"فورين بوليسي": الصين لا إيران.. هي كارثة ترامب الحقيقية في السياسة الخارجية

في غضون 19 شهراً، خسرت واشنطن موطئ قدم أمام بيجين على كل جبهة يمكن تصورها.

  • "فورين بوليسي": الصين لا إيران.. هي كارثة ترامب الحقيقية في السياسة الخارجية

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول ما يصفه بفشل سياسة إدارة دونالد ترامب تجاه الصين خلال ولايته الثانية، وكيف أسهمت قرارات واشنطن في تحسين موقع بيجين في المنافسة الاستراتيجية بين البلدين. ويرى الكاتب أن هذا التحول قد يكون، على المدى الطويل، أخطر من تداعيات الحرب مع إيران. 

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

عندما ينظر مؤرخو المستقبل إلى الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستبرز كارثة إيران، على الأرجح، بوصفها نقطة تحوّل حاسمة في رئاسته. فقد كشف الصراع حدود القوة الأميركية، وعزل الولايات المتحدة دولياً، وأضاف ضغوطاً تضخمية إلى الاقتصاد العالمي، ودفع نسب التأييد المحلي للرئيس إلى مستويات متدنية غير مسبوقة، قبيل انتخابات التجديد النصفي مباشرةً.

لكنّ المؤرخين قد يرون، في نهاية المطاف، أنّ تطوراً آخر كان أشدّ خطورة بكثير: فشل سياسة ترامب تجاه الصين. فخلال أول عام ونصف العام من عمر الإدارة، سمحت الولايات المتحدة لأقوى منافسيها الجيوسياسيين بأن يكسب أرضاً على كل جبهة تقريباً، بدءاً من الاقتصاد والتوازن العسكري، وصولاً إلى العلوم والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي.

وخلافاً لكثير من التعليقات، لا تبدي الصين اهتماماً كبيراً ببناء "نظام عالمي صيني" على غرار السلام الأميركي بعد الحرب، أو ما يُعرف بـ"باكس أميركانا" (Pax Americana). لكنها مصمّمة على تقييد القوة الأميركية، وإزاحة الولايات المتحدة من موقعها المهيمن في آسيا، والحدّ من نفوذها المالي، وإضعاف المؤسسات الدولية ذات التوجّه الغربي، والنيل من صدقية نظامها الديمقراطي. وبعبارة أخرى، تسعى بيجين إلى تسريع الاتجاه التاريخي الذي وصفه الرئيس شي جين بينغ بأنه صعود الشرق وتراجع الغرب. وفي أقل من عامين، فعلت إدارة ترامب الكثير لتقريب هذه النتيجة.

عندما يأتي شي إلى واشنطن في 24 أيلول/سبتمبر، ينبغي ألا تحجب المظاهر الاحتفالية للقمة الصورة الأوسع: المدى الذي تحوّل إليه ميزان القوى لمصلحة بيجين، والسرعة التي جرى بها هذا التحوّل. فقد صمدت الصين أمام الحرب التجارية، وضيّقت الفجوة التكنولوجية، وعزّزت نفوذها على سلاسل التوريد الحيوية، وزادت الضغط على تايوان، وعمّقت علاقاتها مع روسيا ومع قسم كبير من الجنوب العالمي. وبات موقعها في مواجهة الولايات المتحدة أفضل مما كان عليه عندما عاد ترامب إلى منصبه.

