"972+": حملة الاستيطان الإسرائيلية تُحدث تحولاً متسارعاً في جنين
تُقسّم البؤر الاستيطانية والطرق والقواعد العسكرية الجديدة التجمعات الفلسطينية في منطقة شهدت نشاطاً استيطانياً محدوداً على مدى عقدين من الزمن.
-
"972+": حملة الاستيطان الإسرائيلية تُحدث تحولاً متسارعاً في جنين
مجلة "972+" الإسرائيلية تنشر تقريراً يتناول التوسع الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي المتسارع في محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، وتأثيره في الأراضي الفلسطينية وحياة السكان.
يرصد التقرير كيف يسهم التوسّع الاستيطاني والعسكري في جنين في مصادرة الأراضي، وعزل القرى، وضرب مصادر رزق الفلسطينيين، وزيادة الضغوط التي قد تدفعهم إلى التهجير.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
تصطف الأعلام الإسرائيلية على الطرق المؤدّية إلى مدينة جنين في شمال الضفة الغربية. وقد أصبح هذا المشهد مألوفاً في أنحاء واسعة من الأراضي المحتلة، لكنه لا يزال غير مألوف هنا.
وخلال الأشهر القليلة الماضية، وسّعت "إسرائيل" بسرعة بنيتها التحتية العسكرية والمدنية في مختلف أنحاء محافظة جنين. ووفق منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية غير الحكومية، وافقت الحكومة على 17 مستوطنة في منطقة جنين منذ بداية عام 2025، من بينها أربع مستوطنات أُخليت عام 2005 في إطار "فك الارتباط" الإسرائيلي من غزة. كما يعمل "الجيش" على إنشاء قواعد عسكرية والاستيلاء على أراضٍ لشق طرق تهدف إلى ربط المستوطنات الجديدة وتلك التي أُعيد إحياؤها.
وتمثّل هذه الخطوات تحوّلاً حاداً في منطقة لم تشهد نشاطاً استيطانياً إسرائيلياً يُذكر طوال عقدين. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يقتصر الأثر على الأراضي وحدها؛ إذ تُعزل الأراضي الزراعية والطرق والمناطق التجارية بصورة متزايدة، ما يهدّد سبل العيش ويزيد من تفتيت جنين من الداخل.
أما عدد المستوطنين الذين يعيشون حالياً في هذه المواقع الجديدة، فهو أقلّ وضوحاً. ويُعتقد أنّ عددهم يبلغ عدة مئات، رغم عدم وجود رقم موثوق وموحّد. وقد أُقيمت بعض المستوطنات بالفعل، فيما لا تزال أخرى في مراحل مبكرة من التطوير.
وفي مراسم أقيمت في 13 آب/أغسطس بمناسبة إعادة إنشاء مستوطنة غانيم، وهي واحدة من أربع مستوطنات أُخليت عام 2005، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس: "بعد 21 عاماً على اقتلاع غانيم، نعود اليوم إلى شمال السامرة للبناء والاستيطان والبقاء. وفي المكان الذي حاولوا فيه اقتلاع الحركة الاستيطانية، نعيد إنماءها".
ووصف كاتس المستوطنات بأنها "جزء من تحرّك استراتيجي لتعزيز شمال السامرة وتحقيق هدف الوصول إلى مليون إسرائيلي في السامرة". كما وضع إنشاءها في إطار استراتيجية أوسع تجمع بين توسيع الاستيطان وزيادة السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بما في ذلك المصادقة على 104 مستوطنات جديدة ونحو 160 بؤرة زراعية، وإعادة إنشاء قواعد عسكرية في شمال الضفة الغربية، وتكثيف العمليات العسكرية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. كما دُشّنت في آب/أغسطس مستوطنة جديدة تحمل اسم "نوعا".
