بلومبرغ: المنطق يقتضي التوصل إلى اتفاق مع إيران.. هل تسمح أوهام ترامب بذلك؟
عندما يتعلق الأمر بإيران، يبدو أن ترامب يعيش في عالمه الخاص؛ يُعيد صياغة الواقع ليتبع سيناريو يُمثل فيه دور البطل القوي المنتصر في النهاية، متجاهلًا الحقائق.
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
وكالة "بلومبرغ" تنشر مقال رأي تطرح فيه الأسباب الموجبة لعقد اتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتقدم في المقابل الأسباب التي قد تحول دون ذلك. ما هي؟ وهل تستند إلى الواقعية السياسية؟
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
في العالم المنطقي الذي يبدو أن الأسواق تعتقد أنه سيسود في الشرق الأوسط، ستنتهي هذه الحرب - وقريبًا - نظرًا لقلة احتمالات تحقيق أي من الطرفين نصرًا حاسمًا بإعادة إشعال الصراع. أما تكاليف المحاولة، فتتراوح بين العقابية والكارثية.
في هذا العالم، ثمة سبيلٌ قد يُفسر، مع مرور الوقت، الخسائر في الأرواح والموارد منذ 28 فبراير، فـ"إسرائيل" ولبنان، والولايات المتحدة وإيران، تجريان محادثات مباشرة فيما بينهما. ويمكن استغلال هذا التطور لوضع العلاقات بين الطرفين على مسار نحو مستويات من الأمن والاستقرار لم تشهدها منذ عقود.
في الواقع، إن الحجج المؤيدة لوقف إطلاق نار دائم وعملية تسوية مقنعة للغاية لدرجة أن هذا لا يزال يبدو السيناريو المعقول الوحيد لإنهاء الحرب، حتى لو كان الوصول إلى ذلك سيثبت أنه فوضوي ومليء بالبدايات الخاطئة.
المشكلة تكمن في أننا لا نعيش في عالم منطقي كهذا في الوقت الراهن. كما أننا نفتقر إلى فريق استشاري استراتيجي على غرار هنري كيسنجر لصياغة الاتفاقات الكبرى المطلوبة، أو إلى قادة يتمتعون بالشجاعة الشخصية والسياسية اللازمة للتوصل إلى حلول وسط.
إن الكلمة الأخيرة في تحديد الشروط المقبولة لا تعود إلى الرجلين اللذين تتفاوض معهما الولايات المتحدة - رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقتشي - ولا حتى إلى المرشد الأعلى، بل هي في يد جنرالات حرس الثورة الذين يسيطرون على صواريخ البلاد وقوات الأمن.
في لبنان، لم يوافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على وقف إطلاق نار مؤقت وبدء محادثات مع حكومة بيروت إلا تحت ضغط شديد. جاء هذا الضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي رأى في الإجراءات الإسرائيلية ضد حزب الله تقويضًا لجهوده الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران.
لسوء الحظ، لا تجعل هذه الجهود من ترامب الشخص العاقل في المفاوضات. فعندما يتعلق الأمر بإيران، يبدو أنه يعيش في عالمه الخاص، يُعيد صياغة الواقع ليتبع سيناريو يُمثل فيه دور البطل القوي المنتصر في النهاية، متجاهلًا الحقائق.
هذا وضع غير مستقر بطبيعته، كما تشهد على ذلك الفوضى التي شهدها مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع. فما إن أعلن عراقتشي أن مضيق هرمز "مفتوح بالكامل" ما دام وقف إطلاق النار في لبنان مستمراً، حتى بدأ كل شيء بالانهيار.
قال ترامب إن الحصار الأميركي المفروض على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية سيستمر. وأشار تقرير في صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن الولايات المتحدة على وشك توسيع حصارها ليشمل المياه الدولية، وتفتيش السفن التي تحمل النفط الإيراني أينما وُجدت في العالم.
ووفقًا لرواية ترامب، فإن المفاوضات تسير على نحو ممتاز وستُستأنف يوم الاثنين. ومن الممكن التوصل إلى اتفاق في غضون أيام، ولم يتبق سوى بعض العواقب البسيطة.. وفي الوقت نفسه، فقد تحقق "تغيير النظام" في إيران؛ فقد قُتل "المتطرفون"، وتولت مجموعة جديدة من "القادة المعتدلين" زمام الأمور، وهم على استعداد تام للتوقيع على اتفاقه، بل إن إيران وافقت على تسليم اليورانيوم المخصب! أما الولايات المتحدة، من جانبها، فتتمسك بموقفها، وتحافظ على حصارها ومطالبها القصوى، دون أن تقدم أي شيء في المقابل، بما في ذلك المال.
لا شيء من هذا حقيقي. إنه سيناريو فيلم خيالي من إخراج ترامب، أشبه بفيلم "هاري القذر". لم يحدث أي تغيير في النظام في إيران. وكما ذكر معهد دراسات الحرب في واشنطن في تحليله للصراع يوم السبت: "من المرجح أن يكون قائد حرس الثورة الإيراني، اللواء أحمد وحيدي، وأعضاء دائرته المقربة قد سيطروا، ولو مؤقتًا، ليس فقط على رد إيران العسكري في هذا الصراع، بل أيضًا على موقفها التفاوضي ونهجها خلال الـ 48 ساعة الماضية". هؤلاء الرجال متشددون للغاية.
أثار منشور عراقتشي في وسائل التواصل الاجتماعي حول فتح مضيق هرمز ردود فعل غاضبة من قادة آخرين في الداخل، إذ اتضح أن الولايات المتحدة لا ترد بالمثل، وهو ما اعتبروه إهانة تفاقمت بسبب مزاعم ترامب النووية. لذا، حذر حرس الثورة من محاولة عبور مضيق هرمز دون موافقته، وأطلق النار على سفينتين لإيصال الرسالة بوضوح.
قال قاليباف، وهو قائد سابق في حرس الثورة الإيراني، إن ترامب أدلى بسبعة تصريحات حول اتفاقهما في وسائل التواصل الاجتماعي، وكلها غير صحيحة. وأضاف أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً حتى ترفع الولايات المتحدة حصارها عنه.
الحقيقة هي أنه لا يوجد اتفاق نووي، ولا يزال الطرفان متباعدين للغاية، بل من المحتمل أن يكون التوصل إلى تسوية أصعب الآن مما كان عليه لو لم يُستشهد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في اليوم الأول للحرب.. ويبدو أن السيد مجتبى، نجل خامنئي وخليفته، قد أُصيب من جراء الغارة التي استهدفت والده.
في غضون ذلك، تعود حاملة الطائرات جيرالد فورد إلى الخليج بعد خضوعها للإصلاحات. وقد هدد ترامب باستئناف قصف إيران بعد انتهاء الهدنة التي استمرت عشرة أيام هذا الأسبوع. من جهة أخرى، تعتقد أجهزة الاستخبارات الأميركية أن إيران تستخرج صواريخ وقاذفات دُفنت تحت الأنقاض من جراء القصف الأميركي والإسرائيلي.
ونتيجة لذلك، يقول تقرير صحيفة نيويورك تايمز إن الولايات المتحدة الآن تعتقد أن مخزون إيران من الصواريخ ومنصات إطلاق الصواريخ قد عاد إلى 70% و60% من مستويات ما قبل الحرب على التوالي.
يبقى السيناريو الأساسي لهذه الحرب هو أن الطرفين سيجدان، بطريقة أو بأخرى، سبيلاً للعودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية، لأن كليهما سيخسر الكثير ولن يربح إلا القليل إذا ما استؤنفت الحرب بشكل جدي. سيكون هذا رهانًا مضمونًا في عالم يسوده المنطق، لكن في عالمنا "الواقعي" الحالي - الذي تهيمن عليه أوهام النصر لدى ترامب - تبدو العودة إلى الحرب احتمالًا واردًا للغاية.
نقله إلى العربية: الميادين نت.