وإذا لم يُعترف بعد بأنّ الصين تمثّل أخطر إخفاقات ترامب في السياسة الخارجية، فمن المرجّح أن يعود ذلك إلى عاملين رئيسيين: افتقار الإدارة إلى أهداف محدّدة بوضوح يمكن قياس سجلّها على أساسها، وطبيعة الضرر المتراكم على المدى الطويل. فعلى خلاف إيران، لم يضع ترامب وإدارته قط ترتيباً ثابتاً للأهداف تجاه الصين. بل إنّ استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة عام 2025 لم تصنّف الصين بوصفها المنافس الجيوسياسي الأول للولايات المتحدة. وبدلاً من ذلك، صاغت التحدّي الصيني أساساً بمصطلحات اقتصادية، حتى فيما واصلت جهات أخرى داخل الإدارة النظر إلى بيجين بوصفها تهديداً عسكرياً وتكنولوجياً وأمنياً كبيراً. ويصعب أيضاً إدراك الضرر، لأنه لا يتكشّف في أزمة واحدة شديدة الوضوح، كما حدث مع إيران، بل لا تظهر كلفة فشل سياسة الصين إلا مع مرور الوقت.

باتت بعض إخفاقات السياسات الاقتصادية للبيت الأبيض تجاه الصين واضحة بالفعل: لم تُقلّص الإدارة العجز التجاري، ولم تخفّض بدرجة كبيرة مكامن الضعف الاقتصادية الأميركية، ولم تمنع بيجين من تضييق الفجوة في منافسة الذكاء الاصطناعي.

والدليل الأول هو العجز التجاري. فعلى الرغم من أنه كان منذ وقت طويل مصدر نفور ترامب الأكبر، لم يشهد ميزان المدفوعات تحسّناً يُذكر. وقد تزعم الإدارة أنّ "سياسة أميركا أولاً التجارية ناجحة"، وأنّ "الصين لم تعد الشريك التجاري الذي تسجّل الولايات المتحدة معه أكبر عجز تجاري". لكن، كما تُظهر دراسة حديثة لمعهد بيترسون، لم يكن الأثر الصافي للحرب التجارية سوى إعادة توجيه الصادرات الصينية عبر دول ثالثة، أبرزها فيتنام وتايوان والمكسيك. وبالمقارنة مع الكلفة الكبيرة التي فرضها تقلّب الرسوم الجمركية على المصنّعين والمستهلكين الأميركيين، كانت الحصيلة الصافية لسياسة ترامب الجمركية سلبية على الاقتصاد الأميركي.

ثانياً، وهو الأهم، أخفقت إدارة ترامب في تقليص اعتماد الاقتصاد الأميركي على سلاسل التوريد الصينية تقليصاً ذا مغزى. وينطبق ذلك على العناصر الأرضية النادرة والمغانط، وهي ما يُسمّى "نقاط الاختناق" التي أخفقت الإدارة، على نحو يتعذّر تفسيره، في توقّع أن تستخدمها بيجين وسيلة ضغط في مواجهة الرسوم الجمركية العقابية التي فرضتها واشنطن. وعلى نطاق أوسع، ينطبق الأمر أيضاً على مساحات شاسعة من المدخلات الصناعية الحيوية للتصنيع الأميركي. فعلى سبيل المثال، بعدما هدّد البيت الأبيض برفع الرسوم الجمركية، سُرعان ما تلقّى تذكيراً بأنّ إيرادات المزارعين الأميركيين كانت، إلى حدّ كبير، رهينة مشتريات الصين من فول الصويا والمنتجات الحيوانية. ونتيجةً لذلك، عندما ردّت بيجين، أُجبر ترامب على التوصّل إلى هدنة.

ولا تقلّ التداعيات الأوسع على الأمن الاقتصادي الأميركي أهمية. فمثلما اكتشفت إيران، عبر إغلاق مضيق هرمز، أنّ نفوذها على الولايات المتحدة كان أقوى مما كان يمكن أن تتخيّله قبل الحرب، أظهرت الصين أنها قادرة على الصمود أمام أكثر إجراءات الحرب التجارية الأميركية عدوانية، والعثور على سبل للالتفاف عليها، والردّ عليها. وقد أوضح اتفاق بوسان في تشرين الأول/أكتوبر 2025، عندما التقى ترامب وشي على هامش اجتماع منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، هذه النقطة بجلاء: تخلّى ترامب عن تهديده بفرض رسم جمركي إضافي بنسبة 100% على الواردات الصينية، مقابل هدنة هشّة بشأن العناصر الأرضية النادرة، وفول الصويا، والفنتانيل، وضوابط التصدير. وسجّل بقية العالم، كما ينبغي، حدود النفوذ الاقتصادي الأميركي في مواجهة الصين.

أما أكثر ما يسبّب ضرراً على المدى الطويل، فهو إخفاق الإدارة في الحفاظ على التفوق الكبير الذي كانت تتمتع به أميركا يوماً على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. لا تزال الولايات المتحدة في الصدارة، لكن الصين أحرزت تقدماً في الابتكار والتبنّي على حدّ سواء. وباتت نماذجها اللغوية الكبيرة تنافس النماذج الأميركية، وتتفوّق عليها في بعض الوظائف، بكلفة لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من كلفتها. وتمنح شعبية النماذج الصينية مفتوحة الأوزان، إلى جانب قوة الصين التصنيعية وتقدّمها في نشر الروبوتات الاصطناعية، بيجين مزايا كبيرة في نشر الذكاء الاصطناعي داخل البلاد وخارجها. كما أنها تحرز تقدماً ثابتاً في التغلّب على نقطة ضعفها الأساسية: محدودية القدرة الحاسوبية.

يواصل ترامب الزعم أنّ الولايات المتحدة "تتقدّم على الصين بفارق كبير" في الذكاء الاصطناعي. لكنّ هذا الفارق يتقلّص، وليس ذلك نتيجة السياسة الصينية والبراعة الصينية وحدهما. فقد تجاهلت الإدارة متطلبات استراتيجيتها الخاصة، وافتقرت إلى الاتساق في استخدام الأدوات التي ورثتها. ولم تحافظ على ضوابط عهد بايدن المفروضة على أشباه الموصلات المتقدمة، وتحركت ببطء شديد في مواجهة سبل التحايل المتوقعة. وأتاح ذلك للشركات الصينية تدريب نماذجها باستخدام رقائق محظورة حصلت عليها مباشرةً أو عبر دول ثالثة. ويمكن لضوابط التصدير أن تشتري الوقت، لكن فعاليتها تعتمد على توقّع كيفية تكيّف الخصم. وانشغلت الإدارة بإدراج الشركات على القوائم السوداء، إلا أنّ نهجها بقي فوضوياً وقائماً على ردّ الفعل، بينما عملت الصين بصورة منهجية على سدّ الفجوة، من خلال مزيج من البحوث الأساسية والتطبيقية، والابتكار في العمليات، والاستغلال الخفي للتقدّم والقدرات لدى شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية.

قد يعترض بعض المراقبين بأنّ المحصّلة الإجمالية لا تزال في مصلحة واشنطن: فالاقتصاد الأميركي يمضي قدماً بقوة، والأسواق عند مستويات قياسية، والشركات الأميركية تتمتع برأس مال أكبر من أي وقت مضى. وفي المقابل، تعاني الصين تبعات ديون قطاع العقارات، واتجاهات ديموغرافية معاكسة، وسيطرة سياسية خانقة. لكن هذه اللقطة الآنية تغفل الاتجاه طويل الأجل. ويُظهر التاريخ الاقتصادي أنّ القوة الوطنية لا تعتمد على الابتكار العلمي والتكنولوجي الخالص بقدر اعتمادها على القدرة على الهيمنة على الدورة الكاملة لتكنولوجيا جديدة متعددة الأغراض: الاكتشاف، والتسويق التجاري، والنشر على نطاق واسع. ووفق هذا المقياس، تبدو الصورة أقل ملاءمة بكثير للولايات المتحدة.

