"فورين بوليسي": ترامب خسر معركة السياسة الخارجية

بدلاً من أن تشكّل سياسته الخارجية نقطة تحوّل في مقاربة الولايات المتحدة للعالم، قد لا تستمر هذه السياسة بعد انتهاء عهد ترامب نفسه.

0:00
  • "فورين بوليسي": ترامب خسر معركة السياسة الخارجية

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تراجع التأييد لأجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السياسة الخارجية، المعروفة بشعار "أميركا أولاً"، واتّساع الفجوة بين مواقفه وكلٍّ من الرأي العام الأميركي والقيادات المعنية بالسياسة الخارجية، بما في ذلك داخل الحزب الجمهوري نفسه.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

أحدثت أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، القائمة على شعار "أميركا أولاً"، تحوّلاً في السياسة الخارجية الأميركية. فقد فرض رسوماً جمركية على شركاء تجاريين قدامى للولايات المتحدة، ونفّذ عمليات عسكرية أحادية الجانب في فنزويلا وإيران، وتراجع عن فرض عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، وشكّك في التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقلّص مشاركة بلاده في المنظمات المتعدّدة الأطراف، وأوقف جزءاً كبيراً من المساعدات الخارجية والإنسانية.

لكن، هل تلقى سياسة ترامب الخارجية قبولاً لدى القيادات المعنية بالسياسة الخارجية الأميركية أو لدى الرأي العام؟ للإجابة عن هذا السؤال، استندنا إلى استطلاعات رأي فريدة من نوعها أجراها أخيراً مجلس شيكاغو للشؤون العالمية وجامعة تكساس في أوستن. وشملت هذه الاستطلاعات عيّنة ممثّلة على المستوى الوطني من الجمهور الأميركي، إلى جانب 449 من القيادات في قطاعات الأعمال والحكومة والإعلام والجامعات والمؤسسات الدينية وغيرها. وطُرحت على المشاركين أسئلة بشأن مجموعة متنوّعة من القضايا المتعلقة بالشؤون الخارجية، بما في ذلك السياسة الاقتصادية والأمن القومي والصراعات المستمرة في أوكرانيا وإيران و"إسرائيل". ومن بين مجموعات القيادات التي شملها الاستطلاع، كان نحو ثلث المشاركين يشغلون، أو سبق لهم أن شغلوا، مناصب حكومية مرتبطة بالسياسة الدولية. وأتاحت لنا هذه الاستطلاعات مقارنة مواقف مختلف شرائح المجتمع الأميركي من السياسة الخارجية، وكذلك المقارنة بين مواقف الأحزاب السياسية. وأُجري استطلاع الرأي العام بين الـ 10 والـ 21 من تموز/يوليو، فيما أُجري استطلاع القيادات بين الـ 27 من تموز/يوليو و الـ 19 من  أيلول/سبتمبر.

ولا تبشّر النتائج بالخير بالنسبة إلى الرئيس، ولا سيّما قبيل انتخابات نصفية تبدو معقّدة أصلاً. فالعديد من مواقف ترامب في السياسة الخارجية لا يحظى بشعبية لدى القيادات المعنية بالسياسة الخارجية الأميركية أو لدى الجمهور. وقد فشل ترامب في إقناع القيادات الجمهورية المعنية بالسياسة الخارجية أو الناخبين الجمهوريين بجوانب أساسية من رؤيته. وبدلاً من أن تشكّل سياسته الخارجية نقطة تحوّل في مقاربة الولايات المتحدة للعالم، قد لا تستمر هذه السياسة بعد انتهاء عهد ترامب نفسه.

في ما يتعلّق بالسياسة الاقتصادية الدولية، تعتقد أغلبيات كبيرة في جميع مجموعات القيادات أنّ الرسوم الجمركية تزيد تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة سوءاً، بما في ذلك 86% من قيادات قطاع الأعمال، و100% من القيادات العمالية، ونحو 80% من المسؤولين في الكونغرس والوكالات التابعة للسلطة التنفيذية الفيدرالية. وعلى الرغم من أنّ القيادات الجمهورية أكثر تأييداً لأجندته التجارية، فإنّ 65% منهم يقرّون بأنّ الرسوم الجمركية تؤدي إلى تفاقم تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، فيما قال 81% من القيادات الجمهورية إنّ هذه الرسوم تضرّ بعلاقات الولايات المتحدة مع الدول الأخرى.

