"ذا إنترسبت": ترامب يستهدف إلهان عمر.. فأين غضب وسائل الإعلام النخبوية؟
على عكس ما حدث في واقعة مداهمة منزل جون بولتون، لم يلقَ استهداف إلهان عمر أي إدانة تُذكر من قِبل صحف "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست".
-
النائبة الأميركية إلهان عمر
موقع "ذا إنترسبت" الأميركي ينشر مقالاً يتناول ازدواجية المعايير في تغطية وسائل الإعلام الأميركية لاستهداف إدارة الرئيس دونالد ترامب خصومها السياسيين، من خلال المقارنة بين ردود الفعل الإعلامية على مداهمة منزل النائبة إلهان عمر ومداهمة منزل مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
على عكس ما حدث في واقعة مداهمة منزل جون بولتون، لم يلقَ استهداف إلهان عمر أي إدانة تُذكر من قِبل صحف "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست".
داهم عناصر من وزارة الأمن الداخلي، يوم الاثنين، منزل النائبة إلهان عمر في العاصمة واشنطن، وذلك في إطار ما قيل إنه تحقيق جنائي يتعلّق بهجرتها إلى الولايات المتحدة خلال طفولتها. وقد صدر إذن المداهمة عن قاضٍ فيدرالي، على ما يبدو بعد "مداولات" مع جهات إنفاذ القانون الفيدرالية، وهو إجراء قوبل بتنديد من قِبل جماعات حقوق مدنية وصفت الأمر بأنه يثير ريبةً بالغة.
يوم الأربعاء، تصاعدت حدّة استهداف الرئيس دونالد ترامب لعمر بشكل أكبر؛ إذ أصدر عملاء فيدراليون مذكّرات استدعاء قضائية بحقّ العديد من أقاربها، بمن فيهم شقيقتها سارة نور. كما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنّ الهدف النهائي لإدارة ترامب هو تجريد عمر من جنسيتها وترحيلها. ويأتي هذا الاستغلال الفجّ للسلطة بعد سنوات من استهداف ترامب لعمر بالتهديدات والافتراءات العنصرية والترهيب والمطالبات بترحيلها.
غير أنّ ردّ فعل نخبة المعلّقين في وسائل الإعلام الرئيسية، مع وجود استثناءات نادرة، جاء باهتاً إلى حدّ كبير؛ إذ اتّسمت معظم التغطية الإعلامية بأسلوب "نقل وجهات النظر المتضاربة" من دون اتخاذ موقف واضح. ويتناقض هذا بشكل صارخ مع ردّ الفعل الغاضب والموحّد الذي أبداه صنّاع الرأي من النخبة في أعقاب الإجراء المثير للجدل الذي اتخذه ترامب ضد جون بولتون، مستشاره السابق للأمن القومي والمعلّق المحافظ الجديد، في آب/أغسطس 2025. فكلتا الحالتين تندرجان ضمن نمط ثابت يستخدم فيه ترامب وزارة العدل سلاحاً لمهاجمة خصومه، ومع ذلك، لم تحظَ سوى الحالة الثانية بإدانة إعلامية واسعة النطاق.
في اليوم نفسه الذي وقعت فيه مداهمة بولتون، شهدنا افتتاحيات لاذعة من صحف "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" و"وول ستريت جورنال". وخلال الأسبوع التالي، نشرت كل صحيفة من هذه الصحف مقالات رأي منفصلة لكتّابها تعارض المداهمة، وتشكّك في شرعيتها، وتعبّر عن استنكارها الشديد لما وصفته بمحاولة الاستيلاء الواضحة على السلطة. وقد أدانت مواقع "بوليتيكو" و"نيويوركر" و"أتلانتيك" المداهمة صراحةً، إذ نشر كلّ منها أربعة مقالات غاضبة.
لم تحظَ عملية مداهمة منزل عمر بأيٍّ من أشكال التغطية الإعلامية المذكورة أعلاه؛ فلم تظهر أي افتتاحيات أو مقالات رأي في صحف "نيويورك تايمز" أو "واشنطن بوست" أو "وول ستريت جورنال"، كما خلت مجلات مثل "ذا نيويوركر" و"بوليتيكو" و"ذا أتلانتيك" من أي تعليقات تندّد بـ"تقويض سيادة القانون". صحيح أنّ مجلة "ذا أتلانتيك" نشرت مقالاً حول مداهمة منزل عمر، لكنه اتّسم بنبرة غامضة تبنّت نهج "مساواة الطرفين" (أي طرح وجهتي النظر من دون اتخاذ موقف). (تجدر الإشارة إلى أنّ مقالاً مشابهاً تبنّى النهج ذاته في "ذا أتلانتيك" حول مداهمة منزل بولتون، لم يُدرج ضمن قائمتنا لمقالات الرأي التي عبّرت عن الغضب إزاء تلك المداهمة).
