"نيويورك تايمز": فرنسا تتفكّك مجدداً
لا تقتصر أزمة فرنسا على أوضاعها المالية والسياسية، بل تمتدّ إلى انهيار نموذج الرفاه الاجتماعي وتراجع فرص الشباب والخدمات العامة، ما يهدّد تماسك البلاد ويؤجّج الغضب الشعبي.
-
احتجاجات حاشدة في فرنسا تتطور إلى أسوأ أعمال شغب منذ سنوات
صحيفة "نيويورك تايمز" تنشر مقال رأي، يتناول المقال الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في فرنسا، وانعكاسات السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها الدولة على مدى عقود على تراجع النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة وتدهور الخدمات العامة، وصولاً إلى اندلاع احتجاجات واسعة وأعمال شغب.
يرلاى الكاتب أنّ الأزمة الفرنسية ليست مجرّد موجة احتجاجات عابرة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ناجمة، وفق رؤيته، عن نموذج دولة الرفاه الاجتماعي والتدخّل الحكومي، محذّراً من تداعيات استمرار هذا النموذج على استقرار فرنسا ومستقبلها السياسي.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
لطالما نظر الليبراليون الأميركيون إلى فرنسا بوصفها نموذجاً لما يودّون رؤيته في الولايات المتحدة: رعاية صحية شاملة، وحضانات أطفال منخفضة التكلفة، وجامعات ميسورة التكلفة، وحماية قوية للعمال، ومزايا اجتماعية لا تمسّ، وضرائب مرتفعة، واستثمارات ضخمة في الطاقة الخضراء، وجمهورية علمانية في مجتمع متعدّد الثقافات، وميزانيات دفاعية مقيّدة، ونمو اقتصادي متواضع، ولكن مع قدر كبير من متعة الحياة.
ولفترة طويلة، بدا هذا النموذج قابلاً للتطبيق إلى حدّ ما. لكن ليس بعد الآن. فما شهدته فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة، من احتجاجات طلابية على تدهور المدارس، تحوّلت إلى تظاهرات حاشدة ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية، ثم إلى أعمال عنف وشغب ضد الدولة نفسها بمستوى لم تشهده البلاد منذ سنوات، وكل ذلك قبيل انتخابات رئاسية قد تنتهي بمواجهة بين اليسار المتطرّف بقيادة جان لوك ميلانشون واليمين المتطرّف بقيادة مارين لوبان، يعكس مشاهد بلد يتفكّك.
ولا يعود ذلك إلى انهيار أوضاعه المالية أو نظامه السياسي، على الرغم من أنّ كليهما يعاني خللاً عميقاً. فالأشدّ انهياراً هي الوعود التي كان يُفترض أن تحافظ على تماسك البلاد: أن يجد الشباب فرصاً، وأن يحظى كبار السن بالدعم؛ وأن تتمكّن البلاد من الاستمرار بوصفها دولة رعاية اجتماعية واسعة النطاق، من دون أن تضطر إلى المنافسة كدولة مرنة تتمتّع بروح المبادرة؛ وأن تحافظ فرنسا على هويتها وأمنها داخل أوروبا مسالمة ومنفتحة على نفسها وعلى بقية العالم.
لكن هذه الوعود لم تكن في الواقع قابلة للاستمرار يوماً، على الرغم من أنّه من اللافت مدى تمسّك الفرنسيين بها بإصرار.
وقد واجه رؤساء الوزراء الفرنسيون المتعاقبون صعوبات في إقرار إصلاح يرفع سنّ التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، ما من شأنه أن يجعله أقرب إلى متوسط سنّ التقاعد في الاتحاد الأوروبي، ويساعد في معالجة العبء المالي الهائل الناجم عن دفع معاشات تقاعدية سخية في مجتمع تتزايد فيه نسبة كبار السن.
لكن هذا الإجراء غير قابل للتمرير سياسياً، وقد أُرجئ الآن إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، كي يتمكّن رئيس الوزراء الحالي من الاحتفاظ بمنصبه.
اقرأ أيضاً: "Unherd": فرنسا لم تسقط.. على الأميركيين أن ينظروا في المرآة
وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب في فرنسا نحو 20%، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف النسبة المسجّلة في ألمانيا. ومع ذلك، فإنّ الأعباء الاجتماعية القانونية المفروضة على أصحاب العمل في فرنسا أعلى منها في أيّ مكان آخر في أوروبا، إذ تبلغ نحو 45% من الراتب الإجمالي، ما يثني الشركات عن التوظيف.
