"واشنطن بوست": هل تمنح أميركا" للسعودية ثقة نووية؟ تذكّروا جمال خاشقجي
حاول النظام السعودي التستّر على اغتياله لكاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست" قبل ثماني سنوات. لا تثقوا به.
-
صورة للصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قتلته السلطات السعودية داخل قنصليتها في إسطنبول عام 2018.
هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تنشر مقالاً تقول فيه إنّ الاتفاق النووي الأميركي مع السعودية يتضمّن ضمانات أضعف من اتفاق الإمارات، وقد يفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم وسباق تسلّح إقليمي، ولذلك يدعو الكونغرس إلى فرض شروط رقابية وعدم انتشار أكثر صرامةً على الرياض.
ويستخدم المقال قضية اغتيال جمال خاشقجي وسجلّ السلطات السعودية في حقوق الإنسان للتشكيك في مدى الثقة بالرياض والقيادة السعودية في ملف حساس مثل التكنولوجيا النووية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
النظام الذي حاول التملّص من اغتيال كاتب رأي في صحيفة "واشنطن بوست" قبل 8 سنوات، لا تصدّقوا أنه يريد برنامجاً نووياً سلمياً.
هناك أسباب كثيرة للشك في اتفاق التعاون النووي المدني بين إدارة ترامب والسعودية المعروض الآن على الكونغرس للمراجعة. وبعض هذه الأسباب يتعلق بمخاطر إطلاق سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، وبعضها الآخر يتعلق بطبيعة نظام الرياض ومدى موثوقيته، وخصوصاً حاكمه الفعلي ولي العهد محمد بن سلمان.
ويكمن الخلل مبدئياً في أن الاتفاق المذكور يحذف ضمانتين رئيسيتين كانتا حاضرتين في اتفاق نووي مدني مماثل أبرمته الولايات المتحدة مع الإمارات في عام 2009، مثل موافقة الإمارات على ألا تسعى أبداً إلى تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجته على أراضيها، أما هذا الاتفاق، فيسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم بنسبة 5% مبدئياً، على أن يرتفع الحد لاحقاً إلى 20%. وهذا مستوى يمكن تخصيبه بسرعة نسبياً ليصبح يورانيوم صالحاً للأسلحة. وللمقارنة، فإنّ الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 حدّد سقف التخصيب عند 3.67% لمدة 15 عاماً. وكان بإمكان السعوديين بسهولة شراء الوقود من مورّدين دوليين والتنازل عن التخصيب، كما تفعل الإمارات، لكن الاتفاق ينصّ على احتمال بناء منشأة لتخصيب اليورانيوم بعد دراسة أميركية سعودية مشتركة.
والخلل الثاني هو أن الاتفاق لا يُلزم السعودية بالتقيّد بالبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يفرض الرقابة والتفتيش والتحقق. والإمارات تخضع لهذا التدقيق الإضافي، كما يتضمن اتفاق الإمارات بنداً يقول إنه إذا حصل أي بلد شرق أوسطي آخر على شروط تعاون نووي أكثر تفضيلاً، فيمكن للإمارات إعادة التفاوض على اتفاقها. بتعبير آخر، إذا سُمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم محلياً، ومن دون عمليات تفتيش صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فمن المرجّح أن تطالب الإمارات بالمعاملة المتسامحة نفسها.
وكذلك كان ولي العهد السعودي قد قال علناً إنّ السعودية ستتجه إلى امتلاك سلاح نووي إذا فعلت إيران ذلك. وخلصت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أن المملكة ما زالت منفتحة على تطوير برنامج أسلحة نووية، وفق وثائق سرية قُدّمت إلى الكونغرس، كما كشفت "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي.
إنّ منح السعودية خيار تخصيب اليورانيوم محلياً يقوّض المبرّر المركزي لإدارة ترامب للحرب على إيران: أنه "لا يمكن السماح لها أبداً بامتلاك سلاح نووي"، واستمرت في التشكيك بشكل ساخر بادّعاءات طهران بأن تخصيبها لليورانيوم مخصّص للاستخدام المدني.
يوافق هذا الأسبوع الذكرى الثامنة للقتل الوحشي لكاتب الرأي المشارك في "واشنطن بوست" جمال خاشقجي، وتقطيع جسده. فلقد كان خاشقجي من أبرز المنتقدين في الخارج لمحمد بن سلمان. وخلصت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أنّ ولي العهد وافق شخصياً على العملية التي أدت إلى اغتيال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. وأقام السعوديون محاكمة صورية في 2019، وأعلنوا إدانة 8 رجال متورطين في مقتل خاشقجي، وقالوا إنّ 5 منهم حُكم عليهم بالإعدام. لكن لم يعلن عن أي اسم، وكانت المحاكمة مغلقة. أما الشخصان الأعلى مرتبة اللذان قيل إنهما وجّها العملية، فقد أفلتا من المحاكمة أو العقاب. وبعد 8 سنوات من تقطيع جسد زميلنا بمنشار عظمي، لم تتحقق أي مساءلة عليا عن الجريمة المروّعة.
صعد محمد بن سلمان إلى السلطة بوصفه مُصلحاً ومحدّثاً. وما زال يحاول تبييض صورة السعودية كعاصمة للرياضات الإلكترونية ومضيفة لمهرجانات كوميدية. وفي الأفق هناك استضافة كأس آسيا لكرة القدم في 2027، وكأس العالم في 2034. لكن خلف الواجهة، يستمر القمع. فالناشطون والمفكرون والصحافيون ومستخدِمو وسائل التواصل الاجتماعي مسجونون، والكثير منهم لمجرد أنهم دعوا إلى إصلاح سلمي، وفقاً لمنظمات حقوقية متعددة.
قال ترامب إنّ الاتفاق النووي مع السعودية لن يدخل حيّز التنفيذ حتى توافق السعودية على الانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام" والاعتراف بـ"إسرائيل". وهذا شيء قالت الرياض إنها لن تفعله حتى يظهر مسارٌ نحو دولة فلسطينية. لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا الشرط مكتوباً في نص الاتفاق، الذي أُرسل إلى الكونغرس في آب/أغسطس الماضي لمراجعة مدتها 90 يوماً.
كذلك أعرب بعض المشرّعين عن تشككهم في الاتفاق النووي. ومع بقاء أيام تشريعية قليلة في التقويم، ليس مؤكداً أن يتمكن المعارضون من حشد تأييد كافٍ لتمرير قرار عدم الموافقة. وحتى ذلك الحين، يمكن لترامب أن ينقض أي تشريع يهدف إلى عرقلة الاتفاق. وعلى الأقل، ينبغي للكونغرس أن يصرّ على أن تلتزم السعودية بالشروط نفسها التي التزمت بها الإمارات. فالسعوديون لا يستحقون افتراض حسن النية.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.