"فورين أفيرز": أميركا تخسر العالم العربي.. كيف أطاحت حروب غزة وإيران بهيبة واشنطن؟

يوثق المقال المنشور في "فورين أفيرز" تراجعاً حاداً في شعبية الولايات المتحدة والغرب في "الشرق الأوسط"، مقابل صعود نفوذ الصين وروسيا وإيران، وذلك نتيجة الغضب الشعبي من الموقف تجاه غزة وازدواجية المعايير الدولية.

  • في مخيم مؤقت للنازحين في بيروت، لبنان، آذار/ مارس 2026 (رغد واكد / رويترز)

نشرت مجلة "فورين أفيرز" تحليلاً معمقاً للأكاديميين أماني جمال ومايكل روبنز، قبل إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، استعرضا فيه كيف أدت الإبادة في غزة والعدوان على إيران إلى انهيار غير مسبوق في الثقة الشعبية بالولايات المتحدة. المقال يكشف بالأرقام والوقائع كيف بدأت الشعوب العربية تدير ظهرها للغرب، وتتجه نحو بدائل دولية أخرى، في تحول قد يعيد رسم الخارطة السياسية للمنطقة لعقود قادمة.

في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

من الناحية العملية، تأثر سكان منطقة الشرق الأوسط بسلسلة الأحداث التي أعقبت هجوم حماس على "إسرائيل" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فقد قُتل عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من سكان غزة، ونزح الملايين، وتكبّد الاقتصاد خسائر تُقدّر بمليارات الدولارات. لذا، ليس مستغرباً أن تتغير وجهة نظر عشرات الملايين من الناس.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه "الباروميتر العربي" (Arab Barometer)، وهو عبارة عن مشروع مسح نشارك في قيادته مع جهات أخرى، خلال الأشهر التي تلت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، تحولاً جذرياً في الرأي العام. فمع متابعة المواطنين العاديين في المنطقة للحرب المدمّرة التي شنتها "إسرائيل" على غزة، اتجهت مواقفهم بشكل حاد ضد هذه الأخيرة وحليفتها الكبرى، الولايات المتحدة.

كما تُظهر الاستطلاعات التي أجريناها في كل من مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا وتونس، خلال الفترة من آب/أغسطس إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2025 - بعد حرب الأيام الـ12 في حزيران/يونيو الماضي ولكن قبل الجولة الأخيرة من القتال مع إيران - أن التحولات التي لوحظت عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر قد ترسّخت واستمرّت. وقد فقد الناس في المنطقة إلى حدّ كبير ثقتهم في النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وبدلاً من ذلك، باتوا ينظرون اليوم عموماً إلى الصين وإيران وروسيا نظرة إيجابية أكثر من الولايات المتحدة، وفي كثير من الأحيان، من أوروبا.

وبات يُنظر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى واشنطن والكثير من حلفائها الرئيسيين على أنهم منحازون، ومتورطون أخلاقياً، وملتزمون بالقانون الدولي بشكل انتقائي. وعند سؤالهم عن الدولة التي تحمي الحريات، وتُسهم في أمن المنطقة، وتدعم القضية الفلسطينية، اختار المشاركون الصين وإيران وروسيا أكثر من اختيارهم الولايات المتحدة أو بعض شركائها.

ولا يعني ذلك أن الرأي العام العربي يدعم بشكل موحّد سياسات بكين أو طهران أو موسكو. فالرأي العام العربي، على سبيل المثال، لا يزال ينظر إلى النفوذ الإقليمي لإيران وبرنامجها النووي بوصفهما مصدر تهديد. وبالتالي، فإن مركز الثقة السياسية في المنطقة لا يتغير لأن الصين أو إيران أو روسيا قدّمت نموذجاً جذاباً على نحو شامل، بل لأن مكانة الولايات المتحدة - وإلى حدّ ما أوروبا - شهدت تراجعاً حاداً.

ومن غير المرجّح أن تسهم الحرب مع إيران في تحسين هذه التصوّرات. فالصراع، في نهاية المطاف، أشعلته الولايات المتحدة و"إسرائيل". وفي إطاره، جدّدت "إسرائيل" هجماