"فورين بوليسي": العالم ناقص واحد
قد يكون الخيار الوحيد أمام واشنطن هو الانضمام مجدداً إلى النظام الدولي ككيان أضعف بشروط أكثر تكافؤاً.
-
"فورين بوليسي" :العالم يتجه نحو نظام عالمي يعمل في غياب الولايات المتحدة أو في مواجهتها
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يحلّل التحوّل البنيوي في النظام الدولي في ظل ولاية دونالد ترامب الثانية، ويطرح أطروحة مفادها أنّ العالم لم يعد يتجه نحو "تعددية أقطاب" تقليدية، بل نحو نظام عالمي يعمل في غياب الولايات المتحدة أو في مواجهتها، وهو ما يسميه الكاتب "العالم ناقص قطب واحد".
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في ولايته الثانية، يشنُّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجوماً متواصلاً على ركائز النظام العالمي، منتهكاً القانون الدولي بضراوة، ومقوّضاً نظام التجارة العالمي عبر فرض تعريفات جمركية أحادية الجانب على عشرات الدول، فضلاً عن سحب الولايات المتحدة من هيئات متعددة الأطراف ذات أهمية استراتيجية. ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن يوماً نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي ـ إذ مالت نحو الانعزالية في طور صعودها، ثم نحو الأحادية حين تربّعت على عرش القوة العظمى ـ إلا أنّ نهج ترامب في إعادة تشكيل النظام العالمي يطرح مزيجاً جديداً وخطيراً من الانعزالية والتوسّع في آن واحد؛ فهو يحتقر التعدّدية ويُركّز على ممارسة القوة المفرطة، وهو نهج يشاطره إياه مؤيّدوه، ما يعني أنّ "الترامبية" كظاهرة سياسية مرشّحة للاستمرار حتى بعد رحيل الرئيس الذي بلغ الثمانين من عمره.
لطالما تنبأ المحللون وعلماء السياسة بنهاية حقبة الهيمنة الأحادية الأميركية وبزوغ نظام متعدد الأقطاب، وكثيراً ما يُنظر إلى ترامب بوصفه عاملاً مُسرّعاً لهذا التحوّل، لكنّ الواقع يُشير إلى أنه دفع نحو تشكّل حالة مغايرة تماماً. فبينما ستظل الولايات المتحدة القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر عالمياً لسنوات مديدة، إلا أنها ستكون غائبة عن النظام الدولي القائم، إن لم تكن معادية له فعلياً؛ وهذا يشي بأنّ التشكّل الراهن ليس "تعدّداً للأقطاب" بالمعنى التقليدي، بل هو "عالمٌ ناقص قطب واحد". والسؤال الجوهري هنا: كيف ينبغي للمجتمع الدولي الاستجابة؟ وكيف يمكن الحفاظ على التعاون العالمي في ظلّ ضغوط واشنطن؟ إنّ البقاء في ظل "نظام ترامب" والخروج منه أكثر قوة، يتطلّب من المؤسسات متعدّدة الأطراف أن تتكيّف وتُجري إصلاحات هيكلية وتضاعف جهودها؛ فإذا نجحت في ذلك، ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة يوماً ما للانضمام مجدداً، ولكن وفق شروط أكثر عدلاً.
لقد اكتسب مفهوم "العالم ناقص واحد" أبعاداً جديدة في ولاية ترامب الثانية. ومنذ مطلع العام الماضي، استخدمتُ مصطلحات مثل "العالم ناقص إكس"، و"العالم ناقص الولايات المتحدة"، و"العالم ناقص واحد" لتوصيف هذا النظام الناشئ. وقد ساهم رئيس الوزراء السنغافوري السابق، لي هسين لونغ، في تعزيز حضور هذا المفهوم في تموز/ يوليو الماضي، حين استخدم عبارة "العالم ناقص واحد مؤقتاً" للإشارة بدقة إلى إدارة الاقتصاد والتجارة العالميين بمعزل عن القيادة الأميركية. ومع ذلك، فإن هذا الوضع يتجاوز الشق الاقتصادي ليمس التحديات الجوهرية التي يواجهها عصرنا.
كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت، قد وصفت الولايات المتحدة بأنها "الدولة التي لا غنى عنها"، والتي لا يمكن للتعاون الدولي أن يتحقّق أو يستمر من دونها. وقد غذّى هذا الافتراض المخاوف من أنّ انسحاب واشنطن من التزاماتها الدولية سيجعل العالم أقل تعاوناً وأكثر عنفاً. بيد أنّ تاريخ العلاقات الدولية يروي قصة مختلفة؛ إذ يرى باحثون من أمثال ستيفن كراسنر وروبرت كوهان أنّ وجود قوة مهيمنة ليس شرطاً لازدهار الانفتاح الاقتصادي أو التعاون السياسي، فالمؤسسات الدولية بمجرّد مأسستها تكتسب زخماً ذاتياً للبقاء، فهي لم توجد بدافع الإيثار الجماعي، بل لأنها تخدم المصالح الحيوية لأعضائها. وطالما ظلت هذه المصالح قائمة، فإنّ التعاون سيستمر بالضرورة، ما يعني أنّ التعدّدية قادرة على الصمود حتى عندما تمتنع القوة المهيمنة عن التعاون، أو تنسحب، أو تناهض العمل الجماعي.
يؤكد تاريخ القرن المنصرم أنّ عدداً من اللبنات الأساسية للنظام الدولي المعاصر قد وُضعت دونما حاجة لدعم قوة مهيمنة؛ فعلى سبيل المثال، لم تتحوّل قيم "إنهاء الاستعمار" و"المساواة العرقية" إلى معايير عالمية بفضل دعم أميركي "لا غنى عنه"، بل تكرّست في مواجهة صريحة للمقاومة الأولية التي أبدتها واشنطن. ففي مؤتمر فرساي عام 1919، وقف الرئيس الأميركي وودرو ويلسون حجر عثرة أمام المساعي اليابانية لإدراج بند "المساواة العرقية" ضمن المبادئ التأسيسية لعصبة الأمم، مدفوعاً بقناعاته العنصرية الشخصية، وسعياً لاسترضاء القوى السياسية المحلية القلقة من الهجرة اليابانية، فضلاً عن مجاراة حلفائه الغربيين مثل أستراليا. ورغم ذلك التعنّت، واصل ما يُعرف اليوم بـ"الجنوب العالمي" تبنّي هذه القضية، وهو ما تجلّى بوضوح في مؤتمر "باندونغ" الآسيوي الأفريقي عام 1955 في إندونيسيا.
وإلى جانب المطالبة بالمساواة العرقية، نادى مؤتمر "باندونغ" بالإنهاء الفوري للاستعمار في آسيا وأفريقيا، وهو حراك اتسم فيه الموقف الأميركي بالفتور في أحسن أحواله. بل إنّ واشنطن، بتنسيق مع حليفتها بريطانيا، مارست ضغوطاً على الدول المشاركة لثنيها عن تبنّي تلك الدعوات، خشية أن يمهّد الاستقلال الطريق أمام تمدّد النفوذ الشيوعي. ومع ذلك، استمر نضال الشعوب من أجل تقرير المصير، مما أفرز في نهاية المطاف عالماً يضمّ 193 دولة ذات سيادة أعضاء في الأمم المتحدة كما نراه اليوم.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دأبت واشنطن على تقديم نفسها كفاعل يتسم بالنزعة الصدامية والمزاجية على الساحة الدولية؛ إذ أرست مؤسسات وقواعد لا تحترمها إلا بقدر ما تخدم مصالحها، وتتجاوزها متى تعارضت مع أهدافها. ورغم بقاء الولايات المتحدة طرفاً في العديد من المعاهدات متعددة الأطراف، إلا أنها تظل دائمة التوجس من أي تبعات قانونية لا تروق لها، لدرجة اللجوء في حالات قصوى إلى الترهيب والمقاطعة وفرض العقوبات على المؤسسات التي تعترض مسارها. وتبرز هنا ثلاثة أمثلة حديثة تجسد قدرة النظام الدولي على الاستمرار بمعزل عن واشنطن، أو حتى في مواجهة عدائها، وهي: "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار"، و"اتفاقية باريس للمناخ"، و"المحكمة الجنائية الدولية".