ففيما تهاجم واشنطن الجامعات، وتُنفّر المواهب عبر قواعد هجرة عقابية، وتُخضع التمويل العلمي للمراجعة السياسية، تتجه الصين إلى تخريج عدد من حاملي الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) كل عام يكاد يساوي ضعفي العدد الأميركي، وتقدّم طلبات براءات اختراع تفوق ما تقدّمه الولايات المتحدة، بالتوازي مع تضييق الفجوة في البراءات العالية الجودة، وتعمل بنشاط على استقطاب المواهب التي تصدّها أميركا. وفيما يفكّك البيت الأبيض دعم طاقة الرياح والمركبات الكهربائية وغيرها من صناعات الطاقة النظيفة، تعزّز الصين هيمنتها العالمية على البطاريات والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية. وفيما تنفّر واشنطن شركاءها التجاريين بالرسوم الجمركية والتهديدات وتعطيل ترتيبات تجارية راسخة منذ زمن طويل، توسّع الصين شبكتها الخاصة من الاتفاقات التجارية وصفقات الوصول إلى الأسواق، وتكسب أسواقاً في أنحاء العالم، وتسجّل فوائض قياسية تدفعها، على نحو متزايد، صادرات التكنولوجيا المتقدمة.

خسرت واشنطن أرضاً أيضاً على الجبهة العسكرية والأمنية. فقد تمثّلت المصلحة الاستراتيجية الأميركية الراسخة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في منع الصين من أن تصبح القوة المهيمنة في المنطقة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على العمل لموازنة الصين، عبر التعاون مع قوى إقليمية أخرى وردعها عن استخدام القوة ضد تايوان. وهذا يتطلّب، بدوره، وجود قوات أميركية كبيرة في المنطقة، ورسائل ذات صدقية بشأن تايوان، وتحالفات قوية وفاعلة.

وفي كل عنصر من هذه العناصر، ضعف الردع في عهد ترامب. وأكثر الجوانب وضوحاً هو تحويل مسار القوات. فمن خلال شنّ حرب على إيران، حوّلت إدارة ترامب موارد كبيرة بعيداً من منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وأدّى نقل حاملة الطائرات "يو أس أس جورج واشنطن" من اليابان إلى الشرق الأوسط إلى ترك غرب المحيط الهادئ من دون حاملة طائرات أميركية. كما استهلك الصراع كميات كبيرة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، وصواريخ "باتريوت" الاعتراضية، وصواريخ "ثاد" الاعتراضية، وصواريخ "توماهوك" نفسها، وهي أسلحة حيوية في أي صراع مع الصين.

ولم يكن أداء الرسائل السياسية أفضل حالاً. فمنذ أواخر عام 2025، أجرت بيجين أوسع مناوراتها حول تايوان وأقربها إلى الجزيرة، وأطلقت صواريخ في المياه المحيطة بها، وتدرّبت على عمليات الحصار، وحاكت ضربات ضد منظومات زوّدت الولايات المتحدة تايوان بها، وأجرت مسوحاً بحرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتايوان قبالة الساحل الشرقي للجزيرة. واحتجّت واشنطن على بعض هذه التحركات، وتعهدت مواصلة تقديم الدعم إلى تايوان. لكن تعامل ترامب مع حزمة أسلحة قيمتها 14 مليار دولار بوصفها "ورقة تفاوض" بعث إلى بيجين بإشارة مفادها أنه ينظر إلى أمن تايوان باعتباره أمراً يمكن مقايضته بتنازلات في ملفات أخرى من العلاقة.

وفي أنحاء المنطقة، يدفع ضعف الضمانات الأمنية الأميركية الدول إلى التحوّط في علاقاتها مع بيجين، بوصف ذلك شكلاً من أشكال الموازنة الاستراتيجية. وكوريا الجنوبية مثال واضح على ذلك. فقد أمر ترامب البنتاغون بأن "يقلّص بدرجة كبيرة" المناورات العسكرية السنوية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، عازياً ذلك إلى رفض سيؤول دعم حرب إيران، وإلى "علاقته الرائعة" مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي وصفه بأنه "غير مهدِّد ومحترم". أما الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، فأعلن من جهته أنه يسعى إلى "استعادة كاملة" للعلاقات مع الصين. كما سبّبت واشنطن، من دون داعٍ، توتراً في علاقتها مع الهند، التي عملت إدارات متعاقبة بصبر على تنميتها بوصفها ثقلاً إقليمياً موازناً رئيسياً للصين. ولا تزال بيجين ونيودلهي لا تثق إحداهما بالأخرى، لكنهما تتقاربان عملياً من خلال مجموعة "بريكس"، حول أنظمة تجارية ومالية بديلة محصّنة من التدخل الأميركي.

