"وول ستريت جورنال": حلفاء واشنطن بلا ملجأ.. مخاوف من تبعية مطلقة لولايات متحدة متقلبة

انقسام جوهري بين واشنطن وحلفائها، الذين يواجهون معضلة العيش بين معضلة التبعية الأمنية المطلقة للقوة الأميركية، والسياسات المتقلبة التي جعلت من "الحليف الأهم" مصدر تهديدٍ وقلقٍ استراتيجي.

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب (وكالات)
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب (وكالات)

صحيفة "وول ستريت جورنال" تسلط الضوء على الصدع المتزايد بين أميركا وحلفائها التقليديين في عهد الرئيس دونالد ترامب. ويتناول المقال أزمة "اليتم الاستراتيجي" لحلفاء واشنطن، العالقين بين ضرورة الاعتماد على قوتها لمواجهة الأخطار، وبين تقلبات إدارة ترامب التي حولت التحالفات التاريخية إلى علاقات مضطربة يسودها التنمر والارتباك.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

تشعر الدول الصديقة في أوروبا وآسيا و"الشرق الأوسط" بالإحباط من الرئيس دونالد ترامب، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على الولايات المتحدة في أمنها.

تُتوّج الحرب الإيرانية عاماً من الخلافات مع إدارة ترامب حول الرسوم الجمركية، ودعم أوكرانيا، ومستقبل غرينلاند، لتضع حلفاء أميركا في أوروبا وآسيا و"الشرق الأوسط" أمام معضلةٍ مُقلقة.

فحليفهم الأهم يتصرف بطرقٍ يرونها مُتقلبة، وقد تسببت بالفعل في معاناةٍ وعدم استقرار. ألحقت الحرب أضراراً باقتصاداتهم، وتلوح في الأفق صدماتٌ أكبر إذا ما استمر إغلاق مضيق هرمز، مما يُفاقم أزمة الطاقة العالمية.

يتساءل الكثيرون، على جانبي المحيط الأطلسي، عما إذا كانوا حلفاءً حقاً. فبعد أن أثار رفض الدول الأوروبية الانضمام إلى الحرب إلى جانب الولايات المتحدة و"إسرائيل" غضب الرئيس ترامب، وصف الدول الأوروبية بالجبناء، وهدد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) نهائياً.

وقال رودريش كيسويتر، وهو مشرّع من الحزب الحاكم في ألمانيا، معبراً عن شعور واسع الانتشار في أوروبا: "الولايات المتحدة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها. لم تعد شريكاً موثوقاً به للعالم الغربي".

ويكمن مأزقهم في أنه لا يوجد بديل عن القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية في المستقبل المنظور. كما أن الصين وروسيا تتبعان سياسات استغلالية. وسيستغرق الأمر وقتاً حتى تتخلص الديمقراطيات متوسطة الحجم في أوروبا وآسيا من تبعيتها للولايات المتحدة، وحتى تُعزز التعاون فيما بينها.

منذ الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة في الغالب قوةً داعمةً لحلفائها الديمقراطيين، وحققت هيمنتها برضاهم، كما يقول مايكل فوليلوف، المدير التنفيذي لمعهد لوي، وهو مركز أبحاث أسترالي. لكن النظرة إلى أميركا في عهد ترامب اليوم مختلفة.

قال فوليلوف: "إذا أهنت حلفاءك ودفعتهم إلى حافة الهاوية في كل مفاوضات، وإذا أظهرت أسوأ ما فيك للعالم، فإن هذا الرضا سيتلاشى". وأضاف: "لكن ما هو البديل لنظام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة؟ الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على بسط نفوذها في أي مكان على وجه الأرض. من سيقود الغرب إن لم تكن واشنطن؟"

يشعر شركاء الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج العربي بهذا المأزق بشدة. فمع تعرض مدنهم يومياً لوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، تتضرر دول الخليج بشدة من الرد الإيراني على حرب لم تبدأها ولا تملك السيطرة على مسارها.

