"MintPress": من تبادل المعلومات إلى استهداف المدنيين.. تعاون سعودي إسرائيلي في اليمن
الحرب السعودية-الإسرائيلية ضد المقاومة في اليمن تشمل تعاوناً استخبارياً واستهدافاً للمدنيين وحملات دعائية طائفية.
-
عناصر من القوات المسلحة اليمنية
موقع "MintPress News" ينشر تقريراً يتناول تصاعد التعاون العسكري والاستخباري السري بين السعودية و"إسرائيل" في الحرب على اليمن، في ظل تقدم القوات المسلحة اليمنية على الساحل الغربي.
ويكشف عن تبادل معلومات استخبارية وتنسيق عسكري برعاية أميركية، إلى جانب حملة إعلامية وطائفية تهدف إلى تبرير الهجمات السعودية وصرف الأنظار عن التقارب بين الرياض وتل أبيب.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
في محاولتهما وقف الهجوم المستمر للقوات المسلحة اليمنية، عززت "إسرائيل" والسعودية علاقاتهما من خلال حملة سرية مشتركة تهدف إلى إنقاذ ما تبقى من هيمنتهما في منطقة البحر الأحمر. فالخسائر التي مُنيت بها تل أبيب والرياض في معاقل عسكرية رئيسية على الساحل الغربي لليمن جمعتهما في مستوى جديد من التطبيع الناعم.
ولقد نفذت السعودية مئات الغارات الجوية في اليمن، أسفرت عن آلاف الضحايا منذ بدء حملتها المتجددة في تموز/يوليو الماضي، معتمدة الآن بشكل كبير على دعم استخباري إسرائيلي لتنفيذ عشرات الضربات يومياً عبر الأراضي اليمنية، من ضمنها هجمات على أسواق تجارية ومبانٍ سكنية.
وفي الوقت نفسه، أشاد المسؤولون الإسرائيليون في الرياض مؤخراً بتسهيل أول رحلة تجارية على الإطلاق بين "إسرائيل" والسعودية، عقب تدخّل الرياض لمساعدة الركاب الإسرائيليين على متن طائرة فلاي دبي، التي هبطت اضطرارياً في مطار سعودي.
وعلى النقيض من ذلك، بادرت السعودية إلى تجديد حربها على اليمن، من خلال قصف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية مدنية من الهبوط داخل البلاد. وقد اتُّخذ هذا الإجراء لفرض حصار جوي طويل الأمد على اليمن، في وقت تستخدم فيه الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي السعودي بحرية تامة.
وينطوي تحوّل الرياض نحو الفلك الإسرائيلي على حملة منسقة سراً تتمحور حول اليمن، وتحمل تداعيات إقليمية، من بينها عمليات استخبارية مشتركة، وتبادل قوائم الأهداف، واجتماعات مباشرة بين المسؤولين، وحملة دعائية محسوبة. وفي أوائل الشهر الماضي، أفادت "كان نيوز" الإسرائيلية بأن تل أبيب بدأت تزويد السعودية بمعلومات استخبارية لمساعدتها على بناء بنك أهداف لضربها داخل اليمن. ومع أنه ليست هناك علاقات دبلوماسية رسمية تربط الطرفين، إلا أن "إسرائيل" تساعد السعودية بالفعل في المجال العسكري، وهو تطور كان من المفترض أن يشكّل فضيحة إقليمية كبرى، إلا أن وسائل الإعلام العربية المموّلة أساساً من دول الخليج تجاهلته إلى حد كبير.
وبعد أيام قليلة فقط من تحرير القوات المسلحة اليمنية للساحل الغربي لبلادها من ميليشيات "مجلس القيادة الرئاسية" المدعوم من السعودية، كشف موقع "أكسيوس" أن القيادة المركزية الأميركية نظّمت اجتماعاً عسكرياً عربياً إسرائيلياً مغلقاً في ألمانيا، حيث تحادث مسؤولون عسكريون إسرائيليون وسعوديون، وناقشوا قضايا تتعلق بإيران واليمن والحكومة التي يقودها "أنصار الله".
