"المونيتور": كيف يمكن أن تسهم المكاسب الانتخابية للأحزاب العربية في إطاحة نتنياهو؟
شارك المواطنون العرب بأعداد قياسية في انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر، إذ بلغت نسبة الاقتراع 80%، متجاوزةً النسبة العامة على المستوى الوطني، التي بلغت 77%.
-
يوسف جبارين، رئيس "القائمة المشتركة"، وعدد من أنصاره يحتفلون في المقر الانتخابي للقائمة في مدينة الناصرة.
موقع "المونيتور" الأميركي ينشر تقريراً يتناول الصعود غير المسبوق للأحزاب العربية في الانتخابات الإسرائيلية، وتحولها إلى قوة سياسية حاسمة في تشكيل الحكومة المقبلة، قد تكون قادرة على إنهاء حكم بنيامين نتنياهو.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
بحصول الحزبين العربيين في "إسرائيل"، القائمة المشتركة و"راعم"، على 19 مقعداً مجتمعين، في سابقة غير مشهودة، أصبحا في موقع القوة السياسية القادرة على ترجيح كفة تشكيل الحكومة.
وبعد تهميشهم لفترة طويلة في نظام سياسي يهيمن عليه اليهود، يستفيد السياسيون العرب من ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات لإعادة رسم المستقبل السياسي لـ"إسرائيل". ويتمثّل هدفهم المباشر في إنهاء ولاية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من خلال تشكيل ركيزة أساسية لائتلاف حكومي بديل.
مكاسب غير مسبوقة
شارك المواطنون العرب بأعداد قياسية في انتخابات الـ 27 من تشرين الأول/أكتوبر، إذ بلغت نسبة الاقتراع 80%، متجاوزةً حتى النسبة العامة على المستوى الوطني، التي بلغت 77%. وكان الارتفاع في المشاركة لافتاً بصورة خاصة في سخنين، حيث بلغت 83.5%، مقارنةً بـ68.4% في عام 2022، وفي كفر قاسم، حيث ارتفعت إلى 81.3% من 66.8%، وفي مدينة رهط البدوية، حيث صعدت إلى 79.8% من 66.6%.
ووفقاً لدائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، يشكّل المواطنون العرب نحو 21% من سكان المناطق المحتلة عام 1948.
وتضمّ القائمة المشتركة، وهي تحالف يجمع أحزاب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، والحركة العربية للتغيير (تعال)، والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، بقيادة رئيس الجبهة يوسف جبارين، أحزاباً عربية اشتراكية، وأخرى فلسطينية قومية علمانية وقومية عربية. وتدعو القائمة إلى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
وينصّ برنامجها السياسي على أنّها "تعبّر عن الإرادة السياسية الوطنية للمواطنين الفلسطينيين في "إسرائيل"، وعن وحدة نضالهم بوصفهم جماعة قومية أصلانية"، فضلاً عن "مناهضة الاحتلال والعنصرية والتفوّق اليهودي، وتشكيل بديل ديمقراطي حقيقي للإجماع الصهيوني العنصري".
أما حزب "راعم"، بقيادة منصور عباس، فهو حزب إسلامي محافظ يقدّم نفسه شريكاً براغماتياً يسعى إلى الانضمام إلى الحكومة واستبدال حكومة نتنياهو. ويعطي الحزب الأولوية للاحتياجات اليومية للمجتمع العربي، بما في ذلك مكافحة الجريمة والعنف في المجتمعات العربية، وضمان استثمارات حكومية في خدمات مثل الرعاية الصحية والتعليم والنقل.
وفي تأكيد التزامه بتعميق الانخراط في المجتمع الإسرائيلي والحياة السياسية الإسرائيلية، أعلن عباس في كانون الأول/ديسمبر 2025 أنّ "راعم" سينفصل عن مجلس الشورى، وهو الهيئة الدينية التابعة للجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، التي كانت تشرف على عمليات اتخاذ القرارات الأساسية في الحزب.
وفي حين تقود القائمة المشتركة النضالات الأيديولوجية والوطنية من مقاعد المعارضة، سعى "راعم" إلى تحقيق هذه المصالح من داخل أروقة السلطة، حتى إنّه انضمّ إلى الائتلاف الحكومي عام 2021.
