"نيويوركر": هل يتحوّل جواز السفر الأميركي إلى ألبوم صور لترامب؟
أثمن وثيقة رسمية لدى الأميركيين هي أحدث كنز وطني يخضع لعملية تجميل على طريقة ترامب.
-
صورة لنموذج من إصدار محدود لجواز سفر أميركي تذكاري، يحتفي بالذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، ويحمل صورة للرئيس دونالد ترامب.
مجلة "نيويوركر" الأميركية تنشر تقريراً يتناول التغييرات التي تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدخالها على جواز السفر الأميركي بحلول عام 2028، وينتقد خصوصاً احتمال إدراج صورة ترامب فيه، معتبراً أنّ هذه الخطوة تعكس نزعة إلى تمجيد الذات.
يحذّر المقال من أنّ التغييرات المقترحة على جواز السفر الأميركي، وخصوصاً احتمال وضع صورة ترامب عليه، ليست مجرد تعديلات شكلية، بل تعكس، بحسب الكاتب، توجهاً نحو شخصنة السلطة وتقويض الرموز والتقاليد الأميركية.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
ما الذي علينا أن نفهمه من جواز السفر الأميركي الجديد الموعود؟ قد يتساءل المرء: ما الخطأ في القديم؟ على الرغم من أن نحو نصف المواطنين الأميركيين لم يحملوا جواز سفر قط، أو حتى لم يتقدموا بطلب للحصول عليه، فإن المسافرين يتمسكون بجوازاتهم بوصفها جائزة بالغة القيمة ورمزاً لشيء إيجابي عميق في الشخصية الوطنية الأميركية.
يحمل الجواز صورة شخصية لحامله، شديدة القسوة والوضوح على نحو مقلق، وتكاد تشبه صور المصوّر الفوتوغرافي ريتشارد أفيدون، أو كما قالت الكاتبة الساخرة إيرما بومبيك: "حين تصبح شبيهاً بصورة جواز سفرك، يكون قد حان وقت العودة إلى الوطن".
كذلك طُبعت على الجواز الأميركي الجديد رسالة بسيطة وبليغة تنتمي إلى زمن أكثر تقليدية، تقول: "إن وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية يلتمس من كل من يعنيه الأمر السماح للمواطن الأميركي المذكور اسمه في هذه الوثيقة بالمرور من دون تأخير أو عرقلة، وأن يُمنح عند الحاجة كل عون وحماية مشروعين"، وهي عبارة مباشرة ومسالمة، وطلب لا تهديد فيه، ولا يلتمس أكثر من إنهاء التأخير غير الضروري، وهو ما يتمناه بشدة أولئك الذين خبروا طوابير الجوازات التي لا تنتهي في مطاري هيثرو وشارل ديغول.
على مدى أجيال، لم يكن جواز السفر الأميركي مجرد وثيقة مسالمة، بل كان نوعاً من الكأس المقدسة، وشيئاً يُقدَّر فوق سائر الوثائق الرسمية الأخرى. فمثلاً، كتب الأديب فلاديمير نابوكوف، أكثر اللاجئين أناقة، عن "جواز نانسن" البائس، وهو وثيقة مؤقتة كانت تُمنح للأشخاص عديمي الجنسية بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، قائلاً إنه جعله يشعر كأنه مجرم، إلى أن حصل على جواز أميركي عام 1945.
أما الناجي من المحرقة والكاتب إيلي فيزيل، فكان يحمل جواز سفره الأميركي معه حيثما ذهب، إذ كان ضرورياً لاستعادة روحه. فقد كانت تجربة انعدام الجنسية البشعة، بلا أوراق ولا وطن، محفورة بعمق في نفسه، وقال إنه كان يمسك قلبه كلما مرّ حتى بأكثر مكاتب الجمارك ودّاً. فمن المقلق، إذن، أن نرى جواز السفر يُذاب كقطعة أخرى في بوتقة تمجيد الذات والقومية التي تشكّل الصورة العالمية لإدارة ترامب، مهما كانت آثاره النهائية ضئيلة.
التغييرات
قدّم وزير الخارجية الحالي، ماركو روبيو، التغييرات المتوقّع أن تدخل حيّز التنفيذ على جواز السفر الأميركي عام 2028، في عرض غريب أُقيم في 29 من الشهر الماضي، مزج بين عناصر من إطلاق منتج لشركة "آبل" وعناصر من مسابقة تربية مدنية في مدرسة ثانوية. وأعلن روبيو أن عبارة "الولايات المتحدة الأميركية" على غلاف الجواز الجديد ستكون أكبر حجماً، "في مكانها الصحيح تماماً، في الأعلى مباشرة"، وسيكون الختم الأعظم، الذي يحمل النسر الأصلع، أكبر أيضاً و"أكثر ذهباً".
