البرهان في "فورين بوليسي": كيف يخرج السودان من دائرة الحرب؟
رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان يؤكد ضرورة أن يكون أي حل محلي الصنع.
-
الحرب في السودان
كتب رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان مقالاً في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، ناقش فيه رؤيته لإنهاء الحرب، والدعوة إلى تسوية يقودها السودانيون أنفسهم بدلاً من فرض حلول خارجية.
ويجادل بأن الحرب ليست، وفق طرحه، "حرباً أهلية" بين طرفين متكافئين، بل اعتداء تشنه "قوات الدعم السريع" على الدولة السودانية، محمّلاً إياها مسؤولية القتل والتطهير العرقي، ومؤكداً أن الدعم الخارجي هو ما يمكّنها من مواصلة الحرب.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، وباتت تمثّل أكبر أزمة إنسانية في العالم. فقد قُتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، فيما تركت المجاعة والعنف الجنسي الواسع النطاق ملايين الأشخاص في حاجة عاجلة إلى الغذاء والدواء والدعم النفسي.
يعرف السودانيون أن هذه الحرب يجب أن تنتهي، وبإذن الله ستنتهي. لكن بعد أكثر من اثني عشر اتفاقاً لوقف إطلاق النار بوساطة أطراف دولية انتهت جميعها بالفشل، حان الوقت لوضع نهاية دائمة لهذه الحرب، بحيث لا تعود البنادق إلى إطلاق النار بمجرد أن يصرف العالم أنظاره. وهذا ما يطلبه مني المدنيون السودانيون، بصفتي رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، وما يطلبونه من سائر المكلّفين بالحكم: أن تنتهي الحرب نهائياً، وأن يتوقف بالكامل التدخل الأجنبي الذي مزّق بلدنا واستفاد من معاناتنا.
إن الحرب في السودان ليست قتالاً بين "فصيلين"، ولا هي "حرب أهلية"؛ فدولتنا ذات السيادة وميليشيا "قوات الدعم السريع" لا تقفان على قدم المساواة أخلاقياً أو قانونياً. بل إن ما يجري هو اعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة من جانب جماعة شبه عسكرية تعتمد في بقائها على النهب والقتل والتطهير العرقي. ولا ينبغي إضفاء الشرعية على "قوات الدعم السريع" أو التعامل معها بوصفها شريكاً مساوياً. فقادة هذه القوات، محمد حمدان دقلو وكبار نوابه، هم أنفسهم القادة الذين أمروا ميليشيا الجنجويد باغتصاب وقتل جماعات غير عربية في دارفور مطلع العقد الأول من الألفية.
في العام الماضي، انتهى حصار الفاشر، الذي استمر 30 شهراً، بمجزرة جماعية. دُمّرت أحياء بأكملها، وقُتلت عائلات داخل منازلها، وتعفنت الجثث في الشوارع من دون أن تجد من يدفنها. وقبل الهجوم، أحصت الأمم المتحدة أكثر من 260 ألف مدني محاصرين داخل المدينة، نصفهم من الأطفال. ومنذ سقوط الفاشر في تشرين الأول/أكتوبر 2025، سجلت الأمم المتحدة نزوح نحو 127 ألف شخص من المدينة والقرى المحيطة بها. وعلى الرغم من أن المحققين المستقلين لم يتمكنوا من دخول المدينة، فقد وجد محللو صور الأقمار الاصطناعية في جامعة ييل أدلة على وجود مقابر جماعية، ما يشير إلى استهداف متعمد للمدنيين، فيما خلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أن الفظائع تحمل "سمات الإبادة الجماعية".
ولا يمكن لميليشيا أن تواصل حرباً بهذا الحجم بمفردها. فمنذ عام 2024، عزز مئات المقاتلين الأجانب صفوف "قوات الدعم السريع"، بعد تجنيدهم عبر شبكات تمولها كيانات عابرة للحدود تعمل في عدة دول. وقد حظي هذا الأمر باعتراف واسع؛ ففي حزيران/يونيو، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 8 أفراد وكيانات مرتبطة بهذه الشبكات. وفي الشهر الماضي، استهدفت طائرات مسيّرة الخرطوم ومدناً أخرى في أكبر هجوم منسق منذ أشهر، ما أظهر القدرات العسكرية المتزايدة تطوراً التي أتاحها التدخل الأجنبي.
