"الغارديان": لماذا يخرج الناخبون الهنود إلى الشارع؟

غضب عارم من جرّاء تعديلات قوائم الناخبين يتصاعد ليشعل أزمة لحكومة ناريندرا مودي القومية الهندوسية.

0:00
  • غضب عارم جراء تعديلات قوائم الناخبين يتصاعد ليشعل أزمة لحكومة ناريندرا مودي القومية الهندوسية.
    غضب عارم من جرّاء تعديلات قوائم الناخبين يتصاعد ليشعل أزمة لحكومة ناريندرا مودي القومية الهندوسية.

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يتناول تصاعد الاحتجاجات الشعبية في الهند ضد عملية مراجعة سجلات الناخبين، التي أدّت إلى شطب أسماء نحو 130 مليون شخص من القوائم الانتخابية، وسط اتهامات لحكومة ناريندرا مودي باستخدام هذه الإجراءات لحرمان ملايين المواطنين، ولا سيما المسلمين والفقراء والأقليات، من حقهم في التصويت.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

نشأت شاهيدا فاكير في قرية صغيرة بولاية البنغال الغربية، وكانت تعتبر حقها في التصويت أمراً مسلّماً به، إلى أن سُلب منها هذا الحق فجأة. قدمت شاهدة للمسؤولين شهادة ميلادها الهندية ووثائق ملكية أراضٍ عائلية في القرية تعود إلى عام 1962. كان اسما والديها مدرجين في السجل الانتخابي لعقود طويلة، لذا قدمت ما يثبت ذلك أيضاً. ولكن عند صدور القائمة النهائية المُنقَّحة للناخبين في شهر نيسان/ أبريل، لم يكن اسمها مدرجاً فيها. 

لم تكن هذه العاملة المهاجرة، البالغة من العمر 38 عاماً والمنحدرة من أسرة مسلمة فقيرة، الوحيدة التي واجهت هذا المصير؛ فمنذ العام الماضي، أُزيلت أسماء 130 مليون شخص، وهو عدد يفوق إجمالي سكان اليابان، من السجل الانتخابي في الهند عبر عملية تُعرف باسم "المراجعة المكثفة الخاصة" (SIR). وعلى مدى العقود الـ8 تقريباً التي تلت استقلال الهند، لم يسبق أن تقلصت قوائم الناخبين بهذا الحجم الهائل وفي فترة زمنية قصيرة كهذه.

وقد وصفت حكومة ناريندرا مودي عملية "المراجعة المكثفة الخاصة" (SIR) باعتبارها إجراءً مشروعاً لتصحيح هذه السجلات وتحديثها تحت إشراف لجنة الانتخابات؛ وقد أسفرت هذه العملية عن حذف عشرات الملايين من الأسماء الخاصة بأشخاص متوفين أو أسماء مكررة، إلا أن الحذف طال أيضاً أسماء ملايين المواطنين الهنود الأحياء. ويرى المنتقدون أن التعهد بـ"تنقية" سجلات الناخبين في الهند من المهاجرين غير الشرعيين قد استُخدم - بدلاً من ذلك - لأغراض أكثر سوءاً، تتمثل في حرمان عشرات الملايين من المسلمين وأفراد الأقليات الأخرى، فضلاً عن الفقراء والمجتمعات المنتمية للطبقات الدنيا - وهم في الغالب لا يصوتون لصالح حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم- من حقهم في التصويت.

وفي غضون أسابيع قليلة، تصاعدت حالة الغضب الشعبي العارم في أنحاء البلاد تجاه هذه العملية، وانتقلت الاحتجاجات إلى شوارع كبرى المدن الهندية، الأمر الذي شكل تحدياً هائلاً للحكومة. وقد تحولت دلهي خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى ما يشبه القلعة المحصنة أمنياً، حيث انتشرت الحواجز ونقاط التفتيش، واستُنفرت عشرات الآلاف من عناصر الشرطة والقوات شبه العسكرية التي احتجزت آلاف الأشخاص، وذلك في محاولة لقمع احتجاجات قادها الشباب للمطالبة باستقالة فورية للمسؤول عن هذه العملية، وهو كبير مفوضي الانتخابات غيانيش كومار. 

وفي يوم الاثنين، حشدت أحزاب المعارضة - التي نددت بـ"المراجعة المكثفة الخاصة" ووصفتها بأنها "سلاح لسرقة الأصوات" تستخدمه حكومة مودي - عشرات الآلاف من المؤيدين في مسيرات حاشدة جابت العاصمة، وقدمت التماساً إلى المحكمة العليا تطالب فيه باستقالة كومار. وقد تعهدت حركة "كوكرتش جانتا بارتي" (CJP) - وهي حركة يقودها الشباب وكانت وراء الدعوة لاحتجاجات يوم السبت - بمواصلة النضال والاحتجاج ضد هذا النظام. وتزعم قيادات المعارضة والمجتمع المدني أن عملية "المراجعة المكثفة الخاصة" قد منحت بالفعل حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم (BJP) ميزة انتخابية في ولايات مثل بيهار والبنغال الغربية، وهي مزاعم نفاها الحزب. ويرى آخرون أن هذه العملية تنطوي على تداعيات أكثر إثارة للقلق؛ فبموجب التغييرات التي أدخلها كومار من جانب واحد على النظام، أضحت لجنة الانتخابات الجهة التي تبت في مسألة الجنسية الهندية، وهو ما يمثل تجاوزاً صارخاً لنطاق لصلاحياتها.

