الأمين العام لمجلس أوروبا: غرينلاند اختبار حاسم لمصداقية القانون الدولي

عندما تولّيت منصبي كأمين عامّ لمجلس أوروبا قبل ما يزيد قليلاً عن عام، لم يخطر ببالي أنني سأضطر يوماً للكتابة عن احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى عمل عسكري ضد دولة عضو.

0:00
  • الآلاف يتظاهرون في غرينلاند رفضاً لتهديدات ترامب بالاستيلاء عليها
    الآلاف يتظاهرون في غرينلاند رفضاً لتهديدات ترامب بالاستيلاء عليها

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقال رأي كتبه الأمين العامّ لمجلس أوروبا آلان بيرسيه، يتناول فيه أزمة قانونية-سياسية عابرة للأطلسي تتمحور حول تهديدات الولايات المتحدة، في ظل تصريحات الرئيس دونالد ترامب بضم غرينلاند، وما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على القانون الدولي، والسيادة، والثقة بين الحلفاء.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

أنا الأمين العامّ لمجلس أوروبا. هذا شيء لم أكن أتوقّع أن أضطر لكتابته أبداً.
 
عندما تولّيت منصبي كأمين عامّ لمجلس أوروبا قبل ما يزيد قليلاً عن عام، لم يخطر ببالي أنني سأضطر يوماً للكتابة عن احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى عمل عسكري ضد دولة عضو.. ومع ذلك، ها نحن ذا.
 
تعهّد الرئيس ترامب بضمّ غرينلاند - وهي إقليم شبه مستقل تابع للدنمارك، العضو في مجلس أوروبا والعضو المؤسّس لحلف الناتو - إلى الولايات المتحدة، وأنه سيفعل ذلك "بالطريقة السهلة" أو "بالطريقة الصعبة".
 
أدّت تصريحاته بشأن الإقليم إلى توتر العلاقات بين الدول، وأثارت تساؤلات حول حقوق شعب غرينلاند وموافقتهم وخياراتهم الديمقراطية. وحتى الآن، يبقى هذا مجرد كلام. لكنّ الأحداث الأخيرة في فنزويلا تُظهر كيف يمكن للكلمات أن تتحوّل بسرعة إلى أفعال.
 
كما صرّح ترامب بأنه لا يتقيّد إلا بـ"أخلاقه الشخصية"، وليس بالقانون الدولي، متجاهلاً النظام القانوني الذي أُرسِيَ في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
 
انبثق مجلس أوروبا، بأعضائه الـ 46، بما فيها دول من خارج الاتحاد الأوروبي كبريطانيا وتركيا، من رحم تلك الحرب. وقد تأسس على مبدأ أن القانون، لا القوة الغاشمة، هو ما يجب أن يضمن كرامة الأفراد وحقوقهم، والمساواة السيادية بين الدول. عندما تشكك قوة عظمى، كان لها دور محوري في إرساء النظام القانوني لما بعد الحرب، علناً في ضرورة القانون الدولي، فإنها تهز الأسس التي عملنا لعقود على ترسيخها.
 
لطالما شكّلت الديمقراطية والتعددية والمساءلة ملامح النظام العالمي ما بعد الحرب. أما اليوم، فتُرفض هذه المفاهيم بشكل متزايد باعتبارها نخبوية أو متأثرة بالفكر التقدمي أو حتى بالتيار السائد. علينا أن نتساءل، على ضفتي الأطلسي، إن كنا نرغب في العيش في عالم تُصوَّر فيه الديمقراطية على أنها ضعف، والحقيقة على أنها رأي، والعدالة على أنها خيار.
 
إن سيادة الدنمارك على غرينلاند، وما يصاحبها من حكم ذاتي واسع النطاق، أمرٌ مُسلَّم به قانوناً. وهي تستند إلى حرمة السلامة الإقليمية للدنمارك بموجب القانون الدولي. وهدفها ضمان الاستقرار والشرعية مع الحفاظ على حق غرينلاند الديمقراطي في رسم مستقبلها، لا تقييده.
 