ويتناقض هذا بشكل صارخ مع نبرة الغضب العارمة التي وُجّهت ضد ترامب عندما استهدفت وزارة العدل في عهده جون بولتون العام الماضي. ففي آب/أغسطس 2025، كتبت صحيفة "نيويورك تايمز": "من الواضح أنّ السيد ترامب ومعاونيه المعيّنين يحرّفون مسار النظام القضائي لخدمة مصالحهم السياسية وترهيب منتقديهم". وبدورها، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، التي يملكها أحد حلفاء ترامب، أنّ "مداهمة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لمنزل بولتون تمثّل تجاوزاً للخطوط الحمر في حملة الانتقام التي يشنّها ترامب". حتى هيئة تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال" ذات التوجّه اليميني، والتي تُعدّ عادةً من أشدّ الداعمين لترامب، انخرطت في هذه الموجة من الانتقادات، إذ نشرت مقالاً بعنوان "حملة ترامب الانتقامية تستهدف جون بولتون"، أوضحت فيه أنّ "تحقيق النجاح في الولاية الثانية بالنسبة إلى الرئيس يتضمّن ممارسة الانتقام".
ولم تكتفِ "وول ستريت جورنال" بعدم نشر افتتاحية أو مقال رأي يعارض مداهمة منزل عمر، على عكس ما فعلته في حالة بولتون، بل نشرت مقالاً لجيمس فريمان، مساعد محرّر صفحة الرأي، أيّد فيه المداهمة واستخدم تلميحاتٍ تشبه أسلوب الصحافة الصفراء للنيل من سمعة عمر.
هذا لا يعني أنّ وسائل الإعلام الرئيسية تجاهلت مداهمة منزل عمر؛ فقد نشرت كلٌّ من "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" و"وول ستريت جورنال" تقارير وتحليلات حول الواقعة، لكنها، على خلاف ما حدث في قضية بولتون، لم تنشر أي آراء تعبّر عن الغضب أو تطالب بمحاسبة المسؤولين عن هذا الاستيلاء السلطوي الواضح على الصلاحيات.
قد تتعدّد أسباب هذا التباين الصارخ؛ فإلهان عمر سوداء ومسلمة، بينما بولتون أبيض وغير مسلم. إلهان عمر امرأة، وبولتون رجل. تُصنَّف إلهان عمر ضمن "أقصى اليسار"، في حين يقع بولتون في قلب تيار يمين الوسط الذي يمثّل الإجماع السائد بين نخب واشنطن. وإذا كانت إلهان عمر من أشدّ منتقدي "إسرائيل"، فإنّ بولتون يُعدّ من أكثر المدافعين عنها صراحةً وبنزعةٍ عدوانيةٍ شرسة. والواقع أنّ هذا التباين يعود، على الأرجح، إلى مزيج من كلّ هذه العوامل؛ فبالمعنى الأوسع، يُعتبر بولتون عضواً في "النادي" (نخبة السلطة)، بينما لا تنتمي إلهان عمر إليه.
يمكن رصد ديناميكية مماثلة من التفاوت في ردود الفعل الغاضبة، بناءً على الانتماء إلى "المجموعة الداخلية" أو "المجموعة الخارجية"، خلال الأشهر الأولى من الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب؛ إذ أفاضت وسائل الإعلام في الحديث، مكرّسةً مساحات واسعة للتعبير عن قلقها من عزم ترامب ترهيب الصحافة وسجن المراسلين. ومع ذلك، تجاهلت هذه الوسائل الإعلامية نفسها تماماً ملاحقة وزارة العدل في عهده لصحافيين مستقلين، هما آرون كانتو وأليكسي وود، على خلفية تغطيتهما لاضطرابات العشرين من كانون الثاني/يناير التي تزامنت مع مراسم تنصيبه؛ وهي قضية تبيّن لاحقاً أنها تفتقر إلى أي أساس قانوني. وفي نهاية المطاف، ورغم غياب اهتمام إعلامي مستمر، اضطرت مدينة واشنطن العاصمة إلى تسوية القضية عبر دفع تعويضات للصحافيين اللذين تعرّضا للملاحقة.
وكقاعدة عامة في وسائل الإعلام الأميركية، يأتي الالتزام الثابت بالمبادئ، مهما بدت هذه المبادئ سامية ونبيلة، في مرتبة ثانوية مقارنةً بـ"التضامن الطبقي". فجون بولتون يُعدّ وجهاً من وجوه الإعلام المؤسسي، وينتمي إلى نخبة الأمن القومي، ويتبنّى نهجاً متشدّداً (صقرياً)، كما أنه مدافع راسخ عن المؤسسات القائمة؛ بعبارة أخرى، هو "واحد منهم". أما إلهان عمر، فلا ينطبق عليها أيٌّ من هذه الأوصاف. ونتيجة لذلك، فإنّ الملاحقة الجائرة التي تعرّضت لها على يد ترامب قد تُذكر، وربما تُنتقد بشكل هامشي، لكنها لا تثير موجة واسعة ومستمرة من الغضب والإدانة. فمثل هذا التفاعل محجوز، وبوضوح تام، لأولئك الذين ينتمون إلى "النادي" ذاته.
نقله إلى العربية: الميادين نت.