"فورين بوليسي": ما التكلفة السياسية لإرسال القوات الكورية إلى مضيق هرمز؟

من خلال الضغط على سيؤول لدعم حربه على إيران، يُضعف الرئيس الأميركي تحالفاً حيوياً.

0:00
  • تظاهرات في كوريا الجنوبية ضد مشاركة البلاد في الحرب على إيران.
    تظاهرات في كوريا الجنوبية ضد مشاركة البلاد في الحرب على إيران.

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر تقريراً يتناول الضغوط الأميركية على كوريا الجنوبية للمشاركة في الحرب ضد إيران عبر نشر قوات بحرية في مضيق هرمز، وما يثيره ذلك من انقسام سياسي وشعبي داخل البلاد.

ويرى التقرير أنّ ضغوط ترامب قد تدفع كوريا الجنوبية إلى التشكيك في موثوقية التحالف مع واشنطن، والبحث عن قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية، وربما تعزيز النقاش حول امتلاك قدرات نووية محلية، بما قد يؤدي في النهاية إلى إضعاف أحد أهم تحالفات الولايات المتحدة في آسيا.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

في الأسبوع الماضي، بدا أنّ إدارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ على وشك مطالبة البرلمان بنشر القوات البحرية في مضيق هرمز. وقد انتشرت الشائعات لعدة أيام، وبينما حرص المسؤولون الرئاسيون على تأكيد عدم اتخاذ أيّ قرار نهائي، أشارت تقارير صحفية إلى خطط لنشر سفن بحرية غير قتالية، وأنّ الطائرات البحرية تقترب من مراحلها النهائية. وردّت إيران، بدورها، حيث أصدرت بيانات باللغة الكورية تحذّر من هذا الانتشار.

يتمتع الأسطول البحري لكوريا الجنوبية بتجهيزات متطورة وقدرة على تنفيذ مهام طويلة الأمد في مياه بعيدة عن سواحلها، ولديه خبرة في مكافحة القرصنة ودوريات الأمن في المنطقة. لذا، فإنّ التحدّي الذي يواجه لي ليس عملياً، بل سياسياً، ومتجذّراً في تاريخ كوريا المعقّد مع الولايات المتحدة.

لطالما انزعج الرئيس دونالد ترامب من عدم رغبة أيّ من حلفاء الولايات المتحدة في الانخراط في حربه ضد إيران. وفي الأسابيع الأخيرة، انتقد إدارة لي لعدم دعمها المباشر للحرب، في الوقت الذي أمر فيه بتقليص المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

لكن في الداخل، تُظهر استطلاعات الرأي أنّ غالبية الكوريين يعارضون إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، واستمرت الاحتجاجات أمام مقر الرئاسة. وقد فاقم هذا الأمر الانقسام السياسي داخل الجمعية الوطنية، حيث يدعو اليسار إلى التريّث، بينما يتهم اليمين لي بالتخلّي عن حليف حيوي وقوي.

ونتيجة لذلك، يواجه لي الآن قراراً صعباً بشأن نشر قواته. ومهما يكن، فقد أضعفت واشنطن علاقتها مع سيؤول بمجرد إجباره على اتخاذ هذا القرار.

لي هو سليل اليسار الكوري، الذي يعود نسبه إلى حركة الديمقراطية المناهضة للدكتاتورية العسكرية التي سادت البلاد خلال الحرب الباردة. تاريخياً، نادى اليسار بمزيد من الاستقلالية في علاقة كوريا مع الولايات المتحدة. أما الآن، فقد أدى تصاعد ضغط واشنطن على سيؤول لدعم الحرب مع إيران إلى إعادة فتح جراح قديمة تتعلق بحالات سابقة طلبت فيها الولايات المتحدة من كوريا تقديم دعم عسكري.

في احتجاج نُظّم مؤخراً في سيؤول، رفع عددٌ من المتظاهرين لافتاتٍ كُتب عليها: "تذكّروا أخطاء حرب فيتنام". فبين عامي 1964 و1973، أرسلت كوريا الجنوبية قواتٍ قتاليةً إلى فيتنام مقابل مئات الملايين من الدولارات من المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية. وقد أثارت هذه الخطوة اتهاماتٍ بأنّ الجنود الكوريين كانوا "مرتزقة"، بلطجيةً يرتدون الأحذية العسكرية، تابعين لـ"إمبراطوريةٍ فرعية" ينفّذون أوامر واشنطن.

برزت توترات مماثلة خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003. حينها، كما هو الحال الآن، أعادت الولايات المتحدة نشر قواتها العسكرية خارج كوريا من دون استشارة مسبقة، وضغطت، في الوقت نفسه، على البلاد لإرسال قواتها. أعلنت سيؤول، في البداية، أنها سترسل مسعفين ومهندسين فقط في مهمة غير قتالية، لكنّ روه مو هيون، رئيس كوريا الجنوبية آنذاك، والذي كان تقدّمياً مثل لي، رضخ في النهاية لضغوط إدارة بوش ونشر قوات قتالية.