وفي الوقت نفسه، أُنشئت ستة معسكرات عسكرية إسرائيلية جديدة في أنحاء جنين، من بينها واحد داخل المدينة، فيما لا يزال هناك معسكر آخر مخطط لإنشائه. وفي قرية أبو الشرقية الهادئة، شرقي جنين، فرض هذا الواقع الجديد نفسه بسرعة. فقد عادت غانيم وكاديم، اللتان فُككتا قبل أكثر من عقدين، إلى المنطقة.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، عدّلت الحكومة الإسرائيلية "قانون فك الارتباط" للسماح للإسرائيليين بالعودة إلى المستوطنات التي أُخليت في شمال الضفة الغربية. ومع عودة غانيم وكاديم، قال رئيس بلدية أبو الشرقية برهان العزامة لمجلة "+972": "أصبحت القرية الآن محاصرة، مثل السجن".
وأضاف: "لدينا أراضٍ قريبة، لكن الناس لم يعودوا قادرين على الذهاب إليها. وهم قلقون من أخذ أغنامهم للرعي. كما يتزايد الخوف مما سيعنيه ذلك لموسم قطاف الزيتون المقبل".
وفي أوائل آب/أغسطس، فوجئ أصحاب أكثر من 40 متجراً ومنشأة أخرى على طول الطريق الالتفافي شرقي جنين بتلقّي أوامر هدم من السلطات الإسرائيلية، في خطوة يقول السكان إنها تهدف إلى عزل القرى الشرقية عن المدينة. وكان 26 من هذه المنشآت في أبو الشرقية، من بينها متجر "سوبرماركت" يملكه العزامة نفسه.
وقال: "وضعت بضائعي في منزلي، وسأحوّل غرفة صغيرة إلى مساحة تخزين أستطيع أن أبيع منها. عليك أن تجد طريقة لتدبّر أمورك، بأيّ وسيلة، لحماية مصدر رزقك".
ويقدّر رئيس البلدية أنّ 120 عائلة كانت تعتمد على هذه المنشآت لتأمين قوتها. وقال: "هذه سياسة تهدف إلى حرمان الناس من مصادر رزقهم".
وتأتي أوامر الهدم فيما يخشى السكان أيضاً من انقطاع وصولهم إلى أراضيهم خلال موسم قطاف الزيتون في تشرين الأول/أكتوبر، الذي يشكّل مصدراً رئيسياً للدخل في القرية التي يقطنها نحو 800 شخص.
وقال طارق إغبارية، رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية في جنين، لمجلة "+972"، إنّ الدفع باتجاه الاستيطان "لم يحدث تدريجياً، بل جاء دفعة واحدة. إنها سباق مع الزمن في جنين. الوضع يتغيّر كلّ يوم".
ووصف إغبارية حزاماً استيطانياً آخذاً في التشكّل يطوّق جنين، فيما يقطع صلات المحافظة بالمناطق المجاورة ويفتّت الطرق بين المدينة والقرى الفلسطينية المحيطة بها.
وقال إنه من الجنوب تفصل المستوطنات جنين عن نابلس وطولكرم، ومن الشرق يمتد حزام آخر باتجاه طوباس وغور الأردن، فيما يقف جدار الفصل الإسرائيلي إلى الشمال.
وأضاف إغبارية: "الآن، دخل المشروع الاستيطاني إلى قلب المحافظة. إنه يفصل القرى الشرقية، وهي مراكز سكانية كبيرة، عن المدينة. كما فصل القرى الواقعة جنوباً عن المدينة، وفتّت المحافظة، وربط هذه البؤر الاستيطانية بعضها ببعض".
ووصف درور إيتكس، مؤسس منظمة "كيرم نافوت" الإسرائيلية لمراقبة الاستيطان، ما يجري في جنين بصورة مماثلة بأنه "آلة عدوانية جداً وضخمة وشاملة للاستيلاء على الأراضي".
وقال: "الحزمة بأكملها تأتي معاً: المستوطنات، وعنف المستوطنين، والبوابات، والشاباك [جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي]، والعنف العسكري".
