"نيويورك تايمز": فهم أزمة فرنسا المتعددة الأبعاد

غرقت فرنسا فجأة في أزمة، ليس بسبب موجة واحدة من الاضطرابات، بل نتيجة سلسلة من الأزمات التي تعصف بشوارع المدن والأسواق والمؤسسات العامة.

0:00
  • شرطة مكافحة الشغب الفرنسية تشتبك مع متظاهرين خلال أكبر يوم من احتجاجات الطلاب، ضمن سلسلة تحركات متواصلة منذ أسبوعين بدأت في الضواحي الفقيرة لباريس.
    شرطة مكافحة الشغب الفرنسية تشتبك مع متظاهرين خلال أكبر يوم من احتجاجات الطلاب، ضمن سلسلة تحركات متواصلة منذ أسبوعين بدأت في الضواحي الفقيرة لباريس.

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر تقريراً يتناول الأزمة المتعددة الأبعاد التي تمرّ بها فرنسا، ويرصد كيف اجتمعت أزمة الدين والاحتجاجات والضغط على دولة الرفاهية وعدم الاستقرار السياسي لتضع فرنسا أمام اختبار اقتصادي وسياسي حاد.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

مدارس ثانوية محاصرة، وعمال حكوميون مضربون، وموانئ مغلقة، وديون متضخمة، ومخاوف من سيطرة اليمين المتطرف.

غرقت فرنسا فجأة في أزمة، ليس بسبب موجة واحدة من الاضطرابات، بل نتيجة سلسلة من الاضطرابات التي تعصف بشوارع المدن وقاعات التداول والمكاتب العامة في مختلف أنحاء البلاد.

وأصبحت الاحتجاجات الطلابية على مستوى البلاد أبرز مظاهر هذه الأزمة. ففي الأسبوع الماضي، أغلق آلاف الطلاب مدارسهم احتجاجاً على تهالك المباني ونقص المعلمين.

ثم انضم إليهم، يوم الثلاثاء، المعلمون وغيرهم من العاملين في القطاع العام تعبيراً عن التضامن، وفي إطار احتجاجهم الخاص على تجميد الأجور المقترح.

وقبل الطلاب والمعلمين، كان هناك الصيادون. ففي الشهر الماضي، أغلقوا الموانئ ومحطات الوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل.

وقد تبدو أسباب هذه الفوضى متباينة، لكنها تشترك في أصل واحد: معاناة فرنسا المستمرة منذ عقدين في تمويل دولتها، وهي معاناة تتفاقم الآن بفعل ارتفاع تكاليف الاقتراض وأسعار الوقود وعدم الاستقرار السياسي.

ويتدهور الوضع المالي العام في فرنسا، الهش أصلاً، ما يزيد المخاوف في الأسواق من أن تكون فرنسا الدولة الأوروبية التالية التي تنزلق إلى أزمة مالية شاملة.

ويبلغ دين البلاد نحو 4 تريليونات دولار، أي أكثر من حجم اقتصادها بأكمله. ومن المتوقع أن ترتفع الكلفة السنوية لخدمة هذا الدين إلى نحو 100 مليار دولار في عام 2027. كما زادت الاشتباكات في الشوارع من قلق المتعاملين في الأسواق.

ولا تعني هذه المخاوف المتزايدة أن فرنسا محكوم عليها بمواجهة أزمة ديون على غرار الأزمة اليونانية، أو برد فعل عنيف من الأسواق كالذي أطاح برئيسة الوزراء البريطانية ليز تروس، بعدما اقترحت تخفيضات ضريبية هائلة عام 2022.

ويشير الاقتصاديون إلى أن دولاً أخرى، من بينها الولايات المتحدة، تواجه ضغوطاً على ماليتها العامة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة. كما يقولون إن الدور المحوري الذي تؤديه فرنسا في الاتحاد الأوروبي يعني أن أعضاء آخرين في التكتل سيقدمون لها الدعم المالي إذا اضطرت إلى ذلك.

وقال كينيث روجوف، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد والباحث في الأزمات المالية: "يبدو وضع فرنسا غير مستدام، وأسواق السندات تؤكد ذلك، لكنها لم تُعلن عنه صراحةً بعد. إنه أشبه بكارثة تحدث ببطء".

لكن فرنسا قد تكون مقبلة على حساب عسير، إذ لم يعد بإمكان البلاد تحمّل كلفة دولة الرفاهية السخية التي شكّلت دائماً ركناً محورياً في هويتها.

وقال ميشيل دي روزين، وهو كاتب ورجل أعمال فرنسي: "هذا هو أعمق مصدر للغضب في فرنسا. نحن بلد لم يعد قادراً على فعل ما يريد فعله".

وبطبيعة الحال، ليست فرنسا غريبة عن الاضطرابات الاجتماعية. فخلال احتجاجات السترات الصفراء، التي اندلعت بين عامي 2018 و2020، خرج عشرات الآلاف من الأشخاص، مرتدين سترات أمان عالية الوضوح، في مظاهرات أسبوعية بدأت أيضاً احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود، ثم تحولت إلى مطالب بالعدالة السياسية والاقتصادية.

وربما كان الرئيس إيمانويل ماكرون يدرك أوجه التشابه المحتملة بين الماضي والحاضر، إذ ترأس يوم الخميس الماضي اجتماعاً لقادة دول مجموعة السبع الصناعية، حيث اتفقوا على الإفراج عن 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من مخزوناتهم لتخفيف الضغط على أسعار الوقود.

وأعرب ماكرون عن أمله في أن يؤدي هذا الإجراء الطارئ إلى "انخفاض الأسعار في محطات الوقود بأسرع وقت ممكن".

لكن أسعار الطاقة ليست سوى مصدر واحد من مصادر الضغط. وقد تفاقمت المخاوف المالية في البلاد بسبب استطلاعات الرأي الأخيرة، التي تُظهر أن مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان تتقدم على جميع منافسيها في الانتخابات الرئاسية المقررة في الربيع المقبل.

لكن فوزها ليس محسوماً. فقد أُدينت بتهمة الفساد المالي، وهو ما تنفيه، كما اتُّهم رئيس حزبها جوردان بارديلا بمعاداة السامية، وهو ما ينفيه أيضاً. ويقول المحللون إنها قد تخسر في جولة إعادة أمام مرشح وسطي.

لكن في سيناريو آخر، قد يصبّ التفاقم المتزامن للمشكلات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية في مصلحة التطرف السياسي من اليمين واليسار على حد سواء. وقد يدفع ذلك لوبان إلى خوض جولة إعادة أمام مرشح من أقصى اليسار. وفي هذه الحالة، يقول المحللون إنها ستفوز على الأرجح.

فماذا يعني فوز لوبان بالنسبة إلى قدرة فرنسا على الصمود؟ يوم الثلاثاء، كشفت لوبان عن برنامجها الاقتصادي، ووعدت بخفض الإنفاق الحكومي بمقدار 140 مليار يورو بحلول عام 2032. ومع ذلك، وفي ظل تظاهر الطلاب في الخارج، وعدت أيضاً بحماية الإنفاق على التعليم. 

هل سيكون ذلك كافياً؟ وهل ستتمكن من تحقيقه؟ ربما نكتشف ذلك.

نقله إلى العربية: الميادين نت.