وفي خطوة تجسّد هذه الاستراتيجية، انضمّ عضو الكنيست الوسطي السابق يوآف سيغالوفيتش، وهو مسؤول شرطة يهودي سابق رفيع المستوى قاد جهود مكافحة الجريمة في المجتمعات العربية، إلى قائمة "راعم" الانتخابية في آب/أغسطس 2026.
وكان "راعم" جزءاً من ائتلاف بينيت–لابيد، الذي تولّى السلطة في حزيران/يونيو 2021 واستمرّ حتى كانون الأول/ديسمبر 2022. وفي المقابل، كانت القائمة المشتركة، حتى وقت قريب، تستبعد الانضمام إلى حكومة يقودها الصهاينة، أو حتى دعمها من خارج الائتلاف.
إحباط المجتمع العربي
لطالما اتّهم القادة العرب الحكومة الإسرائيلية بالإهمال المنهجي للجريمة المنظّمة والعنف في مجتمعاتهم، مشيرين إلى استمرار نقص التمويل المخصّص لبرامج الوقاية، وقلّة مراكز الشرطة في البلدات العربية.
وما يزيد هذه المظالم تفاقماً، مواصلة السلطات هدم المنازل غير المرخّصة في القرى البدوية، حيث يؤكد السياسيون العرب أنّ الدولة دأبت على الامتناع عن إقرار مخططات التنظيم العمراني أو توفير بدائل سكنية قابلة للتطبيق.
وقال جبارين، بعد الانتخابات، إنّ إهمال نتنياهو للمواطنين العرب، والمواقف المتشددة المعادية للعرب التي يتبنّاها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المسؤول عن الشرطة، قد أتت بنتائج عكسية، إذ دفعت الناخبين العرب إلى المشاركة في الانتخابات بأعداد قياسية للتعبير عن معارضتهم.
وقال بكر عواودة، من حزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، وهو فصيل قومي فلسطيني من أقصى اليسار، لموقع "المونيتور"، يوم الخميس، إنّ المواطنين العرب شاركوا بأعداد كبيرة لأنهم سئموا تجاهلهم، وما وصفه بالسياسات العنصرية لحكومة نتنياهو، التي قال إنّها تعاملت معهم بطريقة غير ديمقراطية.
وأضاف أنّ الحكومة "سمحت بانتشار العنصرية ضد المواطنين العرب في أماكن العمل وغيرها من مجالات الحياة اليومية، وأضفت شرعية على إقصائهم، بمن فيهم الطلاب والأطباء العرب، ومارست تحريضاً واسع النطاق ضد المواطنين العرب".
وكان عواودة يشير، من بين أمور أخرى، إلى تزايد أعداد جرائم القتل والجرائم الأخرى في البلدات والقرى العربية.
وقد سجّلت مبادرات إبراهيم، وهي منظمة تعمل على تعزيز الاندماج الاجتماعي، 156 جريمة قتل في المجتمعات العربية خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 15% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويتّهم القادة العرب الحكومة، ولا سيما بن غفير، بغضّ الطرف عن الجرائم داخل المجتمع العربي، وعن تجارة الأسلحة غير القانونية في المجتمعات العربية.
وقالت عضو الكنيست السابقة عن حزب العمل، كسينيا سفيتلوفا، لـ"المونيتور"، إنّ المشاركة العربية الواسعة عكست أيضاً شعوراً بالخوف.
وأضافت: "يراقب المواطنون العرب ما يحدث في الضفة الغربية، والعنف الذي تمارسه الميليشيات اليهودية المتطرفة ضد الفلسطينيين، ويخشون أن يكونوا الضحية التالية".
القوة المرجّحة لتشكيل الحكومة
بحصولهما على 19 مقعداً في الكنيست، أصبح الحزبان العربيان ثالث أكبر قوة برلمانية بعد الكتلة التي يقودها نتنياهو والمعارضة التي يتزعّمها آيزنكوت.
