"ذا ناشونال إنترست": بعد عام على إعلانه.. وقف إطلاق النار في غزة لا يزال "مزحة قاسية"
بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين، لا يزال الاحتلال العسكري والضربات، إلى جانب نقص الإمدادات، جزءاً من واقع الحياة، بعد عام على الانتهاء الرسمي للأعمال العدائية في قطاع غزّة.
-
"ذا ناشونال إنترست": بعد عام على إعلانه.. وقف إطلاق النار في غزة لا يزال "مزحة قاسية"
مجلة "ذا ناشونال إنترست" الأميركية تنشر مقالاً يتناول واقع غزة بعد عام على إعلان وقف إطلاق النار، ويرى أنّ الاتفاق بقي شكلياً، مع استمرار القصف والقتل وهدم المدن والحصار وتقييد المساعدات والإجلاء الطبي، خلافاً للخطاب الأميركي الذي يقدّمه بوصفه إنجازاً تاريخياً.
وينتقد الكاتب الدعم العسكري والدبلوماسي الأميركي للاحتلال والتواطؤ الأوروبي، معتبراً أنّهما يتيحان استمرار الإبادة الجماعية، بالتزامن مع تقويض المؤسسات القانونية الدولية. ويدعو إلى ضغط حقيقي من واشنطن لإنهاء الإبادة، وضمان حقوق الفلسطينيين في السلام والعدالة وتقرير المصير.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
مضى ما يزيد قليلاً على عام منذ بدء ما يُسمّى وقف إطلاق النار في غزة في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025. وخلال هذه الفترة، لم يحقّق الاتفاق وخطة السلام المزعومة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، المؤلّفة من 20 بنداً، سوى تقدّم ضئيل نحو إنهاء فعلي للحرب بين "إسرائيل" وحماس، أو للإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" في غزة. وبدلاً من ذلك، ترسّخ وضع راهن خطير، يمثّل فيه احتلال "إسرائيل" معظم قطاع غزة وتشديد حصارها عليه، إلى جانب هجوم أوسع على المنظومة القانونية الدولية، تهديداً مباشراً لحياة الفلسطينيين، فيما تهدف "إسرائيل" في نهاية المطاف إلى تهجير سكان غزة قسراً وضمّ القطاع.
ترسم الحكومة الأميركية، بطبيعة الحال، صورة مختلفة. فقد تحدّث بيانها بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لما يُفترض أنّه وقف لإطلاق النار عن "تقدّم" و"اختراق تاريخي" حقّق نتائج "لافتة". ويتطابق هذا الخطاب إلى حدّ كبير مع تصريحات شخصيات بارزة داخل إدارة ترامب وفي محيطها، ومع تصريحات ما يُسمّى "مجلس السلام" التابع لها، وهو الهيئة التي أُنشئت لإدارة إعادة إعمار غزة بعد الحرب. وبالنسبة إلى مسؤولين مثل جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد كبار المفاوضين في ملف غزة، ينبغي الإشادة حتى بالتقدّم الضئيل، لأنّه أسهم، من بين تطوّرات أخرى، في الحدّ من العنف بدرجة ما.
لكنّ هذه العقلية تحديداً هي التي تمثّل اليوم التهديد الأكبر للفلسطينيين في غزة؛ فالعنف لم ينتهِ؛ إذ قتلت "إسرائيل" 1505 فلسطينيين وأصابت 5332 آخرين منذ إعلان وقف إطلاق النار، ليُضافوا إلى نحو 250 ألف قتيل وجريح منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهي تواصل قصف أهداف في أنحاء القطاع. وقد نفّذت عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين في حماس، في انتهاك مباشر لشروط وقف إطلاق النار.
