"نيويورك تايمز": ترامب يملك مخرجاً من أزمة غرينلاند.. لكنه لا يبدو راغباً فيه

تتزايد الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، وقد قلّص حلف الناتو استثماراته في أمن القطب الشمالي. إلا أنّ الرئيس ترامب، المُصرّ على السيطرة، يرفض أي اتفاقيات مع أوروبا لحلّ هذه المشكلة.

  • "نيويورك تايمز": ترامب يملك مخرجاً من أزمة غرينلاند.. لكنه لا يبدو راغباً فيه

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقالاً بشأن أزمة جيوسياسية متصاعدة حول غرينلاند، بوصفها ساحة اختبار خطيرة لمستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وللعلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، في ظل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على السيطرة الكاملة على الإقليم.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

مع اشتداد الصراع على السيطرة على غرينلاند، وما يثيره  من تساؤلات حول ما إذا كان حلف شمال الأطلسي مقبلاً على ضربة قاضية، برزت حقيقتان جيوسياسيتان صارختان.

أولاهما أنّ جميع أعضاء حلف شمال الأطلسي أخفقوا، لسنوات طويلة، في الاستثمار بشكل كافٍ في أمن القطب الشمالي. وفي المقابل، أسهم ذوبان الأنهار الجليدية، وتصاعد النشاط البحري الصيني والروسي، إلى جانب حساسية كابلات الاتصالات البحرية الحيوية، في تحويل واحدة من أبرد مناطق العالم إلى ساحة مرشحة لتجدد صراع القوى العظمى.

أمّا الحقيقة الثانية، فتتمثل في أنّ الرئيس ترامب لا يبدي أي نية للبحث عن حل جماعي لهذه المشكلة المتفاقمة منذ زمن، بل تعمّد إحداث ما قد يتحول إلى أعمق شرخ في تاريخ الحلف الممتد لنحو 77 عاماً، الأمر الذي دفع نائبة المستشارة الألمانية إلى التصريح، خلال عطلة نهاية الأسبوع، بأنّ الدول الأوروبية "يجب ألا تسمح لنفسها بأن تُبتز" من قبل أكبر قوة داخل الحلف.

حتى أحد القادة المفضلين لدى ترامب، الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، حذّر من "دوامة هبوط خطيرة".

وما يجعل هذه الأزمة لافتة للنظر، وغير ضرورية في الوقت ذاته، أنها تبدو مفتعلة عمداً من قبل ترامب نفسه. فمنذ البداية، أوضح أنه غير مهتم بالتسويات الدبلوماسية التي قد تحقق، على الأرجح، أهدافه الدفاعية المعلنة، والمتمثلة في زيادة عدد القواعد الأميركية لمراقبة الشحن الصيني والروسي، وتوسيع مشروعه للدفاع الصاروخي "القبة الذهبية" الذي لا يزال في مراحله الأولى.

ولم يُظهر حتى الآن أي اهتمام بالسعي إلى حلول دبلوماسية أو بنمط الشراكات الدفاعية التي لطالما شكلت ركيزة أساسية في عمل حلف "الناتو". وفي كل مرة يطرح الأوروبيون حلولاً، أي حلول تتجنب منح الولايات المتحدة ملكية كاملة لأراضٍ دنماركية، يرفضها ترامب، مُصرّاً على السيطرة الكاملة على غرينلاند، التي تبلغ مساحتها 836 ألف ميل مربع، حتى وإن كان معظمها مغطى بالجليد.

في الواقع، يبدو أنّ ضخامة مساحتها تشكّل أحد عناصر الإغراء الأساسية. فكون معظم أراضيها غير صالح للسكن لا يبدو أنه يثير أي انزعاج لدى ترامب. إنها الجائزة العقارية المثالية: منطقة تعادل مساحتها نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، وأكبر من ألاسكا نفسها، التي تبلغ مساحتها نحو 665 ألف ميل مربع فقط.