ورغم مشاركة واشنطن في صياغة مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار، إلا أنها رفضت التوقيع على الاتفاقية النهائية عام 1982. ومع ذلك، أثبتت هذه الاتفاقية فاعلية استثنائية في إرساء إطار قانوني عالمي مستقر ينظم المناطق البحرية وحقوق الملاحة، وعززت حركة التجارة الدولية ووفرت آليات سلمية لفض النزاعات. والمفارقة هنا أنّ هذه الاتفاقية خدمت المصالح الأميركية ذاتها؛ إذ لا تزال واشنطن تستند إلى أدواتها القانونية وقواعدها في مواجهة المطالبات الإقليمية الصينية الواسعة في بحر الصين الجنوبي، رغم كونها ليست عضواً رسمياً فيها.
بيد أنّ إحجام الولايات المتحدة عن الانضمام الرسمي للاتفاقية مَنَح الصين ذريعةً لاتهام واشنطن بالازدواجية والنفاق السياسي. ومع ذلك، فإنّ التزام واشنطن العملي بنصوص الاتفاقية -رغم رفضها الرسمي لها- يمثّل السيناريو الأمثل للعالم؛ حيث تظلّ المعايير الدولية محترمةً في الممارسة الميدانية. وحتى في الحالات التي تذهب فيها الولايات المتحدة إلى أبعد من ذلك، عبر الانسحاب الصريح من الاتفاقيات متعددة الأطراف أو انتهاكها، فإنّ التعاون الدولي يمتلك القدرة على الاستمرار. ولا ريب في أنّ انسحاب واشنطن من "اتفاقية باريس للمناخ" سيخلّف تداعيات سلبية، بعضها ذو طابع محلي يتمثّل في التراجع عن لوائح حماية البيئة وما يستتبعه من زيادة في انبعاثات الغازات الدفيئة، وبعضها دولي قد يُضعف التمويل المخصص لدعم الدول النامية التي تتبنّى معايير خفض الانبعاثات على حساب نموها الاقتصادي.
ورغم أنّ انحسار الدعم المالي الأميركي قد يُقوّض فاعلية اتفاقية باريس، إلا أنّ بقية القوى العالمية لا تزال متمسكةً بأهداف "الحياد الكربوني". فقد تعهّدت الصين، التي تُعدّ أكبر مصدر للانبعاثات اليوم، بتحقيق هذا الهدف بحلول عام 2060، كما التزم الاتحاد الأوروبي (رابع أكبر ملوّث عالمياً) واليابان بتحقيق الصفر انبعاثات بحلول عام 2050، بينما حددت الهند عام 2070 موعداً لذلك. وفي الواقع، ومهما كان الموقف الأميركي، فإنّ بقية الدول الموقّعة تظل ملزمةً بمراجعة أهدافها الوطنية لخفض الكربون وتجويدها دورياً كل خمس أو عشر سنوات. ومع استمرار انخفاض تكاليف تقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتسارع انتشارها، فمن المرجح أن تتجاوز هذه الدول مستهدفاتها المعلنة.
ولعلّ المثال الأكثر جلاءً على صمود المؤسسات الدولية هو "المحكمة الجنائية الدولية"؛ ففي عام 1998، صوّتت واشنطن ضدّ "نظام روما الأساسي" المنشئ للمحكمة، خشية تعرّض مواطنيها ودبلوماسييها وجنودها للمساءلة القانونية. والمثير للدهشة هو الموقف الأميركي العدائي الأخير تجاه المحكمة، رداً على توجيهها اتهامات لقادة إسرائيليين، حيث وصلت الضغوط إلى فرض عقوبات على قضاتها ومدّعيها العامّين. ورغم ذلك، استمر حلفاء واشنطن المقرّبون، بما في ذلك بريطانيا، في دعم استقلال المحكمة ورفضوا الانسياق وراء الموقف الأميركي. ونتيجةً لهذا الصمود الجماعي، تظل المحكمة الجنائية الدولية أداة ردع أساسية ضدّ سياسة الإفلات من العقاب، ومرجعاً قانونياً لملاحقة مرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية.