وقد ازداد استياء المسؤولين الخليجيين من ترامب، الذي قام، ضمن تصرفات غير دبلوماسية أخرى، بإهانة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان علناً، حين قال الشهر الماضي، في مؤتمر استثماري برعاية سعودية، إن الحاكم الفعلي للمملكة "لم يكن يتوقع أن يتملقني".

ومع ذلك، تدرك دول الخليج هذه أيضاً أن واشنطن وحدها هي القادرة على تزويدها بالأسلحة الحيوية، ولا سيما الدفاعات الجوية، وتوفير الحماية لها من أي محاولات إيرانية مستقبلية للهيمنة على المنطقة.

وقال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، لمجموعة من الصحفيين يوم السبت: "شريكنا الأمني الرئيسي هو الولايات المتحدة. وسنعزز علاقتنا معها".

تجري حسابات مماثلة في آسيا. فقد تابعت كوريا الجنوبية، التي تواجه تهديداً من كوريا الشمالية والصين المتزايدة الجرأة، بقلق بالغ إعادة الولايات المتحدة نشر مواردها الدفاعية الجوية الحيوية في "الشرق الأوسط" الشهر الماضي.

وقال ماسون ريتشي، أستاذ العلوم السياسية الدولية في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية في سيول: "إنّ الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة في إيران لا تكشف فقط عن كونها دولة مارقة لا تتوافق قيمها السياسية، محلياً ودولياً، مع القيم المعلنة لكوريا الجنوبية، بل تكشف أيضاً عن دولة ستكون لأفعالها عواقب اقتصادية وخيمة. ومع ذلك، تحتاج كوريا الجنوبية أيضاً إلى البقاء على وفاق مع إدارة ترامب حفاظاً على أمنها".

وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، على عكس الولايات المتحدة، يعتمدون على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وعليهم أن يكونوا هم من يبادرون إلى معالجة هذه المشكلة. وأضاف أن الولايات المتحدة ستدرس بعد الحرب مع إيران ما إذا كان حلف الناتو قد أصبح "طريقاً ذا اتجاه واحد" حيث تدافع أميركا عن أوروبا، بينما تُحرم من استخدام قواعدها وحقوق التحليق فوق أراضيها من قبل بعض الدول الأوروبية.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عُقد يوم الاثنين، أشاد ترامب بعلاقته الجيدة مع زعيم كوريا الشمالية، متذمراً من رفض كوريا الجنوبية الانضمام إلى الحرب على إيران، ومؤكدًا رغبته في ضم غرينلاند.

قلةٌ في الديمقراطيات الأوروبية والآسيوية تُؤيد النظام الإيراني، ذلك النظام الثيوقراطي الذي ارتكب مجازر بحق آلاف من مواطنيه أثناء قمعه للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في كانون الثاني/يناير. ولكن مع تصاعد الصعوبات العسكرية الأميركية في الأسابيع الأخيرة، تزايدت مشاعر الشماتة، أملاً في أن تُحدّ النكسات في الحرب من نزعة ترامب للتدخل في أماكن أخرى، وأن تُبشّر بالعودة إلى نهج أكثر تقليدية في إدارة العلاقات الدولية.

يقول رئيس الوزراء الأسترالي السابق مالكولم تورنبول، السياسي المنتمي ليمين الوسط والذي تزامنت فترة رئاسته مع فترة رئاسة ترامب الأولى: "لا يُعجب الناس بنهج رعاة البقر المتهور في الجغرافيا السياسية إلا عندما يُحقق النجاح. أصدقاء أميركا لا يأملون فقط في إنهاء هذه الحرب الاختيارية مبكراً، بل يأملون أيضاً في أن تهدأ حمى أميركا، وأن تُستبدل التحركات الاستراتيجية المتهورة بنهج أكثر تنظيماً في الجغرافيا السياسية".

إن تذبذب ترامب المستمر في مواقفه بشأن قضايا سياسية رئيسية، وقراراته المفاجئة بإلغاء الاتفاقيات السابقة، وتجاهله التام لآراء الحلفاء، كل ذلك يعني أن حتى القادة الأجانب الذين حاولوا التقرب منه - مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني - غالباً ما تعرضوا لخيبة أمل مريرة.

