"The Conversation": "الحوثيون" ينقلون الحرب إلى السعودية.. ويعيدون صياغة الرواية
على الرغم من أنّ العواقب الاستراتيجية لأفعالهم قد تعود بالنفع النهائي على إيران في صراعاتها الإقليمية والدولية، إلا أنّ الحوثيين يرون حملتهم العسكرية ضدّ السعودية بشكل رئيسي كعمل دفاع وطني.
-
يمنيون يرفعون صورةً للسيد الحوثي ويحملون أسلحتهم خلال مسيرة تضامنية مع الفلسطينيين في قطاع غزة.
موقع "The Conversation" ينشر مقالاً يتناول تصاعد المواجهة العسكرية بين الحوثيين والسعودية، وتحوّل استراتيجية حركة "أنصار الله" نحو التركيز على الرياض بوصفها خصماً تاريخياً، وسعيها إلى تأكيد استقلالية قرارها السياسي والعسكري عن إيران، في ظلّ استمرار تداعيات الحرب اليمنية والتوترات الإقليمية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرّف:
سلّط هجوم مدوٍّ من "الحوثيين" على مطار الرياض الدولي الضوء على كيفيّة إعادة الجماعة اليمنية صياغة دورها المفترض كـ "وكيل إيران" وتحويل تركيزها الإقليمي إلى معركتها المستمرة ضدّ السعودية. كان الهجوم في الـ 10 من الشهر الحالي الذي أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة المئات، أكثر الأحداث عنفاً على الأراضي السعودية منذ بداية الحرب على إيران في شباط/فبراير الماضي.
تبع ذلك المزيد من القصف الصاروخي، وإن كان أقل فتكاً. ويأتي العنف في الوقت الذي تستضيف فيه السعودية مؤتمراً رئيسياً لمنتجي النفط. وبصفتي محللاً قديماً للشؤون السياسة اليمنية، أرى أنّ الهجمات الأخيرة مثال آخر على الجمود الإقليمي المتصاعد في الشرق الأوسط، والحاجة إلى فهم كيف أنّ الحرب اليمنية الداخلية التي استمرت عقداً من الزمن وتأثيرها خارج نطاق البلاد.
روايات "الحوثيين"
ظهرت حركة (أنصار الله) "الحوثيون" للمرة الأولى كفاعل سياسي عسكري في اليمن عام 2004، وكانت محاصرة في حرب أهلية استمرت لسنوات ضدّ الحكومة المركزية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية. حالياً، تسيطر الجماعة على نحو ثلث الأراضي التي يسكنها ثلثا عدد اليمنيين. ولا شكّ أنهم أقوى قوة مسلحة في اليمن، رغم افتقارهم إلى الطائرات الحربية، وقد طوّروا ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
كثيراً ما كان يُصوّر "الحوثيون" من قبل خصومهم والعديد من المراقبين الخارجيين كبديل لإيران، المنافس الإقليمي الرئيسي للسعودية. بينما أنه من الصحيح أنّ الحركة لطالما كانت متحالفة بشكل عامّ مع طهران وغالباً ما تشارك في الاعتراضات الإقليمية، حتى وإن كانت العلاقة معقّدة ومتنوّعة. وفي الوقت نفسه، لا يزال تطوّر الحركة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسياق السياسي الداخلي لليمن وبخلاف تاريخي خاص بالبلاد، وهو أمر بحثت فيه أنا والعديد من الخبراء الآخرين.
لكنّ الأمر الأكثر أهمية في السياق الحالي للصراع المتصاعد مع السعودية هو الطريقة التي سعت بها قيادة الحركة إلى إعادة صياغة مشاركتها العسكرية خلال عام 2026 بحيث لا تبدو موجّهة من قبل إيران. ويعتبر هذا التحوّل مهماً من الناحية التحليلية لأنه يكشف كيف يفهم قادة الحركة الفعّالية السياسية لروايات معيّنة، وكيف يسعون إلى إضفاء الشرعية على أفعالهم.