اليوم، من المرجّح أن تُصنّف أيّ مهمة كورية في مضيق هرمز على أنها مهمة "غير قتالية". ولكن، كما أظهرت الحرب الإيرانية، في صراع يُخاض بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يمكن استهداف الجنود في مواقع الدعم، بل وسيتمّ استهدافهم بالفعل. قد لا يغزو مشاة البحرية الكورية جزيرة خارك، لكنهم سيظلون منتشرين في منطقة قتال تتضاءل فيها مخزونات الدفاع الجوي الأميركية. وحتى مع ضمانات تصنيف المهمة على أنها غير قتالية أو الدعم الدولي، ستظل حياة البحّارة الكوريين في خطر.

بالنسبة إلى المحافظين الكوريين المؤيّدين للمهمة، إن لم يكن للحرب على إيران نفسها، فإنّ الأمل معقود على أنّ إرسال السفن الحربية سيُرضي ترامب ويمنعه من سحب القوات العسكرية من شبه الجزيرة الكورية. وقد يروق هذا الانتشار أيضاً لأفراد مجتمع الأعمال الكوري. فقد استثمرت الشركات الكورية مبالغ طائلة في الأسواق الأميركية في السنوات الأخيرة، وقد يعتقد بعض رجال الأعمال أنّ استرضاء ترامب سيساعد في الحفاظ على فرصهم في الوصول إلى هذه الأسواق.

لكنّ محاولة تلبية نزوات ترامب تنطوي على مخاطر دبلوماسية. فقد أبدى الرئيس الأميركي رغبته في استئناف المفاوضات النووية مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وهو ما يعتقد أنه سيضمن له مكانة بارزة في التاريخ. وإذا ما مضت هذه المفاوضات قدماً، فمن المرجّح أن تتطلّب مزيداً من التنازلات العسكرية لكوريا الشمالية. وهذا يثير احتمال أن تُعرّض كوريا الجنوبية بحّارتها للخطر في سبيل حرب أميركية لا تحظى بشعبية كبيرة، لتُطالَب، في نهاية المطاف، بتقديم المزيد من التضحيات لأمنها الداخلي.

في مواجهة إدارة ترامب المتقلّبة والمتزايدة النزعة العسكرية، بدأ الرأي العامّ الكوري يدرك أهمية "الاعتماد على الذات". وقد أجّج الضغط الحالي من واشنطن مخاوف متأصّلة لدى جيل كامل من أنّ كوريا، رغم رأسمالها الثقافي والاقتصادي والسياسي، لا تزال تحت رحمة قوة أكبر أبقت قواتها على الأراضي الكورية منذ عام 1945. وفي الوقت نفسه، ثمّة قلق كوري عميق من أن تُعزل البلاد دولياً إذا اختارت عدم التدخّل.

من المرجّح أن تكون أيّ مهمة بحرية محدودة النطاق، وربما محدودة القدرة على تغيير مسار الحرب أو الوضع في مضيق هرمز. لكن، بالفعل، أدّت المداولات حول هذا الأمر، التي جرت في ظلّ ضغوط ترامب، إلى ترسيخ الشعور بأنّ كوريا بحاجة إلى تنويع خياراتها من الحلفاء والدعم بعيداً عن الولايات المتحدة. وقد ارتفعت أصوات اليمين المطالبة بامتلاك ترسانة نووية محلية. وبمرور الوقت، قد يؤدّي الشعور المتزايد بعدم موثوقية الولايات المتحدة إلى تنشيط الدعم الأكثر حذراً واعتدالاً للقدرات النووية بين اليسار أيضاً.

من بين جميع حلفاء الولايات المتحدة خلال العامين المضطربين الماضيين، كانت كوريا الجنوبية، إلى جانب اليابان، من أكثر الحلفاء موثوقية وتعاوناً، إذ أبدت استعدادها لزيادة مساهماتها المالية والعسكرية وتولي مسؤوليات القيادة الإقليمية. وسواء أرادت الولايات المتحدة تقليص وجودها بشكل مسؤول، أو سعت في نهاية المطاف إلى الحفاظ على مكانتها السابقة كقائدة عالمية، فإنها ستحتاج إلى كوريا إلى جانبها.

إذا نشرت سيؤول قواتها في مضيق هرمز، فمن المرجّح أن يزيد ذلك من حدّة المشاعر المعادية للولايات المتحدة بين الكوريين، والتي تصاعدت بالفعل بشكل حادّ خلال العام الماضي. بعبارة أخرى، قد تُهدر واشنطن تحالفاً قيّماً في سبيل حرب عبثية.

نقله إلى العربية: الميادين نت.