"Dawn": من الشرق إلى الغرب.. موجة احتجاجات تهزّ حكومات العالم

ما تشير إليه الشوارع هو انهيار في الثقة لم يعد من الممكن تجاهله. وفي الوقت الراهن، وجّهت الاحتجاجات تحذيراً واضحاً إلى الحكومات: سوء الحكم له عواقب.

0:00
  • احتجاجات في الهند
    احتجاجات في الهند

صحيفة "Dawn" الباكستانية تنشر مقالاً يتناول موجة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في عدد من دول العالم، ولا سيما أوروبا والهند، بقيادة الشباب والطلاب، على خلفية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الثقة بالحكومات والأحزاب السياسية التقليدية.

يرى الكاتب أنّ موجة الاحتجاجات العالمية ليست مجرّد ردّ فعل على الأزمات المعيشية، بل تعبير عن أزمة ثقة عميقة بين الشعوب والحكومات، ورفض متزايد لسوء الحكم والتهميش السياسي والاجتماعي. ويحذّر من أنّ استمرار تجاهل مطالب الشباب قد يؤدّي إلى مزيد من الاضطرابات، وربما إلى تعزيز نفوذ اليمين المتطرّف في أوروبا.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

تجتاح موجة من الاحتجاجات العالم في مرحلة من الاضطرابات. فمن الغرب إلى الشرق، تواجه الشوارعُ الدولةَ. وتتّسع الاحتجاجات، التي يقودها بصورة رئيسية الطلاب والشباب، لتشمل فئات أخرى مستاءة في المجتمع. وفي بعض الحالات، تتحوّل إلى حركات احتجاجية على مستوى البلاد. وفي جميع القارات تقريباً، وُضعت الحكومات أمام تحذير واضح مفاده أنّ سوء الحكم وتجاهل مطالب المواطنين ستكون لهما تبعات.

خرج أبناء الجيل "زد" في الهند إلى الشوارع في احتجاجات مناهضة للحكومة، اعتراضاً على التعديل المثير للجدل لسجلات الناخبين. وفي فرنسا، بدأ الطلاب احتجاجات على تدهور الأوضاع في المدارس، وانضمّت إليهم فئات أخرى، من بينها النقابات العمالية، في تظاهرات احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة. وفي إيطاليا، خرج الطلاب والمزارعون وسائقو الشاحنات إلى الشوارع في احتجاجات دفعت إليها تكاليف التعليم والمظالم الاقتصادية والمواقف المناهضة للحرب. وفي بروكسل، نظّم الطلاب مسيرات احتجاجاً على تمويل التعليم. وشهدت إسبانيا احتجاجات على أزمة السكن. أمّا في ألبانيا، فاندلعت تظاهرات بقيادة الطلاب احتجاجاً على تكاليف المعيشة ومشروع سياحي مثير للجدل مرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب. وفي البرتغال، اندلعت احتجاجات على أزمة السكن وتراجع مستويات المعيشة. كذلك، شهدت أنحاء اليونان احتجاجات على الأوضاع التعليمية. وفي البرازيل، شارك الآلاف في مسيرة طلابية ضد ترشّح مرشّح اليمين المتطرّف فلافيو بولسونارو للانتخابات. وشهدت العاصمة التونسية احتجاجات طالبت باستقالة الرئيس وبالحقوق الديمقراطية.

تتباين العوامل التي أشعلت هذه الاحتجاجات، كما تختلف أسبابها الكامنة، إذ تنبع كلّ حركة احتجاجية من سياقها السياسي الخاص. لكن ثمة قواسم مشتركة بينها، فجميعها ترفض الوضع القائم، وتعكس خيبة أمل من الأحزاب السياسية التقليدية. كما تعبّر جميعها عن الغضب من حكومات لا تستجيب لمطالب المواطنين، ومن إخفاق الدولة في تلبية مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية.

تأتي معظم هذه الاحتجاجات في سياق أزمة تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة أو تقليصها، وهو ما يتفاقم بفعل عجز الدولة عن توفير التعليم وفرص العمل. وتشكّل المظالم الاقتصادية والاستياء من عدم المساواة قوة دافعة لهذه الاحتجاجات، فيما يمثّل الشعور بالحرمان من الحقوق السياسية قاسماً مشتركاً آخر بينها.

وقد أدّت الاستجابة العنيفة من جانب الحكومات للاحتجاجات، وحملات القمع القاسية، إلى تأجيج الاضطرابات وإشعال مواجهات عنيفة في أماكن عدّة. لكنّ ذلك زاد من حماسة المتظاهرين ودفعهم إلى مواصلة النزول إلى الشوارع. وللأسف، انزلقت الاحتجاجات في فرنسا إلى أعمال نهب وشغب.

تتشارك الاحتجاجات في أوروبا والهند سمة أساسية، تتمثّل في أنّها مدفوعة بموجة من النشاط الطلابي. وفي جوهرها، تكمن حالة الإحباط التي يعيشها الشباب، في جيل يرى وعوداً لم تتحقّق ومستقبلاً يكتنفه الغموض. ويشعر هذا الجيل بأنّه تعرّض للخيانة نتيجة نقص الفرص التعليمية والاقتصادية. كذلك، يعبّر المحتجون عن غضبهم من القادة السياسيين الذين تجاهلوا احتياجات المواطنين، والذين يُنظر إليهم على أنّهم فاسدون. وقد بدأت الاحتجاجات بمبادرات شبابية، ثم اتّسعت لتتحوّل إلى حركات أوسع، مع انضمام فئات أخرى مستاءة تحمل مطالبها الخاصة إلى التظاهرات. وشكّلت وسائل التواصل الاجتماعي أداة رئيسية للحشد في جميع هذه الاحتجاجات.

