"بوليتيكو": الاتحاد الأوروبي يتّجه نحو عاصفة سياسية متكاملة

منحت قمة الأسبوع الماضي بروكسل لمحةً عن مدى الصعوبة التي ستكتنف التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية.. أو أي أمرٍ آخر.

0:00
  • جلسة عامة لدول الاتحاد الأوروبي في ستراسبورغ
    جلسة عامة لدول الاتحاد الأوروبي في ستراسبورغ

صحيفة "بوليتيكو" الأميركية تنشر تقريراً يتناول خطر إصابة الاتحاد الأوروبي بالشلل السياسي نتيجة الانتخابات والاضطرابات الداخلية في أكبر اقتصاداته، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الخارجية والأزمات المالية.

كما يناقش غياب قيادة أوروبية قادرة على جمع المواقف وصياغة التسويات، بما يهدّد قدرة التكتّل على اتخاذ قرارات مشتركة في مرحلة تتزايد فيها التحدّيات الجيوسياسية والاقتصادية.
 
 أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

يواجه الاتحاد الأوروبي بالفعل صعوبات في التوصّل إلى اتفاق بشأن أكبر موازنة في تاريخه، وسدّ فجوة مالية هائلة في أوكرانيا، والتعامل مع الضغوط الجيوسياسية من الولايات المتحدة والصين. والآن، يواجه أيضاً خطر الشلل نتيجة الصراعات السياسية الداخلية في الدول التي تشكّل مجتمعةً نحو 60% من ناتجه المحلي الإجمالي وعدد سكانه.

وقال الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، في مقابلة مع موقع "بوليتيكو" على هامش اجتماع المجلس الأوروبي الأسبوع الماضي، في إشارة إلى مفاوضات الموازنة الشائكة التي يخوضها الاتحاد: "كان الجميع يدركون أنّ علينا التوصّل إلى اتفاق سياسي بحلول نهاية العام".

لكنّه أوضح أنّ الانتخابات الإسبانية ستجعل ذلك غير ممكن، مضيفاً أنّ العام المقبل سيشهد توجّه "فرنسا وإيطاليا" ودول أخرى إلى صناديق الاقتراع، ومتوقّعاً مزيداً من التعقيدات أمام الاتحاد.

يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة غير مسبوقة، إذ تتّجه أكبر أربعة اقتصادات فيه نحو انتخابات أو اضطرابات سياسية، ما قد يقيّد قدرة التكتّل على إنجاز أي شيء.

من المقرّر أن تشهد إسبانيا انتخابات الشهر المقبل، وسط مؤشرات إلى أنّ يمين الوسط واليمين المتطرّف في طريقهما إلى تولّي السلطة. وفي فرنسا، سيتغيّر الرئيس في نيسان/أبريل، فيما ترجّح استطلاعات الرأي كفّة زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوبان.

وفي ألمانيا، يتصاعد نفوذ حزب "البديل من أجل ألمانيا"، ما يثير الشكوك بشأن مستقبل المستشار فريدريش ميرتس في منصبه. أما في إيطاليا، فتتّجه حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي استمرّت في الحكم لفترة طويلة على نحو غير معتاد، إلى انتخابات عام 2027.

وبدأت تداعيات ذلك تتّضح بالفعل. فقد قدّمت القمة الأخيرة للاتحاد لمحة مبكرة عمّا ينتظره. فبعد يومين من المحادثات، فشل القادة في إحراز أي تقدّم بشأن الموازنة البالغة تريليوني يورو، وانخرطوا بدلاً من ذلك في خلاف حاد وغير متوقّع بشأن سياسة الطاقة.

واللافت أنّ البيان الختامي للقمة لم يتضمّن أي إشارة إلى التوصّل إلى توافق بشأن الموازنة قبل نهاية العام، بعدما قاومت الدول الأعضاء مساعي رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا لتحديد نهاية عام 2026 موعداً نهائياً، رغم وجود قمم مقرّرة في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر.

وإذا فشلت هذه الاجتماعات في التوصّل إلى اتفاق، فستمتدّ المحادثات المتوترة أصلاً إلى عام 2027، حين يُرجّح أن تلقي المعارك الانتخابية بظلال أكبر على المفاوضات، وأن تصبح الحكومات أكثر تردّداً في تقديم التنازلات اللازمة للتوصّل إلى اتفاق.

هجوم من ثلاث جهات

بدأ الشلل الذي تخشاه بروكسل، مع تسارع الدورة الانتخابية في أوروبا، يفرض نفسه بالفعل، إذ كشفت قمة الأسبوع الماضي مدى الصعوبة المتزايدة في التوصّل إلى التسويات التي يحتاج إليها الاتحاد.