وإذا كان نهج الولايات المتحدة تجاه التعددية مشروطاً دائماً، فقد أصبح في عهد ترامب عدائياً بجلاء. بل إنّ ترامب رسّخ هذه العدائية في استراتيجيته للأمن القومي للعام الماضي، التي تدين "شبكة من المؤسسات الدولية، التي تسعى صراحةً إلى تقويض سيادة الدول". وتسعى الولايات المتحدة الآن إلى إقامة علاقات ثنائية، إقصائية، ونفعية تخدم مصالحها الذاتية، مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. ومنذ عام 2016، انسحب ترامب أو أعلن عن نيّته الانسحاب من العديد من الاتفاقيات والمؤسسات متعدّدة الأطراف. وتشمل هذه الاتفاقيات اتفاقية باريس، والاتفاق النووي الإيراني، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومعاهدة الاجواء المفتوحة، وغيرها. إضافةً إلى ذلك، أعلنت إدارة ترامب الثانية نيّتها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية والانسحاب مجدداً من اليونسكو.
وثمّة تخفيضات أخرى يعتزم ترامب تطبيقها على ميزانية الأمم المتحدة. أبرزها خفضه 800 مليون دولار من تمويل عمليات حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية، وهو ما يشمل أموالاً سبق أن خصصها الكونغرس. ورغم موافقة الإدارة على تقديم تمويل مُوجّه لبعض بعثات حفظ السلام التي تدعمها، مثل تلك الموجودة في هايتي ولبنان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إلا أن تخفيضاتها الأوسع نطاقاً دفعت الأمم المتحدة إلى تقليص قوات حفظ السلام العالمية بنسبة 25%. كما يمتنع ترامب عن دفع المساهمات الإلزامية لواشنطن، ما يُشير إلى أنّ إجمالي تخفيضاته لميزانية الأمم المتحدة سيتجاوز ملياري دولار. ونتيجةً لذلك، تُفكّر الأمم المتحدة الآن في خفض ميزانيتها بأكثر من 500 مليون دولار، وتسريح ما يقرب من 20% من موظفيها.
ومن المفارقات، أنّه بينما يطالب ترامب علناً بجائزة نوبل للسلام، فإنّه يقوّض جهود حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي على الرغم من عيوبها، كان لها دور فعّال في تخفيف حدّة النزاعات وإنقاذ الأرواح. لكنّ هذا الدمار ليس القصة كاملة. فبينما يرسّخ ترامب سمعة الولايات المتحدة كقائد غائب أو منشقّ عن العالم، ظلّ التعاون الدولي قائماً. ونشهد الآن قوى صاعدة تتصدّى لتعريفات ترامب وتهديداته، مستخدمةً في كثير من الأحيان منتديات متعدّدة الأطراف مثل مجموعة "البريكس"، ومجموعة العشرين، و"منظمة شنغهاي للتعاون"، و"رابطة دول جنوب شرق آسيا"، كآليات لتحقيق ذلك.
وقد تحدّت عدة دول من مجموعة "البريكس"، ولا سيما الأعضاء المؤسسين، ترامب علناً رغم الرسوم الجمركية المرتفعة. ففي البرازيل استمرت محاكمة الرئيس السابق جاير بولسونارو رغم ضغوط البيت الأبيض لتبرئته من جرائمه. وتوجّه رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا إلى البيت الأبيض ورفض علناً ادعاء ترامب بأنّ البيض في جنوب أفريقيا يتعرّضون للاضطهاد. واستغلت الصين هيمنتها على سلاسل إمداد المعادن الحيوية للتغلّب على ترامب في الحرب التجارية. أما الهند، فلا تملك موارد طبيعية مماثلة، لكنّ ترامب أثار هنا ردة فعل عنيفة في مجتمع السياسة الأميركي الذي شعر بالحيرة والغضب من أنّ البيت الأبيض قد نفّر شريكاً استراتيجياً رئيسياً ضد الصين، كما كانت الهند ركيزة أساسية في استراتيجية ترامب نفسه لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ خلال ولايته الأولى.