وتتجلى هذه العواقب بالفعل في ولاية البنغال الغربية، حيث وصل حزب "بهاراتيا جاناتا" بزعامة مودي إلى السلطة مؤخراً وبدأ حملة صارمة ضد المهاجرين "غير الشرعيين"، شملت إنشاء عدد من مراكز الاحتجاز الجديدة. وتؤكد منظمات المجتمع المدني إلى أن المسلمين الذين استُبعدوا بموجب عملية "المراجعة المكثفة الخاصة" باتوا هدفاً مباشراً لهذه الحملات. وكانت شاهدة من بين هؤلاء؛ فبعد 3 أشهر فقط من نشر قائمة الناخبين – وبينما كانت جلسة الاستماع الخاصة بالطعن في قرار استبعادها لا تزال معلقة - ألقت الشرطة القبض عليها بتهمة أنها مهاجرة غير شرعية من بنغلادش. وفي تموز/ يوليو، أُجبرت على عبور الحدود إلى بنغلاديش - وهي دولة لم تزرها قط ولا تربطها بها أي صلة - ولا تزال عالقة هناك. وقالت في مكالمة هاتفية تخللتها الدموع من قرية حدودية بنغلاديشية حيث تتخذ مأوى لها: "لقد توسلت للشرطة جاثيةً عند أقدامهم ألا يرسلوني إلى بنغلاديش، لكنهم دفعوني عبر الحدود". 

وقد أكد ضابط في حرس الحدود البنغلاديشي رواية شاهدة، قائلاً: "لقد دققنا في جميع وثائقها ونحن مقتنعون بأنها مواطنة هندية". وفي أيلول/ سبتمبر، قدمت عائلتها التماساً إلى المحكمة العليا للطعن في قرار ترحيلها، ومُنحت الحكومة الهندية مهلة شهر للرد. وقالت: "كل ما أريده هو العودة إلى عائلتي ومنزلي في الهند. إنني أنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر". ونظراً لتكدس ملفات ملايين الناخبين في ولاية البنغال الغربية الذين يطعنون في قرار استبعادهم، فقد تمر سنوات قبل أن تُعرض قضية شاهدة على الجهات المختصة.

ويتحدث الأشخاص الذين جُرّدوا من حقهم في التصويت في أنحاء البنغال الغربية عن الرعب الذي ينتابهم من احتمال اتهامهم بأنهم "أجانب" في وطنهم؛ بل إن البعض منهم قد حُرموا بالفعل من الحصول على المزايا والخدمات. وفي هذا السياق، قال محمد هداية الله صدّيقي (80 عاماً)، من مقاطعة "شمال 24 بارغاناس"، إن جده كان مناضلاً من أجل استقلال الهند، وإن أسماء 3 أجيال من عائلته كانت مدرجة في سجلات الناخبين؛ ومع ذلك، وصف صدّيقي شعوره بـ"المهانة" حين اكتشف اختفاء اسمه من السجلات عقب عملية "المراجعة المكثفة الخاصة". وقال: "أعيش في حالة رعب دائم بعد شطب اسمي من سجل الناخبين. ماذا لو أرسلوني إلى معسكر احتجاز؟ لا أطيق حتى مجرد التفكير في الانفصال عن أبنائي وأحفادي في هذه السن، لا سيما وأن جميع أسلافي دُفنوا في الهند".

ويشير المنتقدون إلى أن المشكلات بدأت عام 2023، حين غيّرت حكومة مودي آلية تعيين أعضاء لجنة الانتخابات - التي تتألف من 3 أعضاء- مانحةً الحكومة السيطرة بالأغلبية للمرة الأولى. وفي غضون أشهر قليلة، عيّنت اللجنة التي يرأسها مودي السيد كومار مفوضاً للانتخابات، على الرغم من اعتراضات المعارضة. وفي هذا الصدد، قال رونوجوي سين، وهو باحث بارز في برنامج دراسات جنوب آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية: "على مدى عقود، كانت لجنة الانتخابات واحدة من أكثر هيئاتنا استقلالية ومصداقية، لكن هذه المكانة قد تآكلت اليوم".