ووصف إيتكس المشروع الاستيطاني بأنه "جهاز إرهاب" يعمل عبر قناتين، هما "المستوطنون والدولة يعملان معاً"، بهدف "تحطيم التواصل الجغرافي لمنطقة جنين الريفية بالكامل، من خلال بناء البؤر والمستوطنات وربطها [بعضها الببعض]".
الاستيلاء على الأراضي في المنطقة "أ"
اتخذت جهود ربط المستوطنات الجديدة منعطفاً مهماً في تموز/يوليو، عندما أصدر "الجيش" الإسرائيلي ما لا يقل عن 15 أمراً لمصادرة أراضٍ تشمل نحو 200 دونم، أي 20 هكتاراً، في المنطقتين "أ" و"ج" من محافظة جنين. ويبدو أنّ الأوامر تهدف إلى تمهيد الطريق لشقّ طريق يربط بين مستوطنتي عيمق دوتان ونوعا الجديدتين.
وجاءت الأوامر بعد قرار اتخذه المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي في 25 آذار/مارس بالموافقة على المستوطنتين، ضمن حزمة شملت 34 مستوطنة وبؤرة جديدة في أنحاء الضفة الغربية، وهي أوسع موافقة من هذا النوع حتى الآن في قرار واحد للحكومة الإسرائيلية. ولم يُكشف عن القرار للرأي العامّ إلا في نيسان/أبريل.
ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية، أثار رئيس أركان "الجيش" إيال زامير مخاوف خلال مناقشة المجلس الوزاري بشأن العبء الذي سيقع على القوى البشرية نتيجة إنشاء هذا العدد الكبير من المستوطنات دفعة واحدة، محذراً من أنّ "الجيش" يعاني أصلاً لتلبية متطلّباته العملياتية المتزايدة.
وكانت عيمق دوتان ونوعا من بين خمس مستوطنات جديدة أُقرّت في منطقة جنين في ذلك القرار. ورغم أنّ كلتيهما أُقيمتا على ما تعتبره "إسرائيل" "أراضي دولة" في المنطقة "ج"، فإنّ ربطهما يتطلّب العبور في أراضٍ فلسطينية، بما في ذلك المنطقة "أ". وفي تموز/يوليو، وقّع قائد المنطقة الوسطى آفي بلوث أوامر الاستيلاء الـ15 لإنشاء هذا الربط.
ووفق منظمة "السلام الآن"، فهذه هي المرة الأولى منذ اتفاقات أوسلو التي تُستخدم فيها أوامر المصادرة العسكرية في المنطقة "أ"، ليس لحاجة أمنية واضحة أو "مؤقتة"، بل لخدمة احتياجات المستوطنين.
وأشار إيتكس إلى الطريق المقترح، الذي لم يُبنَ بعد، بوصفه أمراً بالغ الأهمية. وقال: "هذا هو الانتهاك الإسرائيلي الأكثر وضوحاً لاتفاق أوسلو".
وبالنسبة إليه، تكمن أهمية الأمر بدرجة أقل في مساحة الأراضي المصادرة، وبدرجة أكبر في الغرض من المصادرة. ففي أيار/مايو، أصدر "الجيش" الإسرائيلي أوامر بإنشاء قاعدة عسكرية داخل مدينة جنين، كما أفادت "+972" سابقاً. لكن إيتكس يرى أنّ أوامر تموز/يوليو تذهب أبعد من ذلك: فبدلاً من الاستناد إلى هدف عسكري واضح، تُستخدم أوامر المصادرة العسكرية لإنشاء بنية تحتية تربط المستوطنات الإسرائيلية.
ومن شأن الطريق المخطّط له أن يربط كتلة استيطانية جنوب شرقية، تشمل غانيم وكاديم ونوعا، بمنطقة مستوطنتي ميفو دوتان وعيمق دوتان. وقال إيتكس إنّ مسار الطريق يبدو أيضاً مصمّماً للالتفاف حول قباطية من الجنوب، بما يفصل البلدة عن القرى الواقعة إلى جنوبها، ويربط في الوقت نفسه المستوطنات الإسرائيلية على جانبيها.