وفي بداية العام الماضي هدّد ترامب، بصفته الرئيس المنتخب، بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على أي دولة عضو في مجموعة "البريكس" لا تتخلى عن مساعيها لاستبدال الدولار الأميركي. وفي تموز/يوليو الماضي، خلال انعقاد قمة "البريكس" في ريو دي جانيرو، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على السلع المقبلة من أي دولة تتبنى ما وصفه بـ"سياسات البريكس المعادية لأميركا"، مؤكداً أنَّه "لن تكون هناك استثناءات". ورداً على ذلك خفّفت بعض دول "البريكس" مثل البرازيل، من خططها لإنشاء عملة موحّدة. إلا أنّ ضغوط ترامب قد تأتي بنتائج عكسية، وقد تعزّز رغبة هذه الدول في تطوير أنظمة دفع بديلة وتقليل اعتمادها على الدولار.
كذلك، شكّلت قمة "منظمة شنغهاي للتعاون" التي عُقدت في تيانجين بالصين في آب/أغسطس الماضي، منبراً لإظهار المقاومة المتعددة الأطراف لسياسات ترامب، حين التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وأعلنا أنّ نيودلهي وبكين شريكتان لا خصمان. لكنّ الأمر لا يقتصر على هذه القمة. فقد أتاحت مجموعة العشرين لدول مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا فرصةً لتعزيز دورها القيادي العالمي. ففي عام 2022، ساهمت قمة إندونيسيا في إدارة حالة عدم اليقين التي سادت التكتل من جراء الصراع الروسي الأوكراني. وفي عام 2023، ساهمت قمة الهند في ضمان انضمام الاتحاد الأفريقي إلى مجموعة العشرين، ما وسّع دور دول الجنوب العالمي. وقد شكّلت قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في جوهانسبرغ في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 علامةً فارقةً أخرى، إذ كانت أول قمة من نوعها تُعقد في أفريقيا، ورغم مقاطعة واشنطن لها، فقد ركّزت على قضايا مثل التنوّع والشمول والمساواة. ولم تحذُ أي دولة عضو أخرى حذو الولايات المتحدة في المقاطعة، ما زاد من تسليط الضوء على عزلة واشنطن على الصعيد العالمي.
إلى جانب التضامن الذي تجلّى في هذه المحافل العالمية، برز اتجاه نحو الإقليمية. وعلى مدى العقدين الماضيين، انتشرت عمليات حفظ السلام بقيادة أفريقية، حيث يقوم الاتحاد الأفريقي والمؤسسات دون الإقليمية، مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إضافة إلى تحالفات مؤقتة أصغر، بتنفيذ عشر عمليات في 17 دولة أفريقية. وقد حقّقت هذه العمليات نجاحاً ملحوظاً في احتواء النزاعات التي يغذّيها المتمرّدون في حوض تشاد وسيراليون والصومال. ورغم تفاوت نتائجها، فقد أظهرت هذه العمليات سمات فريدة، كاستجابات محلية وملائمة للسياق لانعدام الأمن، واستعداداً لتنفيذ نطاق أوسع من العمليات مقارنةً بالأمم المتحدة. والجدير بالذكر أنّ هذه المشاريع مموّلة بشكل كبير من الاتحاد الأوروبي، بينما يقتصر دور الولايات المتحدة على الحد الأدنى.
وإلى جانب كلّ هذه الهيئات، تظل الأمم المتحدة منصةً رئيسيةً للتعاون. وكثيراً ما تنتقد الولايات المتحدة الأمم المتحدة لتقصيرها في حماية حقوق الإنسان، أو تستخدمها كمنصة لتحقيق مكاسب سياسية ضد خصومها من الأنظمة الاستبدادية. إلا أنّها صمدت كمنصة تعاونت فيها الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية بفعّالية لتعزيز الإغاثة الإنسانية. وتجدر الإشارة إلى أنّ مساهمة الصين في المنظمة الدولية قد ازدادت بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، وبينما تساهم الولايات المتحدة بنسبة 22% من الميزانية العادية للمنظمة و26.2% من ميزانية حفظ السلام، أصبحت الصين الآن ثاني أكبر مساهم، وتساهم بـ 20% من الميزانية العادية و23.8% من ميزانية حفظ السلام. كما تُقدّم الصين أكبر عدد من قوات حفظ السلام بين الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ومع أنّه لا يزال التمويل الطوعي الصيني لوكالات الأمم المتحدة الإنسانية منخفضاً نسبياً، ولكن إذا أرادت بكين استغلال انسحاب الولايات المتحدة، فقد تنمو هذه المساهمة بسرعة..