يقول كارلو كاليندا، عضو مجلس الشيوخ الإيطالي ووزير التنمية الاقتصادية السابق: "الجميع في حيرة من أمرهم. لا أحد يفهم حقيقة أميركا اليوم. يبدو أنها محكومة من قبل إمبراطور مجنون يردد ما يخطر بباله، وهو أمر لم نشهده منذ عهد كاليغولا أو نيرون. الأمر الوحيد الذي أدركه الأوروبيون هو أننا نتعامل مع مُتنمر. يمكنك أن تُعطيه كل ما يريد، يمكنك أن تتظاهر بأنك لا تسمع إهاناته، لكنه سيستمر في محاولة تنمره علينا، ولذلك يجب علينا في مرحلة ما أن نوقفه".

أصبحت أزمة يناير بشأن محاولة ترامب الاستيلاء على غرينلاند الدنماركية، عندما بدا لبضعة أيام أن الولايات المتحدة قد تشن عملية عسكرية ضد حلفائها الأوروبيين، نقطة تحول رئيسية بالنسبة للقادة الأوروبيين.

قال الفريق الفرنسي المتقاعد ميشيل ياكوفليف: "لن يُنسى هذا أبداً. من الناحية النفسية، كان حديث ترامب عن الاستيلاء على غرينلاند بمثابة حديث أبٍ، على سبيل المزاح، عن اغتصاب إحدى بناته. من الواضح أن هذا سيغير حياة العائلة تماماً".

ويتضح السخط الشعبي على أميركا في عهد ترامب من خلال استطلاعات الرأي. إذ يرى نحو 34% من سكان أكبر دول أوروبا أن الولايات المتحدة تشكل تهديداً، وهي نسبة تُضاهي أو حتى تتجاوز نسبة التهديد المُتصوَّر من الصين أو كوريا الشمالية أو إيران، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة "يوجوف" ونُشر في فبراير/شباط، قبل بدء الحرب. ولا تُعتبر سوى روسيا خطرًا أكبر. وتُفسر هذه المواقف سبب عدم استجابة أي حليف تقليدي في أوروبا أو آسيا لمطالب ترامب بالانضمام إلى الحملة العسكرية، ونشر القوات لإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي أمام الملاحة الحرة.

في الواقع، تُعدّ الحرب الحالية أول صراع كبير تخوضه الولايات المتحدة منذ قرن دون أي من حلفائها التقليديين. فقد شاركت جميع دول حلف الناتو تقريباً في أفغانستان، وانضمت دول مثل المملكة المتحدة وإسبانيا إلى غزو العراق عام 2003، وشاركت عشرات الدول في حرب الخليج عام 1991 ضد العراق. حتى في فيتنام، تلقت القوات الأميركية دعمًا من أستراليا وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا والفلبين وتايلاند.

في هذه الأيام، حتى العديد من حركات اليمين المتطرف والشعبوية التي يتبناها أنصار ترامب أدانت الحرب على إيران وحاولت النأي بنفسها عن ترامب. جوردان بارديلا، زعيم التجمع الوطني الفرنسي الذي يتصدر استطلاعات الرأي للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية العام المقبل، انتقد مؤخرًا أهداف الولايات المتحدة في إيران ووصفها بأنها "متقلبة للغاية"، وأشاد برفض الرئيس إيمانويل ماكرون الانضمام إلى الحرب ووصفه بأنه "معقول وشريف".

أما تينو خروبالا، الرئيس المشارك لحزب البديل من أجل ألمانيا، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ دعا برلين إلى أن تحذو حذو الحكومة اليسارية في إسبانيا وتمنع الولايات المتحدة من استخدام قواعدها العسكرية في ألمانيا في "حرب العدوان" ضد الجمهورية الإسلامية. كما اقترح سحب جميع القوات الأميركية من البلاد.

"يبدو أن استراتيجية MAGA المتمثلة في بناء تحالف دولي يميني متشدد موحد في أوروبا هي ضرر جانبي لضربات ترامب على إيران"، كما قالت كونستانز ستيلزن مولر، مديرة مركز الولايات المتحدة وأوروبا في معهد بروكينغز.

نقله إلى العربية: الميادين نت.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.