كذلك، رفض الرأي العام أجندة ترامب التجارية. إذ يرى 81% من عموم الأميركيين أنّ الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب لا تسهم في تحسين تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، فيما يعتقد 63% أنّها تضرّ بخلق فرص العمل. وحتى بين الجمهوريين، تثير أجندة ترامب الجمركية انقساماً. ففي حين يوافق نحو 56% من الجمهوريين على أنّ الرسوم الجمركية تفيد الاقتصاد، يعتقد 62% منهم أيضاً أنّها ترفع تكاليف المعيشة.

وفي الوقت نفسه، عندما طُلب من الناخبين الجمهوريين تحديد القضية الأهم في الانتخابات النصفية المقبلة، اختار عدد أكبر منهم التضخّم وتكاليف المعيشة مقارنةً بأيّ قضية أخرى منفردة. وعلى الرغم من أنّ ترامب كرّر التأكيد على أنّ الولايات المتحدة تعرّضت "للاستغلال في التجارة... من الأصدقاء والأعداء على حدّ سواء، لعقود"، فإنّ أغلبية من الحزبين لدى الرأي العام تعتقد أنّ التجارة الدولية تعود بالفائدة على الولايات المتحدة والدول الأخرى معاً، بما في ذلك 62% من الجمهوريين.

وبالمثل، فشل ترامب في إقناع القيادات والرأي العام بجدوى مقاربته تجاه حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. فمنذ دخوله المعترك السياسي عام 2015، شكّل اعتقاد ترامب بأنّ التحالفات الأمنية الأميركية تستغلّ الولايات المتحدة ركناً أساسياً في سياسته الخارجية. ففي أيار/مايو 2025، على سبيل المثال، قال ترامب أمام دفعة من الضباط المتخرّجين في أكاديمية ويست بوينت العسكرية: "لقد تعرّضنا للاستغلال على مستوى الناتو. لقد تعرّضنا للاستغلال على نحو لم تتعرّض له أيّ دولة أخرى من قبل". وفي تجمّع انتخابي في شباط/فبراير 2024، قال ترامب إنّه سيشجّع روسيا على أن "تفعل ما يحلو لها" تجاه الدول الأعضاء في الناتو التي لا تفي بأهداف الإنفاق الدفاعي المحدّدة.

وتواجه هذه النظرة إلى التحالفات الأمنية الأميركية معارضة حاسمة من القيادات في جميع المجموعات المهنية التي شملها الاستطلاع، وكذلك من الرأي العام الأميركي، بما في ذلك أغلبيات من الحزبين بين ناخبي الديمقراطيين والجمهوريين. فعلى الرغم من أنّ القيادات الجمهورية تؤيد تقاسماً أكبر للأعباء، فإنّ أكثر من 60% من القيادات الجمهورية وأكثر من 90% من القيادات الديمقراطية يؤيدون إما الحفاظ على مستوى التزام الولايات المتحدة تجاه الناتو أو زيادته، فيما يؤيد 85% من المشاركين في جميع مجموعات القيادات استخدام القوة إذا غزت روسيا دولةً عضواً في الناتو في أوروبا الشرقية. ولا يؤيد سوى 15% من الأميركيين تقليص التزام الولايات المتحدة تجاه الناتو. وإذا غزت روسيا دولةً عضواً في الحلف، مثل بولندا، فإنّ 60% من الأميركيين سيؤيدون استخدام القوة العسكرية، بما في ذلك أغلبيات الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلّين.

وتُظهر الحرب في أوكرانيا بصورة أوضح الفجوة بين ترامب وكلٍّ من القيادات المعنية بالسياسة الخارجية والرأي العام. فمنذ عودته إلى منصبه عام 2025، أوقف ترامب المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا، وقال للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي إنّه "لا يملك الأوراق" التي تمكّنه من التوصّل إلى تسوية مواتية مع روسيا، ودعا الأوكرانيين إلى استبدال زيلنسكي بزعيم جديد.