فبدلاً من إبرام اتفاقات كبرى، باستثناء اتفاق فرنسي ألماني بشأن السيارات، استغلّ القادة الاجتماع للتمسّك بمواقفهم الراسخة، والسعي إلى تحقيق مكاسب تكتيكية على حساب المعسكرات المنافسة.

ووفقاً لستة دبلوماسيين ومسؤولين تحدّث إليهم موقع "بوليتيكو"، كانت أجواء التشاؤم واضحة، وحذّر عدد منهم من أنّ الاتحاد الأوروبي سيواجه رياحاً معاكسة قوية خلال الأشهر المقبلة. وقد مُنح جميعهم حق عدم الكشف عن هوياتهم ليتحدّثوا بحرية.

وقال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى: "سيكون الوضع أسوأ في العام المقبل".

وقالت كارلا تافاريس، العضو البارزة في البرلمان الأوروبي عن كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين، والمشاركة في قيادة مفاوضات الموازنة: "هذا صحيح، فبسبب الجدول الزمني للانتخابات، ستكون الأمور في العام المقبل أكثر صعوبة بكثير داخل الدول الأعضاء وداخل البرلمان الأوروبي".

ولا يكاد يكون هناك توقيت أسوأ من هذا لتفاقم حالة الضعف الداخلي التي يعانيها الاتحاد. فمن تقويض الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتحالف عبر الأطلسي، إلى الاختلال التجاري المتزايد مع الصين، يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطاً جيوسياسية واقتصادية متصاعدة على جبهات متعددة.

وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر للصحافيين، خلال إحاطة إعلامية عُقدت في وقت متأخّر من الليل أثناء القمة، من دون تسمية دول بعينها، لكن في إشارة إلى دول تقع شرق بروكسل وغربها: "إنّهم يسعون إلى تقسيمنا. إنّهم يريدون انقسامنا. ولديهم، بطبيعة الحال، نقاط يمكنهم من خلالها إلحاق الأذى بنا".

أما وزير الخارجية الليتواني السابق غابرييليوس لاندسبيرغيس، الذي يعمل حالياً باحثاً زائراً في جامعة ستانفورد، فكان أكثر صراحةً، إذ قال: "نحن الآن نتعرّض لهجوم من ثلاث جهات: الولايات المتحدة وروسيا والصين".

واشنطن تشكّك في التحالفات القديمة التي شكّلت أساس الأمن الأوروبي على مدى أجيال. وموسكو تشنّ حرب ظلّ في مختلف أنحاء أوروبا، تتراوح بين الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب ومحاولة شنّ هجوم بطائرة مسيّرة على مطار لايبزيغ، حمّلت برلين الكرملين مسؤوليته.

وفي المقابل، تشدّد بيجين قبضتها على سلاسل التوريد الحيوية، وتغرق الأسواق الأوروبية بصادرات منخفضة الأسعار.

ثمّة أيضاً مشكلة أوكرانيا؛ فوفقاً لصندوق النقد الدولي، تواجه البلاد عجزاً في الموازنة يتراوح بين 30 و35 مليار دولار العام المقبل، فيما تواصل روسيا ضرب بنيتها التحتية للطاقة قبيل شتاء قاسٍ، وذلك رغم مبلغ الـ90 مليار يورو الذي وافق الاتحاد الأوروبي على تقديمه العام الماضي.

وقال لاندسبيرغيس إنّ الأشهر المقبلة تبدو "قاتمة للغاية" بالنسبة إلى كييف. وأضاف: "كل شيء يقع على عاتق الأوروبيين".

وقدّم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صورة قاتمة خلال قمة الأسبوع الماضي، محذّراً الصحافيين من أنّ سقوط أوكرانيا سيؤدّي إلى تدفّق 20 مليون أوكراني إلى الاتحاد الأوروبي. وقال: "روسيا تقتلنا. إنّهم لا يريدون التوقّف".

وقد يتمثّل أحد الحلول لمشكلات تمويل أوكرانيا في استخدام الأصول الروسية البالغة 200 مليار يورو، والمجمّدة إلى أجل غير مسمّى لدى مؤسسة الإيداع المالي "يوروكلير"، التي تتخذ من بروكسل مقرّاً لها.