وهذا وضع غير مسبوق يمنح الحزبين العربيين نفوذاً كبيراً في عملية تشكيل الائتلاف الحكومي، بعدما أسفرت نتائج الانتخابات عن حالة من الجمود السياسي.
ومع فرز جميع الأصوات تقريباً، تمتلك كتلة نتنياهو 53 مقعداً، في حين تحظى كتلة المعارضة بقيادة رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، بـ48 مقعداً، من دون احتساب الأحزاب العربية.
وقال آيزنكوت إنّه سيعمل على تشكيل "حكومة صهيونية". لكنه لم يستبعد تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم الأحزاب العربية من خارج الائتلاف، بحيث تصوّت هذه الأحزاب لمصلحتها في الكنيست من دون المشاركة في مجلس الوزراء.
وقد يتيح مثل هذا الترتيب لآيزنكوت الاعتماد على دعم الأحزاب العربية من دون إشراكها في الحكومة، بما يبدّد اعتراضات بعض أحزاب المعارضة على ضمّها.
وتختلف الأحزاب العربية في مقاربتها. فقد أعلن "راعم" رغبته في أن يكون جزءاً من ائتلاف حكومي، بينما استبعدت القائمة المشتركة الانضمام إلى حكومة يقودها نتنياهو، أو إلى أي حكومة صهيونية أخرى، لكنها عرضت تقديم دعم من الخارج لحكومة مناهضة لنتنياهو، إذا عالجت قضايا الجريمة وهدم المنازل والاعتراف بالقرى البدوية في النقب.
وقال عواودة: "تخيّلوا حزباً في الولايات المتحدة يعلن أنّه لن يجلس مع السود. وتخيّلوا دولة أوروبية تعلن أنّها ترفض التعاون مع مجموعة إثنية معيّنة. سيكون ذلك أمراً لا يمكن تصوّره".
وبرأيه، عكست المشاركة العربية المرتفعة إصراراً على الحفاظ على الديمقراطية وتوسيع نطاقها، وهي التي يرى أنّها تتآكل تدريجياً بفعل صعود اليمين المتطرف في "إسرائيل".
ومن جانبهما، أعربت القائمة المشتركة و"راعم"، يوم الأربعاء، عن استعدادهما لمساعدة آيزنكوت على إسقاط حكومة نتنياهو.
وقالت القائمة المشتركة في بيان: "سيبذل الحزب كل ما في وسعه لإنهاء حكم نتنياهو. ونحن مستعدون للتعاون السياسي من أجل تشكيل حكومة بديلة تقدّم بديلاً حقيقياً، وتلتزم بإحداث تغيير جذري في السياسات العنصرية للحكومة الحالية".
وفي تموز/يوليو الماضي، قال الرئيس السابق للقائمة المشتركة، أيمن عودة، لـ"المونيتور"، إنّ تحالفه الجبهة–العربية للتغيير (حداش–تعال) يمكن أن يدعم أحزاب المعارضة من خارج الحكومة، لمنع وصول ائتلاف آخر بقيادة نتنياهو إلى السلطة.
وقالت سفيتلوفا: "بعثت نتائج الانتخابات برسالة واضحة مفادها أنّ المجتمع العربي يريد ويعتزم أن يكون جزءاً من الحياة السياسية الإسرائيلية، وأن يكون له رأي فيها".
وأضافت: "الناخبون العرب لا يرسلون ممثليهم إلى الكنيست لمجرّد الجلوس هناك من دون أن يكون لهم أي تأثير".
وقال صاحب متجر في مدينة يافا المختلطة، التي يسكنها عرب ويهود، لـ"المونيتور"، يوم الخميس، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، إنّه يتعيّن على اليهود الإسرائيليين الاعتراف بأنّ المواطنين العرب يشكّلون قوة سياسية لا يمكن تجاهلها.
وأضاف: "على مدى سنوات طويلة، لم نكن نصوّت لأننا كنّا نشعر بأنّ أحداً لا يصغي إلينا في جميع الأحوال. لكن في نهاية المطاف، نحن أكبر أقلية في إسرائيل. ولا يمكن للناس والسياسيين أن يتجاهلونا ببساطة".
نقلته إلى العربية: بتول دياب.