وفي السنوات المقبلة، ستواصل القوى الصاعدة والمؤسسات متعددة الأطراف تطوّرها استجابةً لهجوم ترامب. ولكن هل بإمكانها مواجهة الوضع الراهن المتمثّل في غياب عنصر واحد من العالم، والحفاظ بنجاح على التعاون العالمي والتجارة الحرة. سيكون ردّ الصين بالغ الأهمية، ولا شك في أنّ بكين مسترشدة بمصالحها الذاتية، وتسعى إلى تعزيز نفوذها على حساب واشنطن. لكن إذا تصرّفت الصين بحكمة وضبط نفس، فسيؤدي ذلك إلى تعزيز التعاون العالمي بدلاً من السعي نحو عالم تهيمن عليه.
وقد تصبح منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تعتمد تقليدياً على الولايات المتحدة في أمنها، مركزاً لنظام عالمي جديد. وفي هذا السياق، تستحقّ اتفاقيتان تجاريتان اهتماماً خاصاً، وهي الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، واتفاقية التجارة الحرة بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا. وتبرز الاتفاقية الأولى التي تضمّ 15 دولة ودخلت حيّز التنفيذ عام 2022، كأكبر تكتل تجاري في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان. فهي تجمع الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول "الآسيان"، وتمثّل حالياً نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتهدف إلى إلغاء أكثر من 90% من الرسوم الجمركية داخل التكتل على مدى 20 عاماً، ووضع قواعد مشتركة في مجالات خلافية كالتجارة الإلكترونية والملكية الفكرية.
تُعزّز اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، التي دخلت حيّز التنفيذ عام 2010، ثم جرى تحديثها عام 2015، ومرة أخرى في العام الماضي، التعاون مع الصين في مجالات تشمل الاقتصاد الأخضر وترابط سلاسل التوريد. وقد وصفها بعض المراقبين بأنَّها مكسب استراتيجي واضح لبكين، في ظل ضغوط واشنطن على دول "آسيان" لفكّ ارتباطها بالصين والامتثال للتعريفات الأميركية العقابية المفروضة على الشحنات الصينية العابرة. إلا أنّ الحقيقة أكثر تعقيداً، حيث إنّ دول المجموعة لم تكن لتنحاز أبداً إلى واشنطن بشكل كامل. بل إنها تستخدم بالفعل اتفاقيات مثل اتفاقية التجارة الحرة مع الصين و "آسيان" لتعزيز مصالحها الخاصة ومعالجة مخاوفها بشأن النفوذ الصيني. وفي الواقع، إنّ ضغوط دول "آسيان" هي التي دفعت بكين إلى الحد من مكاسبها الاقتصادية، والانخراط مع هذه الدول على الصعيد متعدد الأطراف، والسعي إلى علاقة تُفضي إلى التجارة الحرة ونظام إقليمي منفتح وشامل.
ويُعتبر الاتحاد الأوروبي لاعباً رئيسياً آخر، وستكون استجابته لهذه اللحظة العالمية الحاسمة بالغة الأهمية. ففي عام 2021، أطلق الاتحاد خطة "البوابة العالمية" بقيمة 300 مليار دولار، والتي تجمع بين مشاريع البنية التحتية والطاقة وحماية المناخ لمواجهة النفوذ الصيني في أنحاء العالم. وفي أفريقيا، على سبيل المثال رعت "البوابة العالمية" خط أنابيب الهيدروجين "ممر الجنوب" الذي يربط شمال أفريقيا بأوروبا، إضافة إلى مشاريع لتعزيز الأمن الغذائي في شرق أفريقيا. كما يُحضّر الاتحاد الأوروبي حالياً اتفاقية تجارة حرة مع دول الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، لإزالة الرسوم الجمركية على معظم السلع، وتوسيع نطاق الاستثمار، وضمان الاستدامة.