كما ستحتوي صفحات الجواز نفسها على مشاهد من التاريخ الأميركي، مثل الأخوين رايت وهما يطيران بطائرتهما الشراعية في كيتي هوك، ورفع العلم في أيوا جيما، وحتى مسيرة واشنطن التي قادها مارتن لوثر كينغ. لكن الجواز سيتضمّن أيضاً، وكان على المرء أن يسمع هذا مرتين قبل أن يصدّقه، تأثيراً لتحريك الصور عند تقليب صفحاته، بحيث يبدو النسر وكأنه يطير فوق تلك المشاهد.
وذكر روبيو أن حاملي الجواز الأميركي، في المطارات، سيتمكنون من تسلية أنفسهم بتأثير الرسوم المتحركة، "إما هذا أو جهاز ألعاب لأطفالكم"، كما قال، بينما ينظر، على الأرجح، مواطنو دول أخرى أقل شأناً، في طابور الجمارك، مرتجفين من الحسد، إلى السهولة التي يتسلّى بها الأميركيون.
من ابتكر تأثير الرسوم المتحركة؟ من الواضح أن طبيعته الطفولية صُمّمت لإرضاء شخص واحد لا سواه، لكن هذا الأمر ظلّ غامضاً خلال عرض روبيو. وكما يعرف الجميع، أصدرت وزارة الخارجية مؤخراً جوازاً محدود الإصدار بمناسبة الذكرى المئتين والخمسين لإعلان الاستقلال، يحمل صورة دونالد ترامب بمظهر عدائي على الغلاف الداخلي. وتشبه الصورة صورة رسمية أخرى لترامب، التُقطت في أثناء تسليمه نفسه للسلطات في سجن مقاطعة فولتون، بتهمة محاولته التدخل في فرز أصوات انتخابات عام 2020، وهي قضية لم تدم طويلاً، لكن أدلتها مدعّمة جيداً.
إن تسمية "الجواز الوطني" تُذكّر ببلاغة الطغاة المستبدين، وهو لا يُتاح إلا بموعد خاص في وكالة جوازات واشنطن. وإن كان من سوء حظك أن تحتاج إلى طلب جواز طارئ هناك، فستحصل عليه تلقائياً. وفكرة أن يضع رئيس في منصبه صورة لنفسه على جواز سفر بلده هي تمجيد ذاتي خالص يخالف المبادئ الأميركية منذ نشأة البلاد. فهل ستستمر صورة ترامب على الجواز الجديد؟
ومع أن روبيو لم يذكر صراحةً في عرضه إدراج صورة رئاسية دائمة في الجواز، ولا حتى بوصفها خاصية دائمة تنطبق على جميع الرؤساء، بحيث يمكن أن تظهر يوماً صورة رئيس آخر، مثل ألكسندريا أوكازيو كورتيز، في حال فازت بالمنصب، فقد لاحظ صحافي يقظ أنه قرب نهاية عرض روبيو، ظهرت صورة للغلاف الداخلي للجواز الجديد، وعليها وجه ترامب مطبوع بوضوح. وقد يبدو أن إدخال صورة الرئيس خلسة إلى الجواز الجديد، ثم الصياح بغضب دفاعي حين يحتج المواطنون، يتجاوز حدود اللياقة والوقاحة، لكن من يعتقد أن مثل هذا الأمر مستبعد لم يكن منتبهاً إلى ما حدث خلال العامين الماضيين، أو حتى خلال العقد الماضي، في هذا الشأن.
وكما يحدث غالباً في هذا الزمن المجنون، على المرء أن يعود إلى مبادئ أولى كان يعتقد أنها لا تحتاج إلى دفاع أو تعريف. فالرئيس ليس طاغية بديلاً ولا ملكاً تُطبع صورته، مثل صورة ملك بريطانيا، الذي كان العدو في حدث الاستقلال التاريخي الذي يُحتفل به هذا العام، بل هو مجرد مواطن أُسندت إليه وظيفة كبيرة جداً. وكما قال المثير للجدل رونالد ريغان ذات مرة: "أنت لا تصبح رئيساً للولايات المتحدة، بل تُمنح حصانة مؤقتة لمؤسسة تُسمّى الرئاسة، وهي ملك لشعبنا". ولم يكن ريغان ليفكّر في وضع صورته على جواز السفر أكثر مما كان ليفكّر في خلع سترته في المكتب البيضاوي. لقد قاتل أتباعه بجدّ لتسمية أشياء باسمه بعد مغادرته المنصب. هوس غريب، ربما، لكنه من أسس الحكومة الديمقراطية.