وكان ولي العهد محمد بن سلمان قد زار القاهرة مؤخراً للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمناقشة قضايا التجارة والسياسة الخارجية. وعلى هامش هذه الزيارة، عرض مسؤولون في القيادة المركزية الأميركية مراراً مقترحاً لتشكيل هيكل قيادة إقليمي وآلية تنسيق تضم "إسرائيل"، بهدف مواجهة قوات "أنصار الله" في اليمن على نحو فعّال.
والأكثر إثارة للجدل أنه عندما زار بنيامين نتنياهو أبوظبي في الـ 27 من الشهر الماضي، لم يكتفِ بعقد اجتماع مع حاكم الإمارات محمد بن زايد، إذ أفادت "القناة 14 الإسرائيلية" بأن نتنياهو التقى سراً أيضاً بوفد سعودي. وفيما انشغل محللون بالجدل حول ما إذا كان "ميثاق مكة" الذي وُقّع مؤخراً بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة يشير إلى بداية "حلف ناتو إسلامي سني"، انجرفت السعودية، بدلاً من ذلك، نحو تحالف استراتيجي سري مع "إسرائيل"، حيث بلغ التواطؤ بين الرياض وتل أبيب، اللتين تسيطران على المواقع الإسلامية المقدسة الثلاثة، مستويات غير مسبوقة تاريخياً.
استهداف المدنيين والدعاية الطائفية
ومن النتائج البارزة للتعاون السعودي الإسرائيلي الزيادة الملحوظة في عدد المجازر المدنية التي ارتكبتها غارات الطائرات السعودية، بينما أظهرت تغطية الإعلام المؤسسي لهذه الهجمات أوجه تشابه هائلة مع الطريقة التي جرت بها تغطية المجازر الإسرائيلية المماثلة في قطاع غزة. فعلى سبيل المثال، شنّت الطائرات الحربية السعودية مؤخراً غارة في محافظة تعز، أسفرت عن مقتل سبعة مدنيين على الأقل في سوق تجاري، وتدمير مخزن للمواد الغذائية.
وعندما نشرت وكالة "رويترز" الخبر، جاء عنوانها: "مقتل 7 أشخاص في غارة على سوق في اليمن، بحسب وزارة الصحة التي تديرها جماعة الحوثي". وهو الوصف عينه الذي تستخدمه وسائل الإعلام تلك لوزارة الصحة في غزة بأنها تُدار من حركة "حماس"، وفي اليمن تستخدم تعبير "يديرها الحوثيون"، باعتباره تكتيكاً خطابياً للتقليل من مصداقية حقيقة الأحداث.
في غزة، "حماس" هي بالفعل الحزب السياسي الذي يدير الحكومة المحلية في القطاع، ما يجعل هذا الأسلوب اللغوي دقيقاً من الناحية التقنية إلى حد ما، رغم أنه، بحسب النص، واضح أنه تسويق دعائي. أما في حالة اليمن، فالأمر ليس دقيقاً حتى بصورة تقريبية، إذ إن الحزب السياسي الذي يسيطر على الحكومة هو "أنصار الله"، بينما "الحوثيون" هم عائلة من شمال اليمن.
كما استهدفت الغارات الجوية السعودية مواقع مدنية أخرى ومباني سكنية في منطقة ميناء المخا، التي سيطرت عليها مؤخراً قوات الحكومة التي تقودها جماعة "أنصار الله"، ما أسفر عن مقتل 6 أشخاص على الأقل. وفي حين نُسب إلى القيادة المركزية الأميركية قولها إن بيانات تحديد الأهداف التي توفرها تل أبيب للرياض أساسية، لم يثبت وجود أي دليل على أن المعلومات الاستخبارية المقدمة أدت إلى تغيير مادي في مسار المعركة.