وتنفق الدولة نسبة هائلة تبلغ 57% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ومع ذلك، تشهد جودة المدارس الحكومية والمستشفيات والخدمات الشرطية وغيرها من الخدمات الاجتماعية في فرنسا تراجعاً واضحاً، ليس لأنّ الحكومة تنفق القليل، بل لأنّها تحاول القيام بالكثير.
وليست فرنسا البلد الوحيد الذي يرفض فيه الناس التخلّي عن المزايا الحكومية من أجل الصالح العام. لكن مشكلاتها تتفاقم بسبب تقاليد النخبة الراسخة القائمة على تدخّل الدولة وهيمنتها، حتى في ظلّ رئاسة إيمانويل ماكرون التي يُفترض أنّها إصلاحية، وبسبب العداء المتجذّر للأسواق الحرة وريادة الأعمال.
وقد أظهر استطلاع حديث شمل 34 دولة أنّ المواقف الفرنسية تجاه الحرية الاقتصادية جاءت ضمن الربع الأدنى من الترتيب.
وبالطبع، يحقّ للفرنسيين تماماً التشكيك في ما يسمّونه، عادةً على سبيل الازدراء، "النيوليبرالية"، أو رفضها. لكن عليهم أن يتقبّلوا العواقب المترتّبة على هذا التشكيك.
فمتوسط الأجور السنوية في فرنسا، عند قياسه بالدولار الأميركي وفق تعادل القوة الشرائية، يقلّ بأكثر من 30% عن نظيره في الولايات المتحدة.
وفي آخر مرة نشر فيها البنك الدولي تصنيفاته بشأن "سهولة ممارسة الأعمال"، عام 2020، احتلّت فرنسا المرتبة الـ32، في مستوى مماثل لتركيا.
وقد يفسّر ذلك سبب حصول فرنسا على قدر ضئيل نسبياً من الاستثمار الأجنبي المباشر، لا يتجاوز 15% مما تستقطبه سنغافورة الصغيرة.
وفي قائمة أكبر 100 شركة في العالم من حيث القيمة السوقية، هناك 62 شركة من الولايات المتحدة، و11 شركة من الصين وهونغ كونغ، وأربع شركات فقط من فرنسا.
وفي العام الماضي، ذكرت صحيفة "لو فيغارو" أنّ "نحو 15 ألفاً من الخريجين الجدد من مدارس الهندسة والإدارة الفرنسية يختارون بدء مسيرتهم المهنية في الخارج كل عام"، وأنّ انخفاض الرواتب في فرنسا يُعدّ من الأسباب الرئيسية لرغبتهم في المغادرة.
وتترتّب على السياسات التي تؤدّي إلى إفقار البلاد ذاتياً آثار أوسع نطاقاً في التماسك الاجتماعي والأمن القومي. فمشاعر الاستياء من المهاجرين تتفاقم حتماً عندما يشعر الناس بأنّهم يتقاسمون موارد وطنية متناقصة مع الوافدين الجدد.
وينطبق الأمر نفسه على معظم أشكال الاستياء الأخرى، سواء المرتبطة بالطبقة الاجتماعية أو العمر أو الدين أو العرق، عندما يتصارع الناس بشأن كيفية تقسيم تلك الموارد، بدلاً من التفكير في كيفية زيادتها.
وتتوقّع التقديرات الديموغرافية ارتفاع صافي الهجرة بنسبة إضافية تبلغ 50% خلال العقود المقبلة، مقارنة بصافي الزيادة المسجّلة خلال السنوات الثلاثين الماضية.
وفي غياب قيود صارمة للغاية على الهجرة أو معجزة في النمو الاقتصادي، فإنّ هذه وصفة لاضطرابات أهلية، إن لم تكن حرباً صريحة.
وهذه أيضاً وصفة لنوع مختلف من المخاطر. فعلى الرغم من أنّ لوبان وميلانشون يقفان ظاهرياً على طرفَي نقيض، فإنّ كليهما يعارض تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، ويريد انسحاب فرنسا جزئياً أو كلياً من حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وبقدر ما عزّزت الاحتجاجات وأعمال الشغب فرصهما في الانتخابات الرئاسية، فإنّها زادت أيضاً احتمالات أن ينتصر فلاديمير بوتين في حربه في نهاية المطاف، ولا سيّما في ظلّ انقلاب إدارة ترامب، بصورة مخزية، على أوكرانيا.
ويبقى من الممكن دائماً أن تذكّر موجات العنف التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع الفرنسيين، الذين يخضع بعضهم الآن لحظر تجوّل، بأنّ سياساتهم غالباً ما تنتهي بنتائج سيئة عندما تنتقل إلى الشوارع. وفي ذلك تحذير لجميع السذّج الذين اعتادوا الإشادة بمزايا بلد اعتقد أنّه يعرف حقاً كيف يستمتع بالحياة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.