"نيويورك تايمز": خيارات محدودة أمام السعودية مع استهداف الحوثيين لجوهر طموحاتها

سلطت ثلاث هجمات دامية شنّها الحوثيون على مطار في العاصمة السعودية الضوءَ على الطبيعة غير المتكافئة للصراع الذي يخوضونه ضد المملكة.

0:00
  • تصاعد ألسنة اللهب في منشأة تابعة لشركة
    تصاعد ألسنة اللهب في منشأة تابعة لشركة "أرامكو" جنوب الرياض، إثر استهداف حوثي. (أ ف ب)

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر تقريراً تحليلياً يتناول محدودية الخيارات المتاحة أمام السعودية لوقف هجمات حركة أنصار الله على أراضيها، ولا سيّما بعد استهداف مطار الرياض، وتأثير هذه الهجمات في أمن المملكة وطموحات ولي العهد محمد بن سلمان الاقتصادية والاستثمارية.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية بتصرف:

بعد الهجوم الأكثر دموية الذي تشهده السعودية منذ أكثر من عقد، يواجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ضغوطاً متزايدة لإيجاد وسيلة لوقف إطلاق جماعة الحوثيين الصواريخ والطائرات المسيّرة على بلاده.

ومع ذلك، فإنّ الخيارات المتاحة أمام الأمير، الحاكم الفعلي للسعودية، محدودة في مواجهة صراع غير متكافئ مع خصم ازدادت قوته منذ أن قاد حرباً كارثية ضده قبل عقد من الزمن، وفقاً لمحللين.

شنّ الحوثيون ثلاث هجمات دامية على مطار دولي في العاصمة السعودية، الرياض، خلال الأسبوع الماضي. وشملت هذه الهجمات ضربة استهدفت مبنى للركاب يوم السبت، وأسفرت عن مقتل 12 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 300 آخرين، كثير منهم بجروح خطيرة، ما اضطر المسؤولين إلى تعليق العمليات في المطار. 

وأعادت هذه الهجمات، التي استمرت يوم الأحد وفقاً لسلطات الطيران المدني السعودية، حرب المملكة البعيدة في اليمن إلى الداخل السعودي، وجرّدت المدنيين السعوديين من الشعور بالأمان الذي حافظوا عليه إلى حدّ كبير طوال سنوات من حملة القصف التي قادتها السعودية في اليمن المجاور.

ويقول الحوثيون إنّ ضرباتهم تأتي رداً على هجمات سابقة. وقد أصابت هذه الضربات جوهر طموحات الأمير محمد لتحويل السعودية من دولة منغلقة على نفسها وتعتمد على النفط إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة.

ولا يوجد مسار سهل أمام ولي العهد. فقد أصبح التوصل إلى تسوية سياسية مع الحوثيين أكثر صعوبة مع تزايد مطالبهم، فيما من غير المرجّح أن تنجح محاولة القضاء على الجماعة عسكرياً، وفقاً للمحللين. وليس لدى الجماعة الكثير لتخسره، وقد اكتسبت خبرة قتالية متزايدة بعد مواجهات متكررة مع خصوم أكثر قوة منها.

وتتلقى السعودية دعماً عسكرياً كبيراً من الولايات المتحدة لمحاربة الحوثيين، بما في ذلك المساعدة في تحديد الأهداف والتزوّد بالوقود جواً. وقال الرئيس دونالد ترامب إنّه "سيتخذ قراراً" بشأن التدخل بصورة مباشرة أكثر في الصراع بعد هجوم السبت. غير أنّ ترامب كان قد شنّ حملة قصف ضد الحوثيين العام الماضي، وأعلن تحقيق نصر سريع بعدما استهلكت الولايات المتحدة أسلحة وذخائر بمعدل بلغت تكلفته نحو مليار دولار في الشهر الأول وحده.

وقال إف. غريغوري غاوس، المتخصص في الشؤون السعودية في معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: "الحل الواقعي الوحيد أمام السعوديين هو إنهاء الحرب الإيرانية- الأميركية، بحيث تدفع الولايات المتحدة الإيرانيين إلى إلزام الحوثيين بوقف الأعمال العدائية في إطار الاتفاق الشامل". وأضاف: "لسوء حظ السعوديين، ليس واضحاً إلى أي مدى يصغي الرئيس ترامب إليهم في هذا الشأن".

وقالت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة بحثية، إنّ الحكومة السعودية ستحاول على الأرجح إضعاف الجماعة قبل التفاوض على اتفاق لإنهاء الصراع.