ولا يمكن حالياً التحقق مما إذا كانت البنية التحتية المدنية التي استهدفتها السعودية هي أهداف حددتها جهود جمع المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية أم لا. لكن من الواضح أن الضربات الإسرائيلية نفسها على اليمن أدت، في غالبيتها الساحقة، إلى مقتل مدنيين.
لدى "إسرائيل" والسعودية مصالح مشتركة في اليمن. فكلاهما يسعى إلى إسقاط حكومة البلاد الموجودة في صنعاء، بينما يهدد استيلاء القوات المسلحة اليمنية مؤخراً على ساحل باب المندب كلاً من تل أبيب والرياض، إذ إنهما الدولتان الوحيدتان اللتان تريان أن "أنصار الله" لديهم أسباب كافية لفرض حصار عليهما.
وكان الحصار الذي فرضه اليمن على "إسرائيل" قد أدّى، والذي بدأ في أواخر عام 2023، إلى إفلاس ميناء إيلات الإسرائيلي الجنوبي بالكامل. واتُّخذ هذا الإجراء دعماً لغزة، وانتهى الحصار مع دخول وقف إطلاق النار في الـ 8 من تشرين الأول/أكتوبر 2025 حيّز التنفيذ. أما في حالة السعودية، فقد فُرض عليها حصار في البحر الأحمر بوصفه إجراءً انتقامياً من صنعاء رداً على الحصار السعودي طويل الأمد على اليمن.
وأدى ذلك إلى حملة دعائية سعودية إسرائيلية مشتركة، تسعى إلى تصوير سيطرة اليمن على أراضيه بوصفها تهديداً للملاحة البحرية الدولية والتجارة، وهو أمر نفاه المسؤولون اليمنيون صراحةً. ومن أبرز موضوعات الدعاية توظيف السلطات الدينية وتسويق الطائفية بطريقة متعمّدة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك العالم الديني السعودي الدكتور عبد العزيز الريّس، الذي كان قد حرّم في السابق مقاومة "إسرائيل" وأدان الكفاح الفلسطيني المسلح، ودعا من سمّاهم "المسلمين السنة" إلى قتال "الطاعنين في الصحابة" وإلى "التسابق إلى ميدان الشهادة العظيم" ضد القوات المسلحة اليمنية.
كما يروّج الريّس، وفق النص، للطائفية من دون معلومات صحيحة في الحقيقة، ويصوّر الحكومة الموجودة في صنعاء على أنها معارضة شيعية شريرة في مواجهة قوة سنية سعودية محقّة ومدعومة من الرياض. كذلك، أصدر مفتي السعودية صالح بن فوزان الفوزان بياناً علنياً نادراً بشأن الحرب على اليمن، دعا فيه إلى الاستعداد للتضحية بالنفس في القتال ضد الحوثيين، مقدّماً المسألة باعتبارها واجباً دينياً على المسلمين. وإضافة إلى ذلك، وصف رجل دين باكستاني مرتبط بالسعودية، اشتهر بمدحه أسامة بن لادن بأنه "محارب مسلم"، "أنصار الله" بأنهم "إرهابيون"، وزعم أنهم ليسوا مسلمين أصلاً.
وعبر وسائل الإعلام العربية المملوكة لدول الخليج، سادت تغطية شديدة العداء لجماعة "أنصار الله" في الحرب، مع محاولات من مختلف المعلقين للقول إن الطائفة المسلمة الزيدية في اليمن تتآمر مع إيران لإقامة طغيان شيعي في أنحاء غرب آسيا، بهدف قمع الأغلبية السنية. وفي الوقت الذي تتآمر فيه السعودية و"إسرائيل" لضرب أهداف في أنحاء اليمن، تحاول حملة دعائية منسقة إقناع الرأي العام في المنطقة بأن الرياض هي الضحية، من خلال توظيف الطائفية وسيلةً لصرف الانتباه عن استمرار تحوّلها نحو دائرة النفوذ الإسرائيلي.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.