"Unherd": أين ستقع أزمة اليورو المقبلة؟ عدوى الانهيار الفرنسي تهدد أوروبا
إنّ تخلّف فرنسا عن سداد ديونها سيؤدي على الأرجح إلى خروجها من منطقة اليورو. وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فستكون الأزمة المالية الناتجة أكبر بكثير من كلّ ما شهدناه من قبل.
-
احتجاجات في فرنسا
موقع "Unherd" البريطاني ينشر مقالاً يتناول احتمال اندلاع أزمة ديون سيادية جديدة في منطقة اليورو، انطلاقاً من فرنسا، وما قد يترتّب عليها من تداعيات تهدّد استقرار الاتحاد النقدي الأوروبي والاقتصاد البريطاني.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
تقبع فرنسا في قبضة تفكّك اجتماعي، فيما تلوح في الأفق فوضى مالية، ما يطرح سؤالاً ملحّاً عمّا إذا كانت الأزمة ستنتقل إلى دول أخرى. يستكشف الخبير البارز في الشؤون الأوروبية فولفغانغ مونشاو كيف يمكن أن تبدأ أزمة الديون المقبلة، وكيف يمكن أن تؤدي إلى تدمير منطقة اليورو وإلحاق أضرار عميقة بالاقتصاد البريطاني.
يقول الإيرلنديون إنّ بلدهم ليس اليونان، ويقول البرتغاليون إنّ مملكتهم ليست إيرلندا، بينما قال وزير المالية الإسباني إنّ إسبانيا ليست البرتغال. كتبتُ هذه الكلمات في صحيفة «فايننشل تايمز» قبل أكثر من 15 عاماً، حين كانت أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو مستعرة. وإذا انتقلنا سريعاً إلى اليوم، نجد أنّ الخبر الأبرز هو أنّ البلجيكيين ليسوا فرنسيين. وتوقّعوا أن نسمع قريباً أنّ الإيطاليين ليسوا بلجيكيين. ومع تركيز الأنظار حالياً على فرنسا، وما تشهده من أعمال عنف واحتجاجات وتزايد احتمالات اندلاع أزمة مالية حقيقية، فإنّ السؤال الأساسي هو: كيف يمكن أن تمتدّ الأزمة إلى دول أخرى؟
بلجيكا هي اليوم أولى دول منطقة اليورو الواقعة في مرمى الخطر. فعلى غرار الفرنسيين، سمح البلجيكيون بارتفاع عجز الموازنة وتضخّم الدين العام. والإنصاف يقتضي القول إنّ قادة البلاد يدركون المخاطر. ووفقاً لما قاله رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، وهو من أكثر القادة حنكة في أوروبا، «حتماً علينا أن ننأى عن الوضع الفرنسي لمنع انتقاله إلينا». وكأنّه يقول لنا إنّ البلجيكيين ليسوا فرنسيين.
لكن يُخشى أن تكون قدرة دي ويفر على التحكّم في الوضع أقلّ ممّا يعتقد. ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في بلجيكا، التي تبلغ 108%. ويعود أيضاً إلى أنّ فرنسا وإيطاليا، الواقعتين في منطقة الخطر، هما ثاني وثالث أكبر اقتصادين في الاتحاد الأوروبي، ومن بين أكثر دول التكتّل مديونية.
وتتجاوز تكلفة الاقتراض الفرنسية حالياً 5% على السندات لأجل عشر سنوات، فيما تقلّ المعدلات الإيطالية قليلاً عن ذلك. لم تصل هذه المعدلات بعد إلى مستويات تنذر بأزمة، لكنّها تقترب من مستويات قد تنذر بها. وما إن تتجاوز أسعار الفائدة عتبة معيّنة، حتى تبدأ حلقة مفرغة مدمّرة. فارتفاع الفائدة يزيد تكلفة خدمة الدين، ما يرفع عجز الموازنة، ويدفع إلى مزيد من الاقتراض، الذي قد يؤدي بدوره إلى تراجع ثقة المستثمرين وارتفاع أسعار الفائدة مجدّداً.
لا أحد يستطيع تحديد موعد اندلاع الأزمة بدقّة، فذلك يتوقّف على طبيعة البلد وأوضاعه السياسية. لكن ما إن يخلص المستثمرون إلى أنّ دولة ما عاجزة، بصورة لا يمكن تصوّر تجاوزها، عن سداد ديونها، حتى تبدأ أسعار الفائدة بالارتفاع الحادّ. وهذه هي الآلية التي تتّخذها عملياً معظم الأزمات المالية. نحن الآن في مرحلة ما يزال فيها الجميع يتظاهرون بأنّ الوضع تحت السيطرة، وأنّ المطلوب لا يتجاوز توفير الحكومات بعض المال هنا وهناك. لكنّ الوزراء، على اختلاف توجّهاتهم، يجدون ذلك صعباً في الواقع.