وإذا انتصر ترامب، فسيكون قد أبرم أكبر صفقة استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، متجاوزاً حتى صفقة وزير الخارجية ويليام إتش. سيوارد عام 1867، حين اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل ما يعادل نحو سنتين للفدان الواحد.

ولزيادة الضغط على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين، لجأ ترامب سريعاً إلى أداته المفضلة في الإكراه الاقتصادي: الرسوم الجمركية. فبعد مرور عام كامل على خطابه الافتتاحي، الذي حذّر فيه من أن "لا شيء سيقف" في طريق تنفيذ أجندته "أميركا أولاً"، بدا غير مكترث باحتمال تفكيك أقوى تحالف عسكري في التاريخ الحديث من أجل تلبية مطلبه بامتلاك غرينلاند.

غير أن أمامه خياراً أسهل بكثير. فهناك معاهدة موقّعة بين الولايات المتحدة والدنمارك عام 1951، في نهاية إدارة ترومان، تمنح واشنطن حقوقاً واسعة لإعادة فتح ما يقارب 16 قاعدة عسكرية كانت تملكها في غرينلاند.

وقد أُغلقت هذه القواعد عندما اعتقدت الولايات المتحدة أن عصر التنافس الاستراتيجي على القطب الشمالي قد انتهى مع انهيار الاتحاد السوفياتي. ولم ترغب واشنطن في تحمّل كلفة صيانة قواعد متجمدة، فتركتها عرضة للرياح والجليد. وقد كشفت جولة في بعض هذه المنشآت القديمة الصيف الماضي أن شتاء غرينلاند القاسي حطّم نوافذ المنازل ومراكز القيادة المتبقية، بينما تفتتت مدارج الطائرات إلى أجزاء صغيرة وغطتها النباتات.

ومقابل بضعة مليارات من الدولارات، وهو مبلغ يقل كثيراً عن كلفة شراء غرينلاند بأكملها، تتيح المعاهدة للولايات المتحدة بناء موانئ عميقة، ومدارج طائرات طويلة، ومحطات رادار، ومواقع لإطلاق صواريخ اعتراضية للدفاع الجوي. إلا أن واشنطن لم تطلب ذلك. وكما قال مسؤول دنماركي رفيع المستوى بلهجة تهكمية، فإن بلاده مستعدة للموافقة، وربما كان هذا بالذات هو السبب في أن ترامب لا يرغب في طرح هذه المسألة.

وعندما سُئل في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" مطلع هذا الشهر عمّا سيفعله إذا اضطر للاختيار بين طموحاته التوسعية والحفاظ على التحالف، أجاب ببساطة: "قد يكون هذا خياراً".

وأضاف: "السيطرة مهمة للغاية، لأنني أشعر أنها ضرورية نفسياً لتحقيق النجاح". وعند سؤاله عن احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية، أجاب: "لا أعتقد أن ذلك سيكون ضرورياً".

أشارت هيذر كونلي، الباحثة في معهد "أميركان إنتربرايز" والمتخصصة في سياسات الدفاع في القطب الشمالي، يوم الجمعة، خلال محاضرة ألقتها أمام مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن القضايا الاستراتيجية التي أثارها ترامب كانت في جوهرها مبرَّرة، حتى وإن بدا مطلب الملكية نفسه غامضاً.

وقالت: "يُسهّل القطب الشمالي الوصول إلى مناطق متعددة، سواء عبر الصواريخ أو الغواصات أو السفن البحرية أو كابلات الاتصالات تحت سطح البحر. ومع التحول البيئي في المنطقة، نشهد أيضاً تصاعداً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي".

وبحسب كونلي، بالغ ترامب في تصوير مستوى التهديد، موحياً بأن الصين وروسيا باتتا على وشك السيطرة على المنطقة. إلا أنها أوضحت أن الصين "تجري أبحاثاً علمية صوتية مكثفة" — تُستخدم في تتبع الغواصات — إلى جانب أنشطة في التعدين في أعماق البحار. وأضافت: "وبسبب كل ذلك، يعمل حلف الناتو حالياً على تكثيف مناوراته وتوسيع نطاق وجوده".