من الناحية المثالية، يُمكن لأوروبا والصين أن تتعاونا في مناطق مثل أفريقيا وأميركا الجنوبية بطريقة تكاملية لا تنافسية. وفي أفريقيا على سبيل المثال، أبدت الصين استعدادها للتوافق مع مبادرات "البوابة العالمية" التابعة للاتحاد الأوروبي. والجدير بالذكر أنّ هذا الموقف لا ينبع من كرم أوروبي أو صيني، بل هو نتيجة لمطالبة قادة أفريقيا وأميركا الجنوبية به. كما تضطلع الهند بدور محوري في تحديد مدى فعالية استجابة العالم لغياب واشنطن. فبينما تتصدى بقوة لضغوط ترامب، تعمل نيودلهي على توسيع علاقاتها التجارية وترسيخها بسرعة. وتشمل هذه العلاقات مفاوضات لتعزيز اتفاقياتها التجارية القائمة مع رابطة "آسيان" واليابان، واتفاقية تجارية جديدة مع بريطانيا في العام الماضي.
كما وقّعت الهند اتفاقية تجارية في عام 2024 مع الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، التي تضم دولاً غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي أيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا. وكما هو الحال مع الصين، تُجري الهند جزءاً كبيراً من تجارتها مع روسيا بعملاتها الوطنية. وقد حافظت نيودلهي أيضاً على علاقات أمنية وثيقة مع روسيا، التي لا تزال تُزوّدها بنسبة 36% من وارداتها من الأسلحة. وحتى في حال تحسّنت العلاقات مع واشنطن لاحقاً، فإنّ التزام نيودلهي المستمر بالاستقلال الاستراتيجي سيُضعف هيمنة كلّ من الولايات المتحدة والصين، مما يضمن استدامة نظام عالمي قائم على غياب دولة واحدة. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الأمم المتحدة ستستغل الفرصة التي أتاحها ترامب لإجراء إصلاحات طال انتظارها. فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، قاطعت الولايات المتحدة مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات في فرنسا ومؤتمر تمويل التنمية الرابع في إسبانيا. ومع ذلك، حضر غالبية أعضاء الأمم المتحدة هذه الاجتماعات. ولم يمنع غياب واشنطن الدول من مواصلة أعمالها كالمعتاد، من خلال التوصّل إلى اتفاقيات لحماية الحياة البحرية، وتخفيف عبء الديون، وحشد الالتزامات المالية لمواجهة تغيّر المناخ.
ولتعزيز هذا النجاح، يتعيّن على الأمم المتحدة بذل المزيد من الجهود لتطوير نفسها. ويشمل ذلك خفض الميزانية للتركيز على المجالات ذات الأولوية، والحدّ من الازدواجية من خلال الاستغناء عن الوكالات التي لم تعد ضرورية للمهام الأساسية. وتمثّل الخطوة الأكثر جذرية والتي كان قد اقترحها رئيس الوزراء السويدي كارل بيلدت وهو المسؤول الأممي الرفيع السابق، بنقل مقر الأمم المتحدة خارج مدينة نيويورك، وهذا من شأنه خفض التكاليف، وتجنّب رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات دخول للمندوبين القادمين من دول تُعتبر معادية لواشنطن. ومن الأفضل أن تستجيب جميع الدول لتخفيضات ترامب بتقديم المزيد من الدعم، سواء في ميزانية الأمم المتحدة العادية أو خارجها، وحثّ الأمم المتحدة على حشد الموارد والخبرات من القطاع الخاص. وهذه التدابير كفيلة بضمان عدم انهيار المنظمة لأممية المتحدة نتيجة لعداء ترامب لها.