بحلول العام التالي، كانت هيئة لجنة الانتخابات الجديدة قد بدأت في تنفيذ عملية "المراجعة المكثفة الخاصة"، بدءاً من ولاية بيهار، بحيث أثارت هذه الخطوة على الفور مخاوف لدى منظمات حقوق الإنسان بعد شطب أسماء أكثر من 6 ملايين ناخب. ولم يمضِ وقت طويل على هذه المراجعات حتى حقق حزب "بهاراتيا جاناتا" فوزاً ساحقاً في انتخابات الولاية.

وعلى الرغم من استمرار المخاوف بشأن عملية المراجعة لأشهر، إلا أنها لم تثر احتجاجات على المستوى الوطني إلا بعد أن كشفت صحيفة "إنديان إكسبريس" (Indian Express) الشهر الماضي أن عضوين في لجنة الانتخابات كانا قد قدّما 14 اعتراضاً على آلية استبعاد الناخبين من القوائم، غير أن كومار رفض تلك الاعتراضات بشكل أحادي الجانب. وقال "سين": "لطالما كانت الديمقراطية في الهند تعاني من عيوب، لكن المواطنين كانوا يشعرون على الأقل بأن لديهم الحق في التصويت وأن الانتخابات منتظمة ونزيهة. لقد سلبت عملية المراجعة تلك هذا الحق؛ وبالنظر إلى الطريقة التي أُجريت بها، يصعب تصور أن الدافع وراءها كان أي شيء آخر غير تعزيز فرص حزب 'بهاراتيا جاناتا' الانتخابية".

وانتقد 3 من مفوضي الانتخابات السابقين علناً عملية "المراجعة المكثفة الخاصة"، واصفين إياها بأنها "إجراء عدائي" قوض قدسية سجلات الناخبين في البلاد من خلال التركيز على استبعاد الناخبين بدلاً من إشراكهم. وقد وصف أو بي راوات، الرئيس السابق للجنة الانتخابات، التغييرات التي أُدخلت على نموذج تسجيل الناخبين بأنها "خاطئة وغير قانونية". كما دعا أشوك لافاسا، الذي شغل منصب مفوض الانتخابات في الفترة ما بين 2018 و2020، إلى إلغاء هذه العملية برمتها؛ بحيث صرح الشهر الماضي قائلاً: "لقد فُرض إجراء غير عادل على ملايين الأشخاص في البلاد، وقد أيدت السلطة القضائية ذلك. فكيف يمكن تفسير شطب 130 مليون اسم؟".

ولم يكن أحد أشد معارضةً لهذه الخطوة من إس واي قريشي، الرئيس السابق للجنة الانتخابات (2010-2012)، الذي وصف العملية بأنها "مضايقة وطنية تهدف إلى التخلّص من أسماء المسلمين من سجلات الناخبين"، معتبراً أنّ "السبيل الوحيد لاستعادة مصداقية الانتخابات في الهند يتجلّى في إعادة هؤلاء الناخبين الذين شُطبت أسماؤهم".

في المقابل، نفى حزب "بهاراتيا جاناتا" وجود أي تورط أو دافع سياسي وراء عملية "المراجعة المكثفة الخاصة" متهماً حزب "المؤتمر" المعارض بـ"الغيرة"" من انتصاراته الانتخابية الأخيرة، ومؤكداً أن بإمكان أي ناخب شُطب اسمه إعادة التسجيل ببساطة. ووصف المتحدث باسم الحزب، سودانشو تريفيدي، هذه الاتهامات بأنها "معلومات مضللة" وجزء من حملة معارضة "يتم تدبيرها لخلق حالة من الانقسام والفوضى".

ومع ذلك، بدا أن لجنة الانتخابات تقر بوجود بعض أوجه القصور في هذه العملية؛ إذ فرضت - وإن كان ذلك متأخراً - في أواخر الأسبوع الماضي قيوداً على عدد لوائح شطب الناخبين (التي تتيح للأفراد تقديم اعتراضات نيابة عن آخرين)، وذلك عقب وقوع حوادث قام فيها أشخاص بتقديم آلاف النماذج التي تستهدف عمداً ناخبين مسلمين مستوفين للشروط.

في غضون ذلك، تتصاعد حالة الغضب الشعبي؛ ففي دلهي - حيث أدت عملية "المراجعة المكثفة الخاصة" استبعاد ملايين الأشخاص من القائمة الأولية للناخبين- يُتوقع أن تتواصل الاحتجاجات هذا الأسبوع. وقال براشانت تاندون (60 عاماً)، وهو مقيم في دلهي منذ 30 عاماً، إنه لم يصدق ما حدث عندما تلقى إشعاراً عند باب منزله يشكك في وضعه كناخب. وصرح بغضب قائلاً: "إذا كان هناك من يشكك في جنسيتي، فعليه تقديم أدلة تثبت ذلك؛ فلا ينبغي عليّ أن أثبت أنني مواطن هندي"؛ مضيفاً أنه سينضم إلى الشباب في الاحتجاجات. 

نقلته إلى العربية: زينب منعم.