غير أن أياً من هذه المعطيات لا ينسجم مع رواية ترامب، التي أصبحت أكثر حدة وإلحاحاً مع مرور الوقت. ففي البداية، افترض الأوروبيون أن تصريحاته لا تتعدى كونها تهديدات جوفاء، أو أنها امتداد لأسلوبه في عالم العقارات بنيويورك: اتخاذ مواقف متشددة والتهديد بالتصعيد من أجل انتزاع صفقة أفضل.

لكن، قبيل تنصيبه، صرّح ترامب في مؤتمر صحفي عقده في مارالاغو بأنه قد "يفكر بالطبع" في استخدام القوة لفرض سيطرته على غرينلاند وقناة بنما، التي طالب بإعادتها إلى الولايات المتحدة.

ولفترة وجيزة، خفّ التوتر، غير أن عودته دفعت القادة الأوروبيين إلى الإعلان عن سلسلة خطوات قالوا إنها تلبّي المطالب الأمنية التي طرحها ترامب، من دون التخلي عن السيادة على الإقليم الجليدي.

فقد بدأوا بتوسيع "الوجود العسكري" لدول حلف "الناتو" في غرينلاند ومحيطها، موضحين أنه سيشمل عناصر جوية وبحرية وبرية. كما رفعت الدنمارك إنفاقها العسكري بشكل كبير، على الرغم من تهكم ترامب، الذي زعم أن قدراتها الدفاعية لا تتجاوز "زلاجتين تجرهما الكلاب".

وأثارت احتجاجات الدنمارك، ومعها دول أوروبية أخرى، بشأن ضرورة احترام مبدأ السيادة، غضب ترامب، ودفعته إلى التشدد أكثر في موقفه. وفي هذا السياق، شبّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في بيان صدر يوم السبت، مساعي ترامب لإجبار الدنمارك على بيع غرينلاند، باستيلاء روسيا على أجزاء من أوكرانيا.

وبذلك، بات الأوروبيون والأميركيون يتحدثون بلغة متناقضة تماماً، في مشهد يهيئ الأرضية لمواجهة محتملة.

وعندما أعلنت دول أوروبية عدة إرسال مجموعة صغيرة من العسكريين إلى غرينلاند، فسّر ترامب هذه الخطوة فوراً على أنها محاولة لردع أي استيلاء مسلح محتمل من جانب الولايات المتحدة. ولم يكن هذا التفسير خاطئاً تماماً، غير أن الخطوة كانت في جوهرها رمزية أكثر منها قوة دفاعية فعلية.

بعد ذلك، أعلن ترامب أنّ "أي شيء أقل" من بيع غرينلاند بالكامل للولايات المتحدة "غير مقبول".

ثم جاءت الرسوم الجمركية، استناداً إلى إعلان رئاسي عن "حالة طوارئ" وشيكة لم تُحدَّد معالمها بعد.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، صرّح سفير أوروبي في واشنطن بأن زملاءه يخشون من السيناريو الأسوأ: أن ترد أوروبا بفرض رسوم جمركية مضادة، وأن يلوّح ترامب بالانسحاب من حلف "الناتو"، أو يعلن عدم التزامه بالدفاع عن أي دولة عضو تعارض موقفه بشأن غرينلاند.

ومع ذلك، يؤكد المسؤولون الأوروبيون أنهم غير قادرين على التراجع.

وقال الرئيس ماكرون، مخاطباً القوات المسلحة الفرنسية في احتفال أُقيم يوم الأحد: "في غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، تقع على عاتق الأوروبيين مسؤولية خاصة. فهذه المنطقة تابعة للاتحاد الأوروبي، وهي أيضاً جزء من أراضي أحد حلفائنا في الناتو".

غير أنه لم يوضح ما الذي يعتزم فعله تحديداً إذا لم يرضَ ترامب بأقل من تنازل قسري عن الأراضي.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.