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، ولا تزال الصين بعيدة من مجاراة امتداده العالمي. لكن القوات الأميركية مطالبة بالوفاء بالتزامات في أنحاء العالم، بينما تركّز الصين على أهداف أضيق قرب سواحلها. وفي غرب المحيط الهادئ، ترك ترامب عدداً أقل من الأصول الأميركية المتاحة فوراً، وأوجد قدراً أكبر من عدم اليقين بشأن تايوان، وأضعف ثقة الحلفاء الرئيسيين. وتخدم هذه التغييرات كلها هدف بيجين الأوسع، المتمثّل في إقناع دول المنطقة بأنّ القوة الأميركية لا يمكن الاعتماد عليها، وأنّ مقاومة النفوذ الصيني باهظة الكلفة.

وتجادل الإدارة، من جهتها، بأنّ التخلص من الأعباء المالية والدبلوماسية، وإظهار الاستعداد لاستخدام القوة الصلبة، يفوقان كلفة تآكل ثقة الحلفاء. لكن، من منظور بيجين، يمثّل تدهور شبكة التحالفات الأميركية الكثيفة هدية غير متوقعة.

لطالما واجهت الصين صعوبة في منافسة الولايات المتحدة في القوة الناعمة، لأنّ سلطوية الحزب الشيوعي الصيني، وانتهاكاته لحقوق الإنسان، ودبلوماسية "الذئب المحارب"، تحدّ من جاذبيتها. وفي عهد ترامب، بدأت الفجوة تضيق، لا لأنّ الصين تجاوزت أوجه الضعف هذه، بل بسبب التدهور الحاد في صورة الولايات المتحدة في الخارج. فقد أضعفت سياسات ترامب ثلاث ركائز للقوة الناعمة الأميركية: قوّضت جاذبية القيم السياسية للبلاد، وأضرّت بسمعتها بوصفها شريكاً موثوقاً وسخياً، وأضعفت التصوّر الراسخ منذ وقت طويل بأنّ القوة الأميركية تعمل، عموماً، ضمن قواعد وقيود، بما في ذلك احترام الاتفاقات الرسمية.

وفي الداخل، أضرّت حملة ترامب المتشددة على الهجرة، وضغوطه على الجامعات ومنظمات المجتمع المدني ذات الميول اليسارية، وهجماته على الصحافة، بالمكانة العالمية للولايات المتحدة بوصفها نموذجاً للحرية السياسية. وفي استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث عام 2026 في 36 دولة، قال 39% فقط من المشاركين إنّ الحكومة الأميركية تحترم الحريات الشخصية لمواطنيها، بينما قال 56% إنها لا تفعل. وفي كل دولة تقريباً توفرت لدى "بيو" بيانات قابلة للمقارنة عنها منذ عام 2021، تراجعت بشدة التصورات المتعلقة باحترام أميركا للحريات الفردية.

كما أضعفت الثقافة السياسية لشعار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA) صورة الولايات المتحدة بوصفها مجتمعاً متعدد الثقافات، يستطيع فيه أشخاص من أعراق وديانات وأصول قومية مختلفة الانتماء والنجاح. ويقوّض خطاب ترامب القومي المناهض للمهاجرين، ومسعاه إلى تضييق حدود تعريف الهوية الأميركية، صدقية واشنطن عندما تدين التعصّب والقمع في الخارج. ويمنح ذلك الحكومات السلطوية، بما فيها الصين، مادة جاهزة لتصوير دعم الولايات المتحدة للديمقراطية وحقوق الإنسان على أنه نفاق. وسجّل "مؤشر القوة الناعمة العالمي" لعام 2026، الصادر عن "براند فاينانس"، الاتجاه نفسه: إذ سجّلت الولايات المتحدة أكبر تراجع بين جميع الدول الـ193 التي شملها التقييم.