تذكّروا أنّ فرنسا وصلت إلى مأزقها الحالي بسبب إيمانويل ماكرون. فمن كان يتوقّع أن تنتهي رئاسته، التي امتدّت عقداً من الزمن، ببلد يشتعل وبأزمة مالية تلوح في الأفق؟ ومع ذلك، فإنّ السياسات التي انتهجها ماكرون في المراحل السابقة من حكمه هي التي قادته إلى هذه الحالة. فقد أدّت إجراءات التقشّف التي فرضتها حكومته إلى تأجيج العنف، فيما أسهم خفض الاستثمار العام في إحجام المستثمرين من القطاع الخاص.
عندما أنظر إلى المرشّحين للرئاسة في فرنسا اليوم، استعداداً للانتخابات المقرّرة في نيسان/أبريل المقبل، أجد صعوبة في تصوّر كيف يمكن أن تصل البلاد إلى حكومة تنجح في تحقيق الأمور التالية جميعاً: ضبط عجز الموازنة، وتجنّب الاضطرابات الاجتماعية، والالتزام بالقواعد الأوروبية، والبقاء في منطقة اليورو. فلا بدّ أن يتراجع أحد هذه الأهداف أمام آخر. لا أحد يريد الخروج من منطقة اليورو، حتى مارين لوبان، أبرز المرشّحين الفرنسيين، ولا جان لوك ميلانشون. فإذا كان يُعتقد أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان حدثاً مربكاً، فإنّ الخروج من اليورو سيكون أكبر بكثير من حيث التداعيات. فما لا يفهمه كثير من الأوروبيين، بمن فيهم سياسيون، هو العلاقة بين الديون وعضوية منطقة اليورو.
وببساطة، لا يمكن التخلّف عن سداد الديون وتوقّع الاحتفاظ باليورو. فالديون تُشكّل ضمانات في مقابل الأموال التي يحصل عليها النظام المصرفي من البنك المركزي الأوروبي. وإذا تخلّفت دولة عن سداد ديونها، فإنّ النظام المصرفي سيتجمّد حتماً. وعلى خلفية هذه المعطيات الأساسية، كيف يمكن أن تتطوّر أزمة فعلية في منطقة اليورو؟
قد تكون مارين لوبان، التي ازدادت فرص فوزها بالرئاسة مع احتراق باريس، عاملاً حاسماً في هذا السياق. فأحد الاحتمالات هو أن تقرّر، خلافاً لما تعد به بسخاء خلال حملتها الانتخابية، فرض التقشّف بعد وصولها إلى قصر الإليزيه. عندها، ستتراجع شعبيتها سريعاً، ومن المرجّح ألّا تستعيد مستواها السابق. وقد يبدو هذا التصرّف غير عقلاني تماماً، لكنّنا شهدنا هذا النمط يتكرّر مراراً خلال الأزمات في منطقة اليورو.
وثمّة احتمال آخر، وهو أن تخلص لوبان إلى أنّ فرنسا عاجزة عن خدمة ديونها ما دامت أسعار الفائدة مرتفعة. وقد تطلب عندئذٍ خطة إنقاذ من البنك المركزي الأوروبي. وإذا رفض البنك ذلك، لأنّ إنقاذ فرنسا سيرفع التضخّم لدى الجميع، فقد توعز الرئيسة لوبان إلى وزير ماليتها بالتخلّف عن سداد أحد مستحقات حاملي السندات.
وأقلّه في المدى القصير، قد ينطوي هذا المسار على بعض المزايا. أولاً، سيتيح للوبان التخلّف عن سداد مزيد من الديون المستحقّة لدائنين أجانب. وقد يسمح لها ذلك بفرض إجراءات تقشّف أقلّ ممّا كانت ستضطرّ إلى فرضه لولا ذلك. وستستفيد فرنسا أيضاً من انخفاض تكلفة خدمة ديونها، ومن سعر صرف أكثر تنافسية، ما يجعل الشركات الفرنسية أقدر على منافسة شركات العالم. ولعلّ الأهمّ من ذلك أنّ فرنسا ستمتلك مصرفها المركزي الخاص، القادر على تحديد أسعار فائدة تناسب اقتصادها، والذي يمكن الاعتماد عليه لتوفير الدعم اللازم في أوقات الأزمات.