ومع ذلك، يؤيد 84% من القيادات المعنية بالسياسة الخارجية، بمن فيهم 79% من الجمهوريين، إرسال مساعدات عسكرية إضافية إلى أوكرانيا. كما يؤيد أكثر من 92% من القيادات، بمن فيهم 94% من الجمهوريين، تشديد العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على روسيا. ويُظهر الرأي العام أيضاً تأييداً لأوكرانيا؛ إذ يدعم نحو 60% من الأميركيين إرسال مساعدات عسكرية إضافية إليها، ويؤيد 70% زيادة العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على روسيا، فيما يؤيد نحو 70% انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، بمن فيهم 60% من الناخبين الجمهوريين.

وفي الأزمة التي أثارتها مطالبات ترامب بشأن غرينلاند، يعارض 90% من الأميركيين ضمّ الجزيرة بالقوة، بمن فيهم 82% من الناخبين الجمهوريين ونحو 90% من النخب الجمهورية.

أما في الحرب على إيران، فلم يقتنع الرأي العام بأنّ الحرب مبرّرة، على الرغم من أنّ القيادات أكثر انقساماً بشأنها. فما زال 58% من القيادات الجمهورية يعتقدون أنّ قرار شنّ الحرب على إيران كان صائباً، في حين يرى 98% من القيادات الديمقراطية و73% من القيادات المستقلّة أنّه كان قراراً خاطئاً.

لكن، بعد مرور نحو ثمانية أشهر على الحرب، لا يعتقد سوى ثلث الأميركيين أنّ ترامب اتخذ القرار الصائب. وفي المقابل، يرى 68% من الأميركيين أنّ الحرب لم تكن تستحق خوضها، وتعارض النسبة نفسها استخدام القوة لإطاحة الحكومة الإيرانية. وما زالت أغلبية الناخبين الجمهوريين تؤيد قرار مهاجمة إيران، لكنها تعتقد أيضاً أنّ تكاليف الحرب كانت مرتفعة، بما في ذلك مساهمتها في زيادة تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة.

وربما تكون النتيجة الأكثر إضراراً بترامب على الإطلاق هي أنّ 20% فقط من الأميركيين يعتقدون أنّ الولايات المتحدة تحظى اليوم باحترام أكبر على الساحة الدولية مقارنةً بما كانت عليه قبل عشر سنوات، بمن فيهم 40% فقط من الجمهوريين.

وتوجد بالفعل فجوات حزبية حقيقية بشأن بعض القضايا، بما في ذلك المجالات التي ما زالت فيها أجندة ترامب للسياسة الخارجية تحظى بتأييد كلٍّ من قيادة الحزب الجمهوري وقاعدته الشعبية، مثل تشديد تطبيق قوانين الهجرة، ومعارضة التحرّك لمواجهة تغيّر المناخ، والانسحاب من العديد من المنظمات المتعدّدة الأطراف. لكنّ هذه المجالات تميل إلى أن تكون من أولويات السياسة الخارجية التقليدية للحزب الجمهوري، التي تبنّاها ترامب، أكثر من كونها انعكاساً لقناعاته الخاصة غير المألوفة.

وقد لا يكون رفض القيادات المعنية بالسياسة الخارجية للجوانب الأساسية من أجندة "أميركا أولاً" أمراً مفاجئاً، إذ إنّ ترامب نفسه قدّم أجندته باعتبارها رفضاً للمواقف التقليدية للنخب. لكنّ قسماً كبيراً من الرأي العام يعارض مقاربته بالقدر نفسه، ما يشير إلى أنّ هذا المشروع قد لا يكون قابلاً للاستمرار.

وتتيح هذه المواقف فرصة لأعضاء الكونغرس والرئيس الأميركي المقبل لتبنّي رؤية جديدة للسياسة الخارجية، تحظى بقبول أكبر لدى القيادات والرأي العام الأميركي، وتُعزّز في الوقت نفسه مكانة الولايات المتحدة في العالم.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.