كانت المساعدات الخارجية، ذات يوم، مصدراً مهماً آخر للنفوذ الأميركي ولحسن النية تجاه الولايات المتحدة. لكن التفكيك المفاجئ الذي أجرته إدارة ترامب للوكالة الأميركية للتنمية الدولية عطّل برامج التنمية والمساعدات الإنسانية حول العالم. وفي عام 2025، انخفضت المساعدات الأميركية بنسبة 57%. وباتت الولايات المتحدة تقدّم الآن مساعدات دولية أقل مما تقدّمه ألمانيا. وبصرف النظر عن الكلفة البشرية، يحمل هذا الانسحاب الفوضوي كلفة سياسية خاصة به: فهو يبلغ الدول بأنّ أميركا لم تعد تؤمن بأنّ التنمية الاقتصادية والصحة العامة والتعليم والحدّ من الفقر حول العالم تصبّ، في نهاية المطاف، في مصلحة الولايات المتحدة.

كما اعتمد ترامب، على نحو متزايد، على الإكراه العسكري، من دون اكتراث يُذكر بالقوانين والمعايير الدولية التي زعمت الولايات المتحدة تقليدياً أنها تتمسك بها. ففي كانون الثاني/يناير، ألقت الحكومة الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقلته جواً إلى نيويورك. وأوضح ترامب أنّ العملية لم تكن مدفوعة بسجل مادورو بوصفه مستبداً قاسياً بقدر ما كانت مدفوعة بموارد فنزويلا النفطية، وبالحصول على طاعة سياسية من قادة البلاد. وبعد ذلك، أبرمت واشنطن ترتيباً نفطياً تمتلك الحكومة الأميركية بموجبه حصة تبلغ 35% في شركة تسيطر على حقول فنزويلية رئيسية. وفي شباط/فبراير، شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" الحرب على إيران، من دون التشاور مع الحلفاء، أو حتى مراعاة شكلية لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. كما واصلت إدارة ترامب دعمها العسكري لـ"إسرائيل" من دون أي محاولة لمعالجة القلق الدولي المتصاعد بشأن الضحايا المدنيين والأزمة الإنسانية المدمّرة في غزة.

لم تصبح الصين في عهد شي أكثر ليبرالية في الداخل، ولا أكثر إحساناً على المستوى الدولي. لكن القوة الناعمة مفهوم مقارن؛ فكلما تدهورت صورة أميركا، كسبت الصين أرضاً تلقائياً. ويجد مركز "بيو" الآن أنّ النظرة إلى الصين أكثر إيجابية من النظرة إلى الولايات المتحدة في 25 من المواقع التي شملها الاستطلاع.

ولذلك بُعد دولي أكثر مباشرة أيضاً. فقد خفّضت إدارة ترامب التمويل والضغط الدبلوماسي والضغط المنسّق، التي كانت توفّر في السابق قدراً من كبح الحكومات السلطوية. وأدّت التخفيضات في المساعدات الخارجية وبرامج وزارة الخارجية الخاصة بالديمقراطية، فضلاً عن محاولات خفض تمويل "الصندوق الوطني للديمقراطية"، إلى انهيار حاد في دعم المجتمع المدني، ووسائل الإعلام المستقلة، ومراقبة الانتخابات، وآليات المساءلة متعددة الأطراف. ومع تراجع عدد هذه الآليات، حصلت بيجين على مساحة أوسع لصوغ المعايير الدولية بما يخدم مصالحها، وتوسيع نفوذها السياسي والإعلامي، وقمع منتقديها في ظل مقاومة منسّقة أقل.