اقرأ أيضاً: "نيويورك تايمز": لماذا تواجه السعودية صعوبة في وقف هجمات الحوثيين؟
عودة متأخّرة إلى الحرب
عندما شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" هجومهما على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، توقّع العديد من المراقبين دخول "الحوثيين" في الصراع سريعاً. فلقد كان تدخّلهم السابق في البحر الأحمر بين تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وأيار/مايو 2025، دعماً للفلسطينيين بعد حرب "إسرائيل" على غزة، وقد وفّر ذلك إلى حدّ ما، نموذجاً لتعطيل حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
ولقد كانت المكاسب الرمزية لحملتهم السابقة كبيرة. فمن جهة، أظهرت استعداد الحركة للعمل دعماً لغزة في وقت كان يُنظر فيه إلى العديد من الحكومات العربية على نطاق واسع على أنها تتجاهل معاناة الفلسطينيين. ومن جهة أخرى، كشفت عن قدرة الحركة على تعطيل سلاسل التوريد العالمية والتأثير في التجارة الدولية على نطاق أوسع من اليمن.
ظل "أنصار الله" على الهامش لعدة أشهر بعد الهجوم على إيران، وبدا أنّ قادتهم تجاهلوا "تقارير شائعة أنّ صنّاع القرار الإيرانيين دعوهم في تموز/يوليو الماضي، إلى إغلاق مضيق باب المندب أمام حركة المرور البحرية. فلقد كان الافتراض بأنّ الحوثيين سيتصرّفون تلقائياً بأمر طهران يعكس سوء فهم للتاريخ اليمني وعلامات الهوية التي تشكّل شرعية الحركة السياسية. يمكن أن يصوّر التمثيل لدعم الفلسطينيين لجمهور محلي وإقليمي كتعبير عن التضامن العربي، لكنّ التصرّف نيابة عن إيران، وهي دولة غير عربية وتتكوّن تقريباً بالكامل من المذهب الشيعي الاثني عشري، كان من الأصعب بكثير تبريره في اليمن حيث يشكّل المذهب السني الأغلبية.
لقد عاد "الحوثيون" إلى الصراع الإقليمي في آب/أغسطس الماضي، بخطاب حول سردهم السياسي، وركّز بشكل متزايد على السعودية، خصمهم القديم. وعلى الرغم من أنّ العواقب الاستراتيجية لأفعالهم قد تعود بالنفع النهائي على إيران في صراعاتها الإقليمية والدولية، إلا أنّ الحوثيين يرون حملتهم العسكرية ضدّ السعودية بشكل رئيسي كعمل دفاع وطني.
اقرأ أيضاً: "فايننشال تايمز": الحوثيون يكشفون حدود الترسانة العسكرية السعودية الضخمة
تفجير سابق في المطار
خلال الصيف الماضي، وقعت حادثة مهمة إلى حدّ كبير من دون أن يلاحظها الإعلام الغربي، هي محاولة "الحوثيين" إعادة فتح مطار صنعاء الدولي من خلال مغادرة مفاجئة لرحلة متجهة إلى طهران وعودتها اللاحقة. فلقد كان مطار صنعاء الذي يسيطر عليه الحوثيون، مغلقاً منذ أواخر عام 2024 بعد الضربات الإسرائيلية، وإنّ استمرار إغلاقه يعني أنّ الوصول إلى الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون والخروج منها ظلّ خاضعاً للقيود التي فرضها خصوم الحركة، من ضمنهم سلطات الحكومة المؤقتة التي تسيطر على عدن المؤقتة والمعترف بها دولياً.