وأوضحت فاروق أنّه من وجهة نظر السعودية، لا يزال من المبكر الدخول في محادثات في وقت يحتفظ فيه الحوثيون "بالقدرة على شنّ" مثل هذه الهجمات.

وخلال الأيام الأخيرة، أصدر المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، تحذيرات متكررة لشركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات السعودية، معلناً أنّها أصبحت "مسرح عمليات لقواتنا".

وجاءت الهجمات على المطار قبيل عدد من الفعاليات السياسية والتجارية الكبرى في السعودية، بما فيها قمة الاستثمار السنوية الأبرز التي يرعاها الأمير محمد، والتي يتوافد خلالها عادةً قادة العالم والمليارديرات والمديرون التنفيذيون إلى الرياض. ولم يتّضح بعد ما إذا كان الضيوف البارزون سيشعرون بأمان كافٍ لحضورها الآن.

وقال غاوس: "المشكلة بالنسبة إلى السعوديين هي أنّهم يتكبّدون أضراراً أكبر من ضربات الحوثيين على بنيتهم التحتية مقارنةً بالأضرار التي يُلحقونها بالحوثيين". وأضاف: "قد تدفع ضربة تستهدف مطار الرياض شخصاً يفكّر في الاستثمار في البلاد إلى إعادة النظر في قراره".

وقد أدّت حملة القصف التي قادتها السعودية قبل عقد من الزمن إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأسهمت في وفاة مئات الآلاف من الأشخاص في اليمن نتيجة العنف والجوع والأمراض. وقالت منظمات حقوقية إنّ الحملة استهدفت المدنيين بصورة غير متناسبة. وفي واحدة من أكثر الضربات إثارةً للإدانة، والتي أثارت استنكاراً دولياً، قصفت طائرة حربية سعودية حافلة مدرسية عام 2018، ما أسفر عن مقتل 44 طفلاً و10 بالغين.

ومع ذلك، صمد الحوثيون ورسّخوا سلطتهم على شمال اليمن. وأفضت هدنة عام 2022 إلى سلام هشّ في البلاد، استمر حتى شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" هجمات على إيران قبل أكثر من سبعة أشهر، ما أشعل حرباً إقليمية.

وبدأت التوترات بين السعودية والحوثيين تتصاعد في تموز/يوليو، عندما استهدفت غارة جوية مطار صنعاء الدولي. واتهمت الجماعة السعودية بتنفيذ الهجوم، فيما أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية مسؤوليتها عنه، وقالت إنّها تحرّكت لمنع طائرة إيرانية غير مصرّح لها من الهبوط. غير أنّ محللين يرون أنّه من غير المرجّح أن تكون الحكومة اليمنية، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على السعودية للحصول على الدعم المالي والعسكري، قد تصرّفت من تلقاء نفسها.

وبعد ذلك الهجوم، أعلن الحوثيون، الذين طالما أبدوا استياءهم من القيود المفروضة على مجالهم الجوي، والتي تطبّقها السعودية، عزمهم تنفيذ سياسة "الحصار مقابل الحصار". وأعلنوا فرض حظر على حركة السفن السعودية في البحر الأحمر، الذي أصبح طريقاً بديلاً مهماً لصادرات النفط السعودية بعدما عطّلت الحرب على إيران حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وتجدّدت الحرب الأهلية في اليمن، مع اندلاع اشتباكات عنيفة بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية والمتحالفة مع الحكومة اليمنية. وبلغ التصعيد ذروته الأسبوع الماضي، عندما أعلنت الحكومة اليمنية شنّ هجوم جديد ضد الحوثيين، متعهّدةً بطردهم من الأراضي التي سيطروا عليها خلال السنوات الـ12 الماضية. وأعلنت السعودية حملة قصف جديدة لدعم الحكومة.

وعلى الرغم من تصاعد الصراع، سعى المسؤولون السعوديون إلى الحفاظ على مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية. فقد أبقت السلطات مطار الرياض مفتوحاً بعد هجومين داميين، ولم تغلقه إلا بعد الهجوم الذي أوقع عدداً كبيراً من الضحايا يوم السبت.

وقال عبد الغني الإرياني، الباحث البارز في مركز صنعاء، وهو مؤسسة بحثية يمنية: "دأب السعوديون على الادعاء بأنّهم المملكة العظيمة، وأنّ جماعة غير منظّمة من المسلحين لا يمكن أن تهدّد أمنهم". وأضاف: "ما زالوا يحافظون على هذه الواجهة، على الرغم من أنّها تمزّقت تماماً".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.