بالمثل، واصلت "إسرائيل" تسوية أجزاء من غزة تحتلّها بصورة مباشرة بالأرض، ماحيةً مدناً رئيسية مثل رفح في جنوب القطاع من الخريطة، في عملية إبادة للمدن أدّت كذلك إلى إزالة رفات أعداد لا تُحصى من المدنيين الفلسطينيين الذين قتلتهم خلال الحرب. ومع أنّ "إسرائيل" سمحت بدخول مزيد من المساعدات إلى القطاع، فإنّ هذه الزيادة هامشية في أحسن الأحوال؛ إذ تحسّنت مؤشرات الأمن الغذائي من مستوى المجاعة إلى مستوى الأزمة أو ما هو أسوأ لدى 1.2 مليون فلسطيني، وفقاً لآلية "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC)، التي تعمل بالشراكة مع الأمم المتحدة لقياس الأمن الغذائي في أنحاء العالم.
وتستحقّ القيود المستمرّة التي تفرضها "إسرائيل" على المعابر الحدودية لقطاع غزة اهتماماً خاصّاً، لكونها عنصراً أساسياً في حصارها، وتدعم الجهود الرامية إلى جعل حياة الفلسطينيين، كلّهم أو بعضهم، غير قابلة للاستمرار. وتمنع "إسرائيل" بصورة منتظمة دخول السلع الأساسية إلى غزة، بما فيها الوقود والمستلزمات الطبية والأجهزة المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة ومواد البناء. ولا تزال ترفض السماح بإجلاء أعداد كبيرة من المرضى الفلسطينيين الجرحى وذوي الإعاقة لتلقّي العلاج في الخارج، رغم بقاء أكثر من 21 ألفاً على قائمة الانتظار، ووفاة أكثر من ألفين في أثناء انتظار الإجلاء.
ودأبت الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الرائدة ومعظم المنظمات الحقوقية الكبرى على إدانة سياسات "إسرائيل" في غزة منذ بدء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهي سياسات تصنّفها منظمات مرموقة وباحثون بارزون في دراسات الإبادة الجماعية حول العالم بأنّها إبادة جماعية. وأصدرت محكمة العدل الدولية حكماً أولياً في كانون الثاني/يناير 2024، في دعوى أقامتها جنوب أفريقيا، قضت فيه بأنّ الفلسطينيين يواجهون خطراً حقيقياً بالتعرّض لضرر لا يمكن تداركه، وأنّ أفعال "إسرائيل" في القطاع قد تنتهك حقوق الفلسطينيين وحقّهم في الحماية من الإبادة الجماعية. وأمر ذلك الحكم "إسرائيل" بوقف عملياتها وأيّ أفعال قد ترقى، بصورة معقولة، إلى جريمة الإبادة الجماعية المتمثّلة في إنهاء حياة الفلسطينيين في غزة، كلّياً أو جزئياً.
صدر ذلك الحكم بعد أربعة أشهر فقط من هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبداية الغزو الإسرائيلي لغزة. وبعد ثلاثة أعوام على بدء الإبادة الجماعية، وعام على وقف لإطلاق النار بالاسم فقط، يتردّد صدى ذلك الحكم بوصفه تحذيراً لم يُصغَ إليه، سواء من إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، أو من إدارة ترامب الآن. ويترك التواطؤ في واشنطن، وإلى حدّ غير قليل في العواصم الأوروبية، في مساعدة "إسرائيل" على ارتكاب جرائمها وتسهيلها، وصمة بغيضة ومشينة على ما يُسمّى الديمقراطية الليبرالية، التي تدّعي تقدير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية الأساسية.
في الواقع، خلال عهدي الرئيسين، وفي ظلّ حكومات أوروبية عديدة، سهّلت الولايات المتحدة بنشاط الإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل"، من دون إبداء أيّ اعتذار. فقد باعت الولايات المتحدة "إسرائيل" أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات، قتلت نساءً وأطفالاً ومسنّين فلسطينيين. ومن المرجّح أنّ "مجلس السلام" التابع لها يهدف إلى مساعدة "إسرائيل" على تطهير غزة عرقياً، من خلال الاستيلاء على الأراضي وسرقة الأرض الفلسطينية باسم "التنمية" و"أمن إسرائيل".