ومن وجهة نظر "الحوثيين"، بقيت سيادتهم غير مكتملة. فلم يقتصر إغلاق المطار على تقييد حركة المدنيين، بل حدّ أيضاً من قدرتهم على إرسال مؤيّديهم إلى الخارج للتدريب، وربما لتلقّي المعدات العسكرية. وفي 13 تموز/يوليو الماضي، أتاح القصف السعودي اللاحق لمدرج مطار صنعاء، مع اقتراب الطائرات المقبلة من طهران، للحركة فرصة لإعادة إشعال مواجهتها مع الرياض.
وبعد أكثر من 3 سنوات من وقف إطلاق النار الفعلي والمفاوضات الصعبة، بدت الرياض، كما في تعاملاتها مع إيران، متحمّسة بشكل متزايد للخروج من النزاعات المطوّلة في المنطقة. وبعد أن شعرت القيادة الحوثية بوجود فرصة، ردّت بمنطق الردّ الانتقامي. وتكتيكات "الحوثيين" اليوم تشبه إلى حدّ ما انعكاساً لإطلاق حملة قصف بقيادة السعودية وحصار المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن منذ عام 2015، والتي أدّت إلى سنوات من الحرب الأهلية الطويلة، بينما يقول "الحوثيون" الآن إنّ لهم الحق في فرض قيود متبادلة على السعودية، ولا سيما من خلال استهداف موانئها وبنية تصديرها للنفط.
اقرأ أيضاً: "ذا إيكونوميست": السعودية تواجه حصاراً متزايداً
ردود فعل "الحوثيين" على السعودية
في السابق، أوقفت القيادة العسكرية الحوثية الهجمات على السفن المرتبطة بـ"إسرائيل" في البحر الأحمر بعد "وقف إطلاق النار الرسمي في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025". كما علّقت أيضاً، الهجمات على السفن الأميركية عقب اتفاق مع إدارة ترامب في العام الماضي. فلقد أظهرت هذه القرارات درجة من البراغماتية تحت خطاب الحركة الثوري. ويبدو أنّ هذه البراغماتية استمرت حتى مع استئناف الحوثيين لمشاركتهم العسكرية الإقليمية، حيث التقى دبلوماسيون أميركيون بممثلي الحركة في عُمان في الشهر الماضي.
أما مع السعودية، فقد شعر "الحوثيون" بتردّد أقل. كانت الرياض تواجه بالفعل وابلاً متكرّراً من الصواريخ الإيرانية نتيجة تحالفها مع الولايات المتحدة، وتعاني ضغوطاً في تصدير النفط والغاز. لذلك مع حادثة المطار السعودي، تشعر قيادة "الحوثيين" أنها حاصرت السعودية، مع تبعات تمتد إلى الاقتصاد العالمي. وقد عُزّزت هذه الاستراتيجية الانتقامية بتحرّكات حوثية ناجحة في أوائل الشهر الماضي، لفرض درجة من السيطرة على مضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم. وقد منح ذلك "الحوثيين" نفوذاً على الملاحة البحرية، وهو أمر بالغ الأهمية للسعودية في البحر الأحمر.
كما توضح الهجمات على مطار الرياض، فإنّ الطائرات من دون طيار والصواريخ الباليستية تمنح الحركة القدرة على ضرب أهداف في معظم أنحاء السعودية. كما أنّ استهداف البنية التحتية المدنية في السعودية، وخاصة المطارات، يوضح منطق الانتقام الذي استند إليه الحوثيون لتبرير أفعالهم. ولا تزال عواقب حملة الحوثيين المتزايدة غير واضحة. ويبدو أنّ المنطقة على وشك الدخول في صراع مستمر، ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت ستتراجع دول مثل الولايات المتحدة، التي أبدت تردّداً في العودة إلى صراع إقليمي شامل.
مع ذلك، لا ينبغي أن تحجب معاناة المدنيين في اليمن. بل ينبغي أن تكون بمثابة تذكير بمعاناة شعب أنهكته حرب استمرت لأكثر من عقد من الزمان، ودمّرت البنية التحتية الهشّة أصلاً لما كان أفقر بلد في الشرق الأوسط حتى قبل اندلاع الصراع.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.