وكان لوقف تمويل العمل المتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية في الصين، على وجه الخصوص، أثر في تقليص التدقيق في القمع الداخلي الذي تمارسه بيجين وفي توسّع نفوذها السلطوي في الخارج. واضطرت منظمات تُعنى بالصين، وترصد المعارضة وحقوق العمال والاضطهاد الديني، إلى تعليق مشروعات وتسريح موظفين، بينما عطّلت التخفيضات التي طالت "إذاعة آسيا الحرة" مصدراً نادراً للتقارير غير الخاضعة للرقابة باللغات الصينية المندرينية والتبتية والأويغورية. وقد أضعفت هذه التخفيضات، إلى جانب تعليق مبادرة صُمّمت لمكافحة التضليل الإعلامي الأجنبي في الولايات المتحدة، القدرة على مراقبة الرقابة والدعاية الصينيتين، فضلاً عن محاولات بيجين تفريغ منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من مضمونها.

ولأنّ النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب كان ينطوي على تفضيل للديمقراطية الليبرالية، عانت الأنظمة غير الديمقراطية، منذ وقت طويل، عجزاً في الشرعية داخل المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، ما حدّ من قدرتها على السعي إلى تحقيق أهداف سياستها الخارجية على قدم المساواة من حيث المعايير. ومن خلال إضعاف هذا القيد، منحت إدارة ترامب الصين حرية أكبر لإعادة تشكيل النظام الدولي بطرق أكثر ملاءمة للدول السلطوية، بما يضرّ، على المدى الطويل، بالديمقراطية في العالم وبالولايات المتحدة نفسها.

ترامب وشي ينظران إلى أطفال يلوّحون بالأعلام الصينية والأميركية، خلال اجتماعهما في بيجين في 14 أيار/مايو. بريندان سميالوفسكي/وكالة الصحافة الفرنسية عبر غيتي إيمدجز.

وعند جمع كل ذلك، يلفت النظر مدى كون انتكاسات واشنطن من صنع يدها. فعلى الرغم من أنّ الصين أقوى منافس جيوسياسي للولايات المتحدة، وواحدة من الموضوعات القليلة جداً التي تحظى بتأييد الحزبين، فقد أُهملت فعلياً بوصفها أولوية استراتيجية. وكانت معظم قرارات الإدارة غير متّسقة وقائمة على ردّ الفعل. كما كشف ترامب مدى هشاشة الاقتصاد الأميركي أمام تحركات الصين، ما ضيّق خيارات السياسات المتاحة للإدارات المقبلة.

وما يزيد من إثارة الدهشة أنّ الولايات المتحدة سمحت للصين بكسب كل هذا القدر من الأرض خلال فترة زمنية قصيرة كهذه، على الرغم من محدودية مهارة بيجين نسبياً في استغلال حالة الاضطراب في واشنطن. وكما جادل ديفيد شامبو وستيفن إف. جاكسون، فإنّ الصين "تهدر فرصة ذهبية" أوجدتها أخطاء ترامب. وبسبب تهديدات بيجين لتايوان ومطالباتها البحرية، تردّ دول كثيرة على عدم موثوقية الولايات المتحدة بالتحوّط من القوتين العظميين كلتيهما، بدلاً من الانجذاب نحو الصين. وفي غضون ذلك، توقّفت الإصلاحات الاقتصادية في بيجين، بينما تثير آلتها التصديرية الهائلة ردّ فعل مضاداً، حتى لدى دول نفّرتها واشنطن.

لكن الصين لا تحتاج إلى أن تحظى باحتضان العالم كي تستفيد من تراجع أميركا. فنظام شي معني، في المقام الأول، بأمنه الخاص، وبتهيئة بيئة دولية مواتية لاستمرار صعود الصين. ووفق كلا المقياسين، هو في وضع أفضل الآن مما كان عليه قبل 19 شهراً، إذ بات يمتلك أسواقاً أكثر، وأوراق ضغط أكبر، ومساحة أوسع للضغط على تايوان. وربما يكون أعظم إرث لترامب هو تأكيد اعتقاد شي بأنّ الوقت في صفّ الصين.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.