ومع ذلك، فإنّ تخلّف فرنسا عن سداد ديونها سيؤدي على الأرجح إلى خروجها من منطقة اليورو. وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فستكون الأزمة المالية الناتجة أكبر بكثير من كلّ ما شهدناه من قبل. ستنهار مؤسسات مالية في أنحاء العالم. وقد لا تتمكّن منطقة اليورو من البقاء، إذ ستتخلّف دول أخرى عن سداد ديونها، وتخرج من التكتّل تباعاً.
والمفارقة أنّ بريطانيا ستكون من أكثر الدول الأوروبية تضرّراً في هذا السيناريو. وعلى الرغم من أنّها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن منطقة اليورو، فإنّ سوق رأس المال البريطانية ستكون شديدة التأثّر بالفوضى التي تعمّ الضفّة الأخرى من القنال الإنكليزي.
قد يتساءل الناس بحقّ: لماذا قد يختار أيّ شخص عاقل هذا السيناريو؟ المشكلة أنّنا لن نصل إلى انهيار النظام المالي الأوروبي إلّا بعد وقوع سلسلة من الأحداث الأخرى. فلا أحد يختار هذا المسار مباشرةً من قائمة خيارات متاحة. ولا أقول إنّ المخرج غير موجود، لكنّ أياً من البدائل ليس واضحاً أو سهلاً. وقد ينتهي الأمر بالخروج من منطقة اليورو إلى أن يكون الخيار الأسهل، ولا سيّما إذا لم يكن المرء مكترثاً بالعواقب التي ستطال بقية العالم.
بعد أن أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي المهنية في الكتابة عن الأزمة المالية لمنطقة اليورو وعن تراجعها الاقتصادي المستمرّ، خلصت إلى أنّ الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الاتحاد الأوروبي كان إنشاء اتحاد نقدي من دون إقامة البنية السياسية اللازمة أولاً، أي اتحاد مالي، وسوق موحّدة لرأس المال، وأداة موحّدة للدين السيادي. فلقد كان إطلاق اليورو الإنجاز الأبرز في مسار التكامل السياسي الأوروبي خلال ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، ثم توقّف المسار.
لا يتعلّق الأمر هنا بمناقشة إيجابيات التكامل الأوروبي وسلبياته في حدّ ذاته. فإذا كنت تعارض التكامل السياسي، فينبغي لك عدم الانضمام إلى اليورو. وكان موقف بريطانيا المعارض للعملة الموحّدة متّسقاً مع هذا الاتجاه. وبولندا مثال على دولة لا تفكّر في مغادرة الاتحاد الأوروبي، لكنّها اختارت هي أيضاً عدم الانضمام إلى اليورو. غير أنّ ما تعلّمناه خلال العقد والنصف الماضي هو أنّك إذا انضممت إلى عملة موحّدة، فينبغي لك عدم التوقّف عند هذا الحدّ، وإنّما عليك المضيّ حتى النهاية، وهنا تحديداً أخطأ التكتّل.
فالاتحاد النقدي غير المكتمل، القائم في منزلة وسطى، غير قابل للاستمرار. ولا أقصد بوصفه غير قابل للاستمرار أنّه سيّئ، وإنّما أنّ مصيره إمّا أن يصبح قابلاً للاستمرار، أو أن ينتهي. بينما يرى بعضهم أنّ التكامل السياسي قد يتحقّق في نهاية المطاف، لكنّني أخشى أن يكون ذلك ضرباً من التمنّي. فمنذ مدّة، تسير السياسة الأوروبية في اتجاه الابتعاد عن التكامل السياسي. وربّما كانت أزمة اليورو آخر فرصة واقعية للتوصّل إلى اتفاق بشأن اتحاد مالي.
وفي ذلك الوقت، لم يكن اليمين المتطرّف قد أصبح بعد قوة سياسية في معظم البلدان، وكان الاقتصاد الألماني قوياً بما يكفي لقبول اتحاد أوثق من الناحية النظرية. ومع ذلك، قالت أنجيلا ميركل لا للمشروع. وهذه دلالة واضحة، إذ إنّ الأحزاب السياسية الألمانية المتناحرة اليوم، في ظلّ ضعف البلاد المستجدّ، لا تذكر حتى مسألة التكامل الأوروبي.
ظاهرياً، انتهت أزمة اليورو عندما دعم البنك المركزي الأوروبي أسواق السندات الوطنية عبر التيسير الكمّي. لكنّ المشكلة الأساسية المتمثّلة في التباعد الاقتصادي بين الدول الأعضاء لم تُحلّ قطّ، رغم أنّ الحلول المطروحة صُمّمت أصلاً لتناسب الاقتصادات الصغيرة. لذلك، إذا قيل إنّ فرنسا ليست اليونان، فهذا صحيح مع ابتسامة، لكن مع إضافة أنّها أسوأ حالاً.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.