لكن لا توجد مؤشرات إلى إمكان توصّل الاتحاد الأوروبي إلى أرضية مشتركة بشأن هذه المسألة أيضاً، إذ لا تزال بلجيكا، التي استخدمت حق النقض ضد محاولات سابقة لاستخدام هذه الأصول لمساعدة أوكرانيا، ترفض تغيير موقفها.

وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، لدى مغادرته قمة الأسبوع الماضي قبل انتهائها: "لم يتغيّر شيء".

أما الحلول المحتملة الأخرى، مثل إصدار مزيد من الديون المشتركة، فتتطلّب تسويات معقّدة، في وقت تتقلّص فيه هامش المناورة المتاح أمام بروكسل.

إلى من يمكن اللجوء؟ 

تتجاوز مشكلات الاتحاد الأوروبي موازنته أو ملفات السياسات الفردية. فمع الغموض الذي يكتنف المستقبل السياسي لعدد من أقوى القادة الأوروبيين، تواجه بروكسل خطر فقدان التحالفات المستقرّة والشخصيات الوطنية البارزة ذات الخبرة الطويلة، التي تحتاج إليها للتوسّط في التوصّل إلى تسويات.

وقال دبلوماسي أوروبي آخر: "لدينا الآن أوروبا من دون قائد واضح". وأضاف: "رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتمتّع بالنفوذ، لكن ليس لدينا ميركل أو ميتران".

ولا يسمح الدستور للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتولّي ولاية ثالثة متتالية، وسيضطر إلى البحث عن مقرّ إقامة جديد في باريس بعد مغادرته قصر الإليزيه في نيسان/أبريل.

وخلال مناقشة مغلقة في قمة الأسبوع الماضي، أقرّ ماكرون بأنّه لن يمتلك تفويضاً سياسياً للتوقيع على اتفاق بشأن الموازنة خلال أشهره الأخيرة في السلطة، وفقاً لأربعة دبلوماسيين أوروبيين.

أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فتشير استطلاعات الرأي إلى أنّه يتّجه نحو الهزيمة بعد ثماني سنوات في السلطة.

ومن المقرّر أن يتوجّه الإسبان إلى صناديق الاقتراع في 29 تشرين الثاني/نوفمبر، ما يعني أنّ سانشيز سيكون منخرطاً بالكامل في حملته الانتخابية خلال اجتماعي قادة الاتحاد الأوروبي في 13 و26 تشرين الثاني/نوفمبر.

من جهته، قلّل كوستا، الذي شدّد على ضرورة التوصّل إلى اتفاق بشأن موازنة الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية عام 2026 لضمان جاهزيتها للتنفيذ عام 2028، من المخاوف من أن تعرقل الانتخابات المقبلة عمل الاتحاد.

وقال يوم الجمعة: "نحن نعيش في 27 دولة ديمقراطية. لدينا انتخابات كل شهر تقريباً. وإذا كان الأمر يتعلّق بالانتخابات، فلن نتمكّن أبداً من إقرار موازنة جديدة".

وبغضّ النظر عن نتيجة الانتخابات، لا يُتوقّع تشكيل حكومة جديدة في مدريد قبل كانون الثاني/يناير، ما قد يعرقل محادثات الموازنة، وفقاً لدبلوماسيين أوروبيين اثنين.

أما المدة التي سيبقى فيها المستشار الألماني ميرتس في منصبه، فلا يمكن لأحد التكهّن بها. فعلى الرغم من أنّ الانتخابات الفيدرالية المقبلة غير مقرّرة قبل عام 2029، فإنّ تصاعد قوة حزب "البديل من أجل ألمانيا" والتراجع الحاد في شعبية ميرتس يعقّدان مدى استعداده لتقديم التنازلات.

ومن المقرّر أيضاً أن تشهد إيطاليا انتخابات في تشرين الأول/أكتوبر 2027. لكنّ دبلوماسياً أوروبياً آخر قال إنّه لا يتوقّع أن تنتظر ميلوني حتى ذلك الموعد، مرجّحاً أن تدعو إلى انتخابات مبكرة جداً.

واقترح مسؤول أوروبي رفيع المستوى أنّ كانون الثاني/يناير قد يمثّل فرصة مناسبة لحسم الاتفاق بشأن الموازنة، وربما يكون الفرصة الأخيرة للتوصّل إلى اتفاق قبل أن تجعل الاضطرابات السياسية في أوروبا التسويات أكثر صعوبة.

وقال زيغفريد موريسان، المشارك في قيادة مفاوضات الموازنة عن حزب الشعب الأوروبي، إنّ قادة الاتحاد الأوروبي كانوا حتى الآن "بطيئين للغاية". وأضاف: "الوقت ينفد".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.