من جدواه. ويبقى العائق في تخزين الطاقة ليلاً، حيث يستمرّ العجز في ساعة الذروة، لكن ذلك مسار ينزع بأي حال عن واشنطن السلاح الذي تراهن عليه.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تردّ القيادة الكوبية بإعادة هيكلة بشروطها لا بإملاءات خارجية. فقد أقرّت قيادة الحزب الشيوعي والجمعية الوطنية في منتصف حزيران/يونيو الماضي 176 إجراءً موزّعة على 23 محوراً، في أوسع تحوّل منذ الثورة، وقد أنشأت معهداً لأصول الشركات الحكومية، ثمّ ألغت في الـ18 من تموز/يوليو الجاري سقف التعامل النقدي في ظلّ أزمة سيولة خانقة. وتقدّم هافانا ذلك بوصفه تكيّفاً سياديّاً لا استسلاماً، إذ تُبقي القطاعات الاستراتيجية والأرض والنظام السياسي خارج أيّ تفاوض. والمفارقة أن الحصار نفسه الذي يفرض هذا الانفتاح يخنق رأس المال والشحن اللذين يحتاجهما كي يثمر، وهو ما يجعل هذه الخطوات إعادة تنظيم لشروط الصمود أكثر منها انفتاحاً واسعاً على السوق.

أمّا عسكرياً، فلا تسعى كوبا إلى موازنة تسليحية تدرك اختلالها، وإنما إلى رفع كلفة أيّ اعتداء إلى حدّ يجعله متعذّراً. فضمن عام التحضير للدفاع، تُنظَّم أيام دفاع وطني أسبوعية عبر المحافظات تنخرط فيها ميليشيا قوّات الإقليم ضمن عقيدة حرب الشعب كلّه، من وحدات الصواريخ الساحلية في مارييل إلى تدريبات الكمائن والرماية الحيّة في سانكتي سبيريتوس. ويؤكّد الرئيس دياز كانيل أن "كلّ مواطن مسلَّح"، وأن "أيّ عدوان سيُفضي إلى حمّام دم لا تُحصى عواقبه"، مستحضراً صمود 32 كوبياً قارعوا قوّات أميركية نخبوية أكثر من 45 دقيقة في فنزويلا قبل أن يستشهدوا. وهذه هي المعادلة الرادعة ذاتها التي حالت دون غزو الجزيرة طوال 6 عقود من الغزو الفاشل لخليج الخنازير إلى اليوم، إذ تراهن هافانا على أن الكلفة البشرية والسياسية ستفوق أيّ مكسب تسعى إليه واشنطن.

ولا يمكن قراءة محاصرة كوبا بمعزل عن مشروع قارّي أوسع لإعادة إخضاع نصف الكرة الغربي. فتحالف "درع الأميركتين" الذي أُسّس بميامي في فلوريدا في آذار/مارس يضمّ نحو 12 حكومة يمينية بقيادة روبيو مع استبعاد البرازيل والمكسيك (وكولومبيا مؤقتاً). وكان نموذجه فنزويلا، حيث اختُطف الرئيس مادورو مطلع العام ويخضع الآن لمحاكمة في مانهاتن يُرجَّح أن يسقط فيها دفاعه عن حصانته السيادية، فيما تُحكِم واشنطن، بمسار منفصل، قبضتها على قرار بيع نفط بلاده وعائداته. وسيُحكم الطوق اليميني على الجزيرة إقليمياً خلال أسابيع: تُنصَّب كيكو فوجيموري في بيرو في الثامن والعشرين من تموز/يوليو، ويتسلّم أبيلاردو دي لا إسبرييا رئاسة كولومبيا في السابع من آب/أغسطس وهو الذي تعهّد بالانضمام فوراً إلى "درع الأميركتين". وتكشف تسريبات من هندوراس أن قاعدة عسكرية أميركية جديدة في رواتان ستُنشأ لأجل اشتباك محتمل مع كوبا.

وعلى هذه الأرضية ستُحسم المواجهة، فواشنطن تراهن على أن إجراءات خنق واردات الوقود والحصار المالي والعزل الدبلوماسي ستصنع انهياراً داخلياً يعفيها من غزو باهظ يصعب أن يحتمله جيش مثقل باستنزاف بعيد، بينما تراهن هافانا على أن استقلالها الطاقي وإعادة هيكلتها السيادية ومجتمعاً معبّأً ستتجاوز قدرة الحصار على كسرها وتجعل أيّ ضربة واسعة أعلى كلفة من أن تُقدِم عليها الولايات المتحدة. وتبقى المباحثات مجمّدة لأن كوبا ترفض وضع نظامها وقيادتها على الطاولة، فيما لا تعني المطالب الأميركية سوى محو استقلالها الجيواستراتيجي بالكامل. ويبقى احتمال العدوان العسكري المباشر على الجزيرة حتى اليوم في الأفق خياراً جاهزاً على طاولة إدارة تبحث عن انتصار سريع ورخيص، وهو أمر مرهون بمآلات الحرب على إيران وبقدرة واشنطن على فتح جبهة حرب ثانية على مقربة من أرضها.

اخترنا لك