إن الحكومة التي أقودها انتقالية وغير مثالية. ونحن نقبل بمعايير القانون الدولي، وسنُحاسَب على أساسها. لكن، خلافاً لـ"قوات الدعم السريع"، فإن هذه الحكومة هي السلطة الشرعية لدولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، وهي مسؤولة أمام شعبها. وقد أعاد مجلس الأمن الدولي التأكيد على "سيادة السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه"، ورفض سلطة "قوات الدعم السريع" في المناطق التي تسيطر عليها. وشعبنا يدرك ذلك أيضاً: حيث تتقدم "قوات الدعم السريع"، يفر الناس؛ وحيث تستعيد الدولة سلطتها، يعود الناس إلى ديارهم. وقد عاد نحو 4 ملايين سوداني إلى الخرطوم والجزيرة وسنار بعد انسحاب "قوات الدعم السريع" من هذه المدن.
وقد طرحت أمام مجلس الأمن خطة لإرساء وقف دائم لإطلاق النار والانتقال إلى حكم يشارك فيه المدنيون. وبإشراف الأمم المتحدة ومساعدتها، سيجري إبعاد المقاتلين والأسلحة عن المناطق المدنية، بما يفتح مساراً واضحاً نحو التسوية، ويتيح للدولة أن تمارس الحكم في أجواء من السلام.
وبعد وقف إطلاق النار، يجب أن يقوم الأمن على جيش وطني واحد خاضع لإشراف مدني، بدلاً من وجود قوات مسلحة موازية لها ولاءات وممولون متنافسون. كما ينبغي التوصل إلى تسوية سياسية من خلال حوار سوداني، وأن يُكتب الدستور المقبل بأيدٍ سودانية، لا أن تتم صياغته في الخارج. ومن شأن انتخابات حرة ونزيهة وتحت إشراف دولي، تعقبها عملية انتقال سلس للسلطة، أن تعيد القرار إلى الشعب.
لذلك، يجب أن يكون السلام صناعة محلية: يصنعه السودانيون، من أجل السودانيين، وفي السودان. أما الشراكة، فهي موضع ترحيب، ويمكن للمراقبين الموثوقين، بل وينبغي لهم، أن يضيفوا قدراً من ضبط النفس والشرعية. لكن السلام الذي يُفرض من الخارج لا يدوم. لقد انهارت اتفاقات وقف إطلاق النار طوال هذه الحرب لأنها كُتبت عن السودان من دون مشاركة السودان، ولأن رعاتها كانوا يعلمون أنهم لن يدفعوا ثمن فشل تلك المفاوضات. وتحولت "الهدنة" إلى وقت تستغله "قوات الدعم السريع" وداعموها لإعادة تنظيم صفوفهم، فيما كان اهتمام العالم يتلاشى مرة أخرى، كما أظهرت مجزرة الفاشر بصورة مروعة. لقد عاش السودان هذه الدائرة، ولن يقبل بها مجدداً.
وفي الوقت الذي تقدم فيه حكومتنا الشرعية خطة للسلام، يتعهد قائد ميليشيا بالقتال مدة 40 عاماً إذا اقتضى الأمر. وبالنسبة إلى المجتمع الدولي، فإن الخيار واضح: إما دعم تسوية ترتكز على السيادة والقانون، أو الانغماس في مساواة زائفة عبر إضفاء الشرعية على قادة "قوات الدعم السريع"، بما يسمح باستمرار حرب السودان إلى ما لا نهاية.
ومع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، أدعو المجتمع الدولي إلى الالتزام بأربع أولويات. أولاً، دعم الخطة التي قدمتها إلى مجلس الأمن. ثانياً، قطع التمويل وخطوط الإمداد التي تمكّن "قوات الدعم السريع" من مواصلة قتل المدنيين السودانيين. ثالثاً، تقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة في مراقبة أي وقف مستقبلي لإطلاق النار. ورابعاً، إفساح المجال أمام السودانيين لتقرير ما سيأتي سياسياً بعد ذلك.
طلبي بسيط: ثقوا بقدرة بلدنا على صياغة سلامه بنفسه، واستخدموا نفوذكم للمساعدة في الحفاظ عليه. لقد طُلب من السودان أن يقبل بأقل كثيراً مما يستحق، من خلال شروط تناسب عواصم بعيدة وهدن أُطلق عليها، خطأً، اسم السلام. أما الذين عانوا من هذه الحرب، فقد استحقوا الحق في تحديد السلام الذي سينهيها.
ولتكن هذه الكلمات أساس أي تسوية: سلام يصنعه السودانيون، لا يُفرض عليهم. سلام يُبنى على القانون والمؤسسات القوية. سلام يليق بمن قدّموا كل شيء من أجله. هذا هو السلام الذي يستطيع السودان بناءه، بمساعدة العالم.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.