"فايننشال تايمز": ماكرون يواجه عاصفة سياسية عقب أعمال شغب

أسوأ أعمال عنف في الشوارع منذ سنوات تقع قبل ستة أشهر من إحدى أكثر الانتخابات الأوروبية ترقّباً.

  • احتجاجات واسعة وعنيفة في فرنسا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتمويل قطاع التعليم.
    احتجاجات واسعة وعنيفة في فرنسا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتمويل قطاع التعليم.

صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر تقريراً يتناول الأزمة السياسية والأمنية المتفاقمة في فرنسا، والضغوط المتزايدة على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومة سيباستيان لوكورنو، عقب اندلاع أعمال شغب وعنف واسعة خلال تظاهرات احتجاجية على تردّي الأوضاع التعليمية وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.

ويسلّط المقال الضوء على إخفاق السلطات الفرنسية في احتواء الاحتجاجات، والاتهامات الموجّهة إلى الحكومة بسوء التخطيط الأمني، بعدما تحوّلت التظاهرات إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب واسعة.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزرائه المحاصر بالأزمات سلسلةً من الأزمات المتراكمة، بعدما أثارت أسوأ أعمال عنف شهدتها شوارع البلاد منذ سنوات اتهاماتٍ للحكومة بسوء إدارة عملياتها الأمنية.

وتحوّلت التظاهرات التي عمّت أنحاء البلاد يوم السبت، وشارك فيها طلاب يحتجّون على الأوضاع التعليمية ومواطنون غاضبون من ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى أعمال شغب ونهب، ما أشعل عاصفة سياسية.

وكان ماكرون وحكومته التي لا تتمتّع بأغلبية برلمانية، بقيادة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، يواجهان أصلاً معركة وشيكة بشأن الموازنة، وقلقاً في الأسواق، واحتجاجات مستمرة منذ أسابيع في المدارس الثانوية.

وواجهت السلطات يوم السبت صعوبة في احتواء الحرائق وأعمال النهب التي نفّذها أشخاص يرتدون ملابس سوداء ويغطّون رؤوسهم. وتعرّضت متاجر للنهب، وهوجمت مقارّ بلديات، وأُضرمت النيران في مبانٍ، واشتبك مثيرو الشغب مع الشرطة في مدن بمختلف أنحاء البلاد.

وتشكّل هذه المشاهد وصمةً في سجلّ رئاسة ماكرون، قبل ستة أشهر من السباق الانتخابي الحاسم لاختيار خلفٍ له، في وقت تتصدّر فيه زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوبان استطلاعات الرأي.

وتحوم نسب التأييد لماكرون حول 15%، وهي أدنى مستوياتها منذ انتخابه للمرة الأولى عام 2017، فيما لا تتجاوز نسب التأييد للوكورنو 22%، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة "إبسوس" قبل اندلاع الاضطرابات.

وقبل أن تُخمَد الحرائق، بدأت الاتهامات السياسية المتبادلة تتصاعد. فقد حمّلت الحكومة اليسار المتطرّف مسؤولية التحريض على العنف، في حين توحّدت المعارضة، على نحو غير مألوف، في مهاجمة وزارة الداخلية لفقدانها السيطرة على الشوارع وعدم استعدادها لتظاهرة أُعلن عنها قبل أسابيع.

وقال برونو كوترِس، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية في باريس "سيانس بو"، في إشارة إلى احتجاجات "السترات الصفراء" المناهضة للحكومة، التي هزّت ولاية ماكرون الأولى عامَي 2018 و2019: "ستكون هناك مرحلة ما قبل وما بعد هذا الانفجار في الغضب الشعبي، الذي يعيد إلى الأذهان بقوة أحلك فترات أزمة السترات الصفراء".

وأضاف كوترِس أنّ "المشاهد المروّعة التي شهدها يوم السبت أعطت انطباعاً بأنّ الدولة لم تعد تسيطر على البلاد، لذا فإنّ هذه التجربة مهمة وقد تؤثّر في كيفية تصويت الناس".

وأشار إلى أنّ المستفيد المباشر الأبرز كان حزب "التجمّع الوطني" بزعامة لوبان، في حين أنّ الخاسرَين الأكبر، ماكرون ولوكورنو، بحاجة ماسّة إلى إيجاد استجابات فعلية تطمئن المواطنين وتهدّئ الأسواق المضطربة.

وسعى ماكرون إلى تحقيق ذلك في خطاب متلفز مساء الأحد، إذ وعد بأن يجمع لوكورنو الطلاب وقادة النقابات العمالية والمشرّعين للتوصّل إلى "حلول ملموسة"، فيما سيعمل المحافظون على تحسين الخطط الأمنية للتظاهرات المقبلة. وقال: "نعم، علينا أن نجلس إلى طاولة واحدة ونعمل معاً".