وُضعت الحكومات أمام تحذير واضح مفاده أنّ سوء الحكم وتجاهل احتياجات المواطنين ستكون لهما عواقب.

لم تقد أيّ من هذه الاحتجاجات أو الحركات أحزاب سياسية. فقد بقيت الأحزاب إلى حدّ كبير على الهامش، رغم محاولاتها الاستفادة من التظاهرات، فيما اصطفّ اليسار الفرنسي إلى جانب المحتجين. وفي عدد من الدول الأوروبية، تجري الاحتجاجات في ظلّ استقطاب حادّ، تسعى أحزاب اليسار واليمين على حدّ سواء إلى استغلاله، ولا سيما أنّ انتخابات من المقرّر أن تُجرى العام المقبل في دول عديدة، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.

في الهند، تصدّرت حركة الشباب المعروفة باسم "الصراصير" الاحتجاجات، وفرضت حتى الآن التحدّي الأبرز لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وجاءت الاحتجاجات المستمرة في أعقاب تحرّكات طلابية قادها حزب "الصرصور" في أيار/مايو، احتجاجاً على تسرّب أوراق الامتحانات، ما أجبر وزير التعليم على الاستقالة. أمّا هذه المرّة، فكان الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات تعديل قوائم الناخبين من جانب لجنة الانتخابات الهندية، وهو إجراء يبدو أنّه تضمّن شطب نحو 130 مليون ناخب.

وقد قوبلت مزاعم الحكومة ولجنة الانتخابات، بأنّ الهدف من هذا الإجراء كان إزالة الأسماء المكرّرة وغير المؤهّلة من السجلات، برفض واسع النطاق. وبدلاً من ذلك، نُظر إليه على أنّه خطوة نحو حرمان جماعي من حقّ التصويت. وأصبح هذا الإجراء الشرارة التي أشعلت احتجاجات الشباب، الذين طالبوا باستقالة رئيس لجنة الانتخابات وإلغاء عملية المراجعة. كذلك، انضمّت أحزاب المعارضة الهندية إلى التظاهرات، وندّدت بالإجراء، معتبرةً أنّه عملية تطهير ذات دوافع سياسية تهدف إلى خدمة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.

واستغلّ حزب "الصرصور جاناتا" الفرصة لتوسيع حملته. ولم تؤدِّ الأساليب القمعية التي استخدمتها الحكومة لقمع الانتفاضة الشعبية سوى إلى تأجيج غضب المتظاهرين، الذين اتّهموا مودي بـ"سرقة الديمقراطية". وعلى الرغم من أنّ هذه الاحتجاجات لم تشكّل تهديداً وجودياً لمودي، فإنّ حكومته، التي بدت مضطربة وتتّجه نحو مزيد من الاستبداد، تصرّفت كما لو أنّها تواجه مثل هذا التهديد، فلجأت إلى الاعتقالات والقمع الشديد. وقد أدّى حجم الاحتجاجات واستجابة الحكومة القمعية إلى تقويض سلطة مودي، وإضعاف قبضته على الحكم، والإضرار بمصداقيته وصورته.

وقد عبّرت الاحتجاجات الجماهيرية عن أكثر بكثير من مجرّد معارضة تعديل سجلات الناخبين، إذ تمحورت حول الحقوق الديمقراطية والمساءلة الديمقراطية، ورفض الظلم المتفشّي. وكما جادل الأكاديمي الهندي سودير كومار سوثار، فإنّ السعي إلى الكرامة كان دافعاً لهذه الاحتجاجات بقدر السعي إلى الحقوق. ورسالة الشباب واضحة، ومفادها أنّهم "يستحقون حياة أكثر كرامة ممّا وفّره لهم النظام حتى الآن".

ويبقى السؤال المركزي: ما النتائج التي ستفضي إليها هذه الاحتجاجات الجماهيرية، وما الذي ستحقّقه؟ لا بدّ من الانتظار حتى تأخذ الاحتجاجات مداها قبل تقديم تقييم نهائي، إذ إنّ معظمها لا يزال مستمراً. لكن إحدى النتائج غير المقصودة لموجة الاستياء الحالية في بعض الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا، وبدرجة أقلّ في إسبانيا والبرتغال، قد تتمثّل في تعزيز قوة اليمين المتطرّف. فعلى الرغم من أنّ اليمين المتطرّف لم يقد أيّاً من هذه الاحتجاجات، فإنّه قد يستفيد من تداعياتها.

وفي مشهد سياسي يتآكل فيه الوسط السياسي، وتفقد فيه الأحزاب الوسطية صلتها بالشباب، تصبّ الاضطرابات في مصلحة قوة المعارضة الأكثر تنظيماً، التي تَعِد بإعادة النظام. وفي فرنسا، تتمثّل هذه القوة في حزب "التجمّع الوطني" بزعامة مارين لوبان. أمّا في البلدان التي يتولّى فيها اليمين المتشدّد السلطة، فتعمل هذه الأفضلية بطريقة مختلفة، إذ تتيح للحكومات تصوير الاحتجاجات على أنّها قضية تتعلّق بالأمن والنظام العام، يؤجّجها المهاجرون، لتبرير اتخاذ إجراءات أكثر قسوة.

وعموماً، قد تدفع الاحتجاجات التي يقودها الشباب الحكومات إلى التعامل بجدّية أكبر مع احتياجات الشباب وتطلّعاتهم، التي نادراً ما كانت تحظى بالأولوية. فما تشير إليه الشوارع هو انهيار في الثقة لم يعد من الممكن تجاهله. وفي الوقت الراهن، وجّهت الاحتجاجات تحذيراً واضحاً إلى الحكومات: سوء الحكم له عواقب.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.