تُعاد تسمية جسور وأنفاق مدينة نيويورك باستمرار بأسماء سياسيين مثل واشنطن وهاملتون ولينكولن وروزفلت وروبرت كينيدي، وسيأتي يوم، بلا جدال، يُطلق فيه على طريق سريع في نيويورك اسم ممداني. لكن السياسيين الذين تُسمّى تلك المنشآت بأسمائهم أموات، وهذا تفصيل مهم يقوم عليه جوهر هذا الترتيب. فالرئيس يعمل، ثم يترك منصبه، ثم يأتي التاريخ، أي إجماع المواطنين الذين يأتون من بعده، ليقيّموا العمل الذي قام به، وربما يكرّمونه عليه. وقد يتذكّر بعضهم، مثلاً، أن جون كينيدي، الذي اغتيل، كُرّم بالفعل بإطلاق اسمه على قاعة حفلات في واشنطن. ومع أن هذا النظام معرّض للخطأ بالتأكيد، فإنه ودود أيضاً.
إن وضع صورة وجه ترامب على صفحات جواز السفر، شأنه شأن فرض اسمك على نصب تذكاري لرئيس آخر، استعراض أناني لطاغية، ونقيض تام للمبدأ الجمهوري. لكن هل يهمّ ذلك؟ لقد أصبحت انتهاكات آداب الديمقراطية وكرامتها أمراً يومياً، حتى إن الردّ المألوف والمتزايد عليها لم يعد يتجاوز التنهد والاستسلام للأمر. يقولون: "دعه يضع صورته على الجواز". فمقارنةً بأمور كثيرة أخرى، مثل تصرفات عملاء دائرة الهجرة الذين يطلقون النار على الناس أو يحتجزونهم في معتقلات، أو مصير هايتيين وثقوا بالولايات المتحدة بوصفها ضامناً لسلامتهم، ثم عادوا إلى فوضى جزيرتهم، يبدو الأمر تافهاً.
بهذا المعنى، قد يجادل المرء بأن وضع الجواز الجديد في مقدّمة الرؤية المعادية للأميركيين فعلاً، التي رسمها روبيو للسياسة الخارجية في خطابه الأسبوع الماضي على الأكروبوليس الأثيني، يبدو في غير محلّه. فقد قدّم روبيو رؤية لتقليد "غربي" لم تكن مناقضة للتاريخ بصورة صارخة فحسب، إذ إن الإيحاء بوجود استمرارية حضارية من اليونان القديمة إلى أوروبا المسيحية يتجاهل تفاصيل مثل أن المسيحيين شوّهوا تماثيل البارثينون، الذي وقف روبيو أمامه، بل كانت أيضاً معادية للأميركيين بصورة صارخة، بسبب ارتيابها من الأجانب والمهاجرين. ويمكن للمرء أن يصفه بالنفاق الصارخ، فهو ابن لاجئين كوبيين لم تكن حياتهم الطيبة في الولايات المتحدة لتكون ممكنة لولا تقليد هذه الأمة الطويل في الترحيب باللاجئين والمنفيين، ومنحهم جوازات سفر حين يصبحون مواطنين.
لكن لا يمكن للمرء أن يتجاهل مسألة الصورة بهذه السهولة. فالدستور والديمقراطية لا يحييان بالسياسات المتّبعة وحدها، بل بالرموز المكرّسة أيضاً. نحن نعيش، هنا في نيويورك، في متاهة من الرموز التي تلخّص حياتنا ومعتقداتنا، من تمثال الحرية إلى النصب التذكاري الوطني للجنرال غرانت، ويجد كلّ من هذه المعالم شكلاً جميلاً ومتواضعاً يناسب موضوعه.
وغياب صورة ملك حيّ عن نقودنا أو عن وثائق سفرنا لم يكن أمراً عابراً وصل إليه المرء مصادفة، بل كان إعلاناً للمساواة أُريد له أن يُرى ويُعلن. وبهذا المعنى، يمكن تقديم حجة معقولة مفادها أن وابل الإهانات المستمر لكرامة ديمقراطيتنا لا يقلّ خطورة عن الخيارات السياسية السيئة. فالسياسات يمكن أن تتغيّر، أما آداب الديمقراطية، فمتى شُوّهت، لا يمكن استعادتها بالكامل أبداً.
فارحموا جواز السفر المسكين! إن رؤيته يُختزل هكذا بفعل نزوات طاغية مزعوم، يُرضيه متملّق ساخر، تقوّض إيماننا ليس بالسفر الحر فحسب، بل بالحرية نفسها. ينبغي ألّا يحمل جواز السفر الأميركي صورة أو بصمة أي مسؤول من أي نوع، بل يجب فقط أن يسمح لنا بالمرور في رحلتنا عبر العالم بحرية ومن دون عائق، تماماً كما نفعل بجواز السفر القديم.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.