وكانت لوبان قد قالت في وقت سابق من يوم الأحد: "إننا نعيش أزمة عميقة في الثقة والسلطة تشكّل تهديداً للديمقراطية".

وأضافت: "بلادنا عالقة في كماشة... بين العنف والعجز"، في إشارة إلى اليسار المتطرّف والحكومة على التوالي. ونشر حزبها في منصة "إكس" يوم الأحد أنّها ستعمل على "استعادة النظام" من "الفوضى" التي خلّفها ماكرون.

وقال عدد من السياسيين المعارضين إنّ القوة الأمنية التي نُشرت يوم السبت لم تتجاوز 10 آلاف عنصر، في حين كان عدد عناصر الشرطة، خلال ذروة احتجاجات "السترات الصفراء"، يتجاوز أحياناً 60 ألفاً. وقالت وزارة الداخلية إنّ هذا الرقم غير صحيح، لكنها امتنعت عن تقديم رقم بديل.

وكانت أجهزة الاستخبارات الداخلية قد توقّعت مشاركة نحو 100 ألف شخص في تظاهرات السبت، لكنّ العدد الفعلي بلغ نحو خمسة أضعاف هذا الرقم.

ووفقاً لتقديرات أولية، تعرّض نحو 1500 متجر للنهب في مختلف أنحاء البلاد، فيما هاجمت حشود من مثيري الشغب أيضاً مقارّ البلديات في ليل ومرسيليا وليموج.

وقال برونو ريتايو، زعيم حزب "الجمهوريون" المحافظ، الذي شغل منصب وزير الداخلية في عهد ماكرون حتى العام الماضي، إنّ الحكومة كان ينبغي أن تكون أكثر استعداداً، بعد أسابيع من احتجاجات طلاب المدارس الثانوية التي أدّت بالفعل إلى توقيف أكثر من 7 آلاف شخص.

وقال ريتايو، المرشّح أيضاً للانتخابات الرئاسية، لقناة "فرانس 2": "لقد أصبح مثيرو الشغب أيضاً أشبه بغرغرينا تنخر حركة طلاب المدارس الثانوية. وكان الجميع يعلم ذلك".

من جهته، حمّل لوكورنو جماعات يسارية متطرّفة عنيفة مسؤولية "محاولة تأجيج الأوضاع من الآن وحتى الانتخابات الرئاسية".

ونفى الوزراء أن تكون الحكومة غير مستعدّة، لكنّ الجمعية الوطنية أعلنت يوم الأحد فتح تحقيق لتحديد أسباب الإخفاق الأمني. وقال وزير الداخلية لوران نونيز، الرئيس السابق للشرطة، إنّ التعامل مع مجموعات مثيري الشغب المتنقّلة، التي اقتربت في إحدى المراحل من قصر الإليزيه الرئاسي، كان أمراً صعباً. وأُصيب نحو ألف عنصر من الشرطة ورجال الإطفاء في الاشتباكات.

وفي المدن التي تضرّرت بشدّة، مثل ليموج، حيث دُمّر مبنى البلدية في حريق، قال مسؤولون محليون إنّ مثيري الشغب لم يكونوا يعبّرون عن مظالم أو مطالب محدّدة، بل جاؤوا ببساطة للاعتداء.

وفي وسط باريس يوم الأحد، قال جيران مطعم احترق بالكامل بالقرب من ساحة الجمهورية، التي تعرّضت لأضرار جسيمة، إنّ ناهبين وصلوا حاملين حقائب ظهر، وملأوها بزجاجات الكحول والسجائر وشرائح الاتصال للهواتف المحمولة، وحاولوا على الفور إعادة بيعها.

وقال فاديم كانتوروف، الذي يعيش في المنطقة منذ عام 2015، إنّ الشرطة كانت غائبة إلى حدّ كبير عن الشوارع المحيطة بالساحة في تلك اللحظة، على الرغم من أنّ عناصرها كانوا يطلقون الغاز المسيّل للدموع على المتظاهرين داخل الساحة نفسها. وأضاف أنّ الشرطة كانت، خلال الاحتجاجات السابقة، تعمد في كثير من الأحيان إلى إغلاق الحيّ بأكمله قبل ساعات من بدء التظاهرات.

وقال كانتوروف: "لقد أعطى ذلك انطباعاً بأنّ الشرطة لم تكن تملك معلومات عمّا كان يجري التخطيط له، وهذا يخيفني".