يبقى سؤال متى تنتهي لحظة "العالم ناقص واحد"، فهذا يعتمد على السياسة الداخلية الأميركية والضغوط الخارجية. فرغم رفض ترامب للتعددية والمساعدات الخارجية، فإنّ انسحاب الولايات المتحدة من العالم ليس تاماً ولا نهائياً. ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه "مركز بيو" للأبحاث في العام الماضي، يؤيد 47% من الأميركيين البالغين مشاركة الولايات المتحدة الفعّالة في الشؤون العالمية، ويعتقد 64% منهم أنّ على الولايات المتحدة التوصّل إلى حلول وسط مع الدول الأخرى بشأن القضايا الدولية الرئيسية، وتؤيد أغلبية الأميركيين تقديم مساعدات خارجية للدول النامية لتوفير الغذاء والدواء والملابس.
لكن، كيف ينبغي للعالم أن يستجيب إذا ما تخلّصت الولايات المتحدة نهائياً من الترامبية. قد يتوقّف الكثير من ذلك على كيفية تعامل الإدارة الجديدة مع إصلاح الضرر. على سبيل المثال، ما مدى سرعة عودة الولايات المتحدة إلى المؤسسات، وسداد المساهمات المفقودة أو المحتجزة، أو إعادة بناء العلاقات مع الحلفاء والشركاء من كندا إلى الهند. ومهما فعلت واشنطن ستختلف ردود الفعل. وقد يكون حلفاء "الناتو" حريصين على استعادة قوة الحلف السابقة بسبب التهديدات الروسية والإرهاب العابر للحدود. في المقابل، ستقاوم مجموعة "البريكس" أي محاولة أميركية لاستعادة دورها الاقتصادي السابق.
وقد يصف سيناريوهان عودة واشنطن إلى النظام العالمي على أفضل وجه هما، سيناريو "الابن الضال" والآخر "المارق الذي لا غنى عنه". وقد تُفضّل النخبة الليبرالية في واشنطن السيناريو الأول، حيث تُستقبل الولايات المتحدة، كابن ضالّ بأذرع مفتوحة. لكن هذا السيناريو مستبعد. وقد يغفر العالم، لكنه لن ينسى سنوات ترامب، فضلاً عن الأضرار السابقة التي ألحقتها الولايات المتحدة بالنظام القائم على القواعد. وبينما قد تكون الذاكرة العامّة قصيرة ومتقلّبة، فمن غير المرجّح أن تستعيد الولايات المتحدة ثقة حلفائها وشركائها السابقين، حتى داخل الغرب.
ويقودنا السيناريو الثاني، حيث لم تعد الولايات المتحدة قائدة العالم الحرّ، بل مجرّد دولة مارقة لا غنى عنها. سيظل العالم ينظر إلى القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأميركية باعتبارها بالغة الأهمية لإدارة العديد من التحديات العالمية، لكنه لن يرغب في أن تتولّى واشنطن زمام القيادة العالمية. وببساطة، لا عودة للهيمنة الجيوسياسية الأميركية أو الهيمنة الليبرالية بنسختها الثانية. سواء برئيس "جمهوري" ترامبي يواصل سياساته، أو ديمقراطي حسن النية يسعى إلى عكسها، فقد زعزع ترامب ثقة العالم بالولايات المتحدة وقلّل من اعتماده عليها.و لا أحد ينتظر رئيساً آخر مثل جو بايدن ليطمئن الحلفاء المهزوزين بأنّ أميركا قد عادت. وستكون النتيجة نظاماً عالمياً أكثر تعقيداً. وستجد واشنطن نفسها تعيش في نظام لا مركزي أوسع نطاقاً، بعيداً عن قوة الولايات المتحدة أو غاياتها، مقارنةً بالقوى العظمى والمتوسطة الأخرى المتشابكة في علاقات ومصالح اقتصادية وأمنية. باختصار، بحلول الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة مستعدة للعودة إلى التعددية، سيكون العالم قد تجاوز ذلك. وقد يكون الخيار الوحيد أمام واشنطن هو الانضمام مجدداً إلى النظام الدولي ككيان أضعف بشروط أكثر تكافؤاً.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.