وقدّمت واشنطن كذلك غطاءً دبلوماسياً في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وفعلت الدول الأوروبية الشيء نفسه إلى حدّ كبير، مكتفيةً ببيانات ضعيفة تعبّر عن "الأسف" و"القلق"، فيما تتجنّب إغضاب راعيها الأميركي خشية خسارة دعمه في أوكرانيا. وبفعلها ذلك، تُفضّل كلّ هذه الحكومات ومن يُسمّون "قادتها" القوة والسياسة على حياة البشر.
هذا التواطؤ هو ما يجعل هذه الدول منتهكة للقانون الدولي، لكن بدلاً من الوفاء بالتزامات دولية أُريد لها أن تجعل عبارة "لن يتكرّر ذلك أبداً" حقيقةً في النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، رغم عيوبه وثغراته، أمعنت الولايات المتحدة في هجومها على المنظومة القانونية الدولية. وتجسّد هذا المسعى العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في 9 تشرين الأول/أكتوبر على المحكمة الجنائية الدولية، بسبب إصدارها مذكّرات توقيف بحقّ قادة إسرائيليين، مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في أيار/مايو 2024، إلى جانب ضغوطها على الدول الأعضاء من أجل "تفكيك" المحكمة.
وتمثّل هذه التدابير سياسة أوسع تهدف إلى تقويض سيادة القانون، دعماً لحقبة أقدم كان فيها "الحقّ للقوة". وقد صرّح كبار المسؤولين في إدارة ترامب بما يفيد ذلك، كما فعل ترامب نفسه، على نحو مخزٍ، في القمّة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر أيلول/سبتمبر. ومن خلال تبنّي نهج أيديولوجي ضارّ كهذا، تُمعن واشنطن وحلفاؤها في جرائمها في غزة وغيرها من أنحاء العالم، من أفغانستان وإيران إلى الصومال واليمن.
هذا الواقع، مقروناً بأفعال "إسرائيل" المستمرّة، هو ما يفسّر، للأسف، سبب ترجيح استمرار الوضع القائم في غزة. فالعالم، كما هو اليوم، لا يضع حقوق الإنسان فوق استعراضات القوة الغاشمة، ما يعكس الموت الفعلي لما يُسمّى "النظام القائم على القواعد"، الذي كان أصلاً يصبّ في مصلحة الدول الأكثر ثراءً وقوة. ومعه يموت القانون الدولي، وتموت فكرة أنّ جميع البشر وجميع الأمم متساوون ويستحقّون الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ومع أنّ لكلّ دولة مصلحة في دعم المنظومة القانونية الدولية، فإنّ مصالح القوة على المدى القصير تظلّ صاحبة الغلبة في نهاية المطاف.
ومع ذلك، لا يزال هناك أمل في أن ينبثق عالم أفضل من رماد السنوات القليلة الماضية. فشعوب العالم ترفض بصورة متزايدة النزعات السلطوية والإجرامية لحفنة من الدول التي أتاحت ارتكاب هذه الجرائم. ويستمرّ تنامي الدعم لفلسطين، والإقرار بالإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" في غزة ورفضها، كما أنّ السياسات المحيطة بإسرائيل وفلسطين تتغيّر بالفعل. ومع هذا التغيّر، يتنامى الأمل في أن يتيح العمل السياسي الانتخابي طريقاً نحو تغيير إيجابي يطالب بالعدالة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قُتلوا باسم سياسة قبيحة، لا ينبغي الاكتفاء برفضها، بل يجب تذكّرها أيضاً.
لن يأتي هذا التحوّل في الوقت المناسب لمن فقدوا حياتهم، لكنّه لا يزال قادراً على إنقاذ مستقبل الفلسطينيين في غزة وفي جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، الذين يستحقّون السلام والعدالة وتقرير المصير. أمّا الآن، فسيبقى الوضع القائم في غزة على حاله، ما يتطلّب من المنظمات الحقوقية والإنسانية مواصلة الدعوة إلى إنهاء الإبادة الجماعية، وإلى ممارسة واشنطن ضغطاً حقيقياً على "إسرائيل" لضمان وضع حدّ لها.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.