وكانت رائحة السيارات والدراجات الهوائية التابعة لخدمة الدراجات المشتركة، التي احترقت، لا تزال تفوح بقوّة في أرجاء المنطقة يوم الأحد، على الرغم من إقامة سوق للتحف القديمة ومواصلة العديد من المحال التجارية أعمالها.

وقال سيباستيان روشيه، المتخصّص في شؤون الشرطة لدى "المركز الوطني للبحث العلمي"، إنّ اللهجة التصادمية التي استخدمها لوكورنو والحكومة تجاه الطلاب المحتجّين أخيراً أسهمت أيضاً في تفاقم التوترات.

وفي باريس، لم يُتَّفق مع الشرطة على المسار الرسمي للتظاهرة إلا في وقت متأخّر من يوم الجمعة، وكانت نقطة انتهائه ساحةً أصغر من أن تستوعب الحشود الكبيرة، ما أدّى إلى تفرّقها وجعل تأمينها أكثر صعوبة.

وقال روشيه: "إنّ الاتفاق على مسار التظاهرة في الليلة السابقة لا يتيح نشر عناصر الشرطة في الأماكن المناسبة". وأضاف أنّ تحذيرات جدّية كانت قد صدرت بشأن احتمال وقوع أعمال عنف.

وتابع: "ربما لم يُنجَز العمل الاستخباري على نحو جيّد منذ البداية، لكن يبدو أيضاً أنّ وزارة الداخلية لم تأخذه في الحسبان بالقدر الكافي، أو لم تُحسن تفسيره".

وكانت الشرطة قد تعرّضت لانتقادات، ولا سيّما من حزب "فرنسا الأبيّة" اليساري المتطرّف، خلال احتجاجات الطلاب، بسبب استخدامها القنابل الصوتية وأسلحة أخرى غير فتاكة تسبّبت في إصابات مروّعة لعدد من الأشخاص.

وقد عُلّق استخدام هذه القنابل الأسبوع الماضي بعدما تسبّبت إحداها في بتر يد أحد المتظاهرين، لكن أُعيد السماح باستخدامها قبيل تظاهرات السبت، ليُصاب متظاهر آخر بالإصابة نفسها.

وانتقد لوكورنو زعيم اليسار المتطرّف جان لوك ميلانشون لعدم إدانته أعمال العنف التي وقعت يوم السبت بالقدر الكافي، واتّهم حزبه بالعمل طوال أسابيع على تأجيج احتجاجات الطلاب.

وردّ ميلانشون قائلاً إنّ لوكورنو "مسؤول عن الفوضى التي مهّد لها بصورة ممنهجة بسبب عدم كفاءته".

ويوم الأحد، ألمح إلى أنّ الحكومة تتعمّد السماح بتفاقم العنف لتبرير حملتها القمعية وتشويه الأهداف المشروعة للاحتجاجات الطلابية. وقال ميلانشون لقناة "LCI" الإخبارية: "جوهر المسألة هو مطالب المتظاهرين، والمشكلات التي يواجهها الطلاب، وارتفاع تكاليف المعيشة".

واستغلّ سياسيون من اليمين المتطرّف أعمال الشغب للربط بينها وبين الهجرة، وهي إحدى أبرز القضايا الخلافية في الانتخابات، زاعمين أنّ الشباب من أصول مهاجرة مسؤولون عن ارتكاب أعمال جنوح أكثر من غيرهم. وقالت لوبان: "إننا ندفع ثمن... عقود من الهجرة غير المنضبطة".

ولم تُقم الشرطة صراحةً مثل هذا الربط، وقالت إنّ كثيرين من الأشخاص الذين أُوقفوا حتى الآن خلال الاحتجاجات، والبالغ عددهم نحو 2400 شخص، هم من البالغين وليسوا من الشباب.

وقد يأتي الضغط الأكثر إلحاحاً على الحكومة من القاعدة الشعبية، بعدما تعرّض العديد من الشركات والمتاجر الصغيرة لخسائر فادحة بسبب أعمال النهب. كما صعّد بعض المسؤولين المحليين في المناطق التي شهدت أعمال شغب من مطالبهم.

وقال غيوم غيران، رئيس بلدية ليموج، لقناة "LCI" يوم الأحد: "أريد أن أتمكّن من إعادة بناء مبنى بلديتنا بالشروط نفسها التي أُعيد بها بناء كاتدرائية نوتردام... وبالملايين التي رُصدت لذلك".

وأضاف: "إذا لم أحصل على هذا التعهّد خلال 48 ساعة من مكتب رئيس الوزراء أو قصر الإليزيه، فسأطرح استقالتي على الطاولة".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.