تستند الحجة الرئيسية لإدارة ترامب لضم غرينلاند إلى مخاوف مشروعة تتعلق بالأمن القومي. لكن الولايات المتحدة تحتفظ بالفعل بقدرات عسكرية في غرينلاند في قاعدة بيتوفيك الفضائية، وبموجب الاتفاقيات القائمة، يمكنها توسيع التعاون بشكل كبير من دون تهديد السيادة الدنماركية أو الحصول على موافقة كوبنهاغن أو نوك، ومن دون أي نقل للأراضي.
 
يشير هذا إلى وجود دوافع أخرى.
 
نشهد عودة ردة فعل استراتيجية قديمة: عقلية الحرب الباردة التي تُعامل فيها الجغرافيا كقدر محتوم، والنفوذ كمعادلة صفرية، ويُنظر إلى الاستقلال على أنه خطر استراتيجي لا خيار ديمقراطي. يكمن الخوف في أن تنجرف غرينلاند المستقلة يوماً ما نحو فلك روسيا أو الصين، واضعةً أسلحتها على أعتاب أميركا. سيكون ذلك تكراراً لغزو خليج الخنازير في القطب الشمالي.
 
هذا هو منطق مناطق النفوذ، صدى لمبدأ مونرو، الذي يتجلى بوضوح في التشريع الذي اقترحه أحد أعضاء الكونغرس الأسبوع الماضي، والذي يربط ضم غرينلاند بقضايا الأمن القومي المرتبطة بالصين وروسيا. وينعكس المنطق نفسه في استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، الصادرة في كانون الأول/ديسمبر، والتي تجعل سيادة أميركا ومصالحها الاستراتيجية أولويةً على المعايير متعدّدة الأطراف والأمن الجماعي.
 
يجب على أوروبا التحرّك لحماية إطارها القانوني، ومجلس أوروبا على أتمّ الاستعداد للقيام بدوره. إنّ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية القانون الدولي، والمساءلة عن انتهاكات الحقوق السيادية، هي أساس أمننا وقيمنا.
 
في أوقات الأزمات، غالباً ما تتحدّث أوروبا من خلال عواصمها الوطنية بدلاً من صوت سياسي موحّد، كما يتضح من البيان المشترك الأخير الصادر عن عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن غرينلاند. هذه حقيقة سياسية تُبرز أهمية المؤسسات القانونية ذات التفويض الجماعي. يُظهر عمل مجلس أوروبا بشأن آليات المساءلة في أوكرانيا، بما في ذلك سجل الأضرار ولجنة المطالبات الدولية، أن القانون لا يزال قادراً على تنظيم العمل الدولي في ظل التشرذم السياسي.
 
وينطبق النهج نفسه في القطب الشمالي. فمجلس أوروبا على أتم الاستعداد لدعم الدنمارك وغرينلاند من خلال تعاون قانوني ومؤسسي ملموس. وإذا عجزت أوروبا عن صياغة رؤية قانونية وسياسية واضحة، فسيملأ آخرون الفراغ، محوّلين بذلك الأمن من القانون إلى النفوذ الاستراتيجي.
 
إنّ ما هو على المحك ليس سيادة غرينلاند فحسب، بل الثقة أيضاً. فالتحالفات تقوم على أساس القدرة على التنبؤ، وعلى توقّع التزام القوة، ولا سيما قوة الحلفاء، بالقانون. وإذا أمكن تجاهل القانون الدولي متى ما أصبح غير ملائم، فإنّ الثقة ستتلاشى. وإذا أدت الحسابات الاستراتيجية إلى تجاهل السيادة في غرينلاند، فكيف ستستمر أوروبا في الإيمان بالتزامات الولايات المتحدة في أماكن أخرى؟
 
عندما تُصرّ أوروبا على السيادة والمساءلة، فإنها لا تُمارس أي موقفٍ استعراضي، بل تُدافع عمّا يُقوّي أميركا وأوروبا معاً. إنّ تجاهل هذا يُرسي سابقةً خطيرة، قد تُقوّض الروابط عبر الأطلسي وتُضعف الأسس التي تُحافظ على تماسكنا.
 
القانون الدولي إما عالمي أو عديم الجدوى. ستُبيّن غرينلاند أيّ الخيارين نختار.

نقله إلى العربية: الميادين نت.