وتواصلت "+972" مع الناطق باسم "الجيش" الإسرائيلي للحصول على تعليق، وستُضاف إجابته إذا وردت.
"يريدون الأرض من دون أهلها"
في عرابة، جنوب غربي جنين، باتت تداعيات هذا التوسّع واضحة بالفعل في سهل البلدة الزراعي الخصيب. ويمكن رؤية الكرفانات التابعة لمستوطنة عيمق دوتان الجديدة من القرية.
وتشتهر عرابة ببساتين الزيتون، لكنّ السكان يقولون إنهم باتوا يخشون على نحو متزايد من عدم قدرتهم على الوصول إلى أشجارهم قبيل موسم القطاف. وقد اقتلع "الجيش" الإسرائيلي أشجاراً في المنطقة وفرض مزيداً من القيود على الوصول إلى الأراضي الزراعية.
وقال رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة لمجلة "+972": "الهدف هو التهجير. ما الفرق بين عرابة ومخيم للاجئين عندما لا تعود لدي أراضٍ زراعية؟ عندما يأخذون مني هذا، لا يبقى أمامي خيار سوى أن أعيش يوماً بيوم. كيف يفترض بي أن أعيش؟"
ويقول السكان إنّ الضغوط تتجاوز الزراعة. فقد هُدمت 13 منشأة تجارية في المنطقة، فيما توجد 54 منشأة تجارية أخرى حول عرابة.
وأضاف العارضة: "السهل يُحاصَر، وأراضينا المزروعة بالزيتون أصبحت تحت سيطرة كاملة للمستوطنين أو الجيش. ماذا بقي لنا؟ كيف يُفترض بنا أن نعيش؟".
وتابع: "الأمر يتعلق بممارسة الضغط على الفلسطينيين في عرابة وجنين. التوسّع الاستيطاني يستولي على أراضينا الزراعية ومناطقنا التجارية وغيرها من المساحات الحيوية. إذا أُخذت كلّ هذه الأشياء منا، فما الذي سيبقى لنا؟ إنهم يريدون الأرض من دون أهلها".
وفي مكان قريب، وقف نعيم الشاعر على أرضه ووصف كيف تغيّرت حياته منذ أن أصبحت مستوطنة عيمق دوتان واقعاً. وقال إنّ المستوطنين قطعوا أشجار التين الخاصة به وقطعوا أنابيب المياه. وسأل: "ماذا فعل أنبوب المياه الخاص بي؟ ماذا فعلت الأشجار؟"
وقال الشاعر لمجلة "+972" إنه لم يعد يسمح لأفراد عائلته بمرافقته إلى الأرض لأنه يخشى على سلامتهم. وتتصل به زوجته مراراً كلما كان هناك. وأضاف: "أعيش في خوف. كلما كان لدي ضيف، أفتح الباب ثم أقفل البوابة".
وقال الشاعر إنّ مستوطنين دخلوا أيضاً إلى أرضه وهدّدوه وهدّدوا ملّاك الأراضي المجاورين، وأخبروهم بأنّ الأرض لم تعد ملكاً لهم. وأضاف: "يأتي مستوطن ويقول لي إنّ هذه أرضه وإنه يريد مني أن أغادر، وهي الأرض التي ورثتها عن عائلتي جيلاً بعد جيل".
وبالنسبة إلى الشاعر، لا يمكن فصل هذه التهديدات عن الضغوط الأوسع التي يتعرّض لها الفلسطينيون في عرابة: أراضٍ زراعية يصبح الوصول إليها متعذّراً، ومصادر رزق تختفي، وسكان يخشون بصورة متزايدة التنقّل في أراضٍ زرعوها لأجيال.
وقال: "لقد خسر الناس في عرابة الكثير. أعطوني الأمان ولا أريد شيئاً آخر. كان حلمي بسيطاً، أن أزرع هذه الأرض، لكنهم دمّروا ذلك الحلم".
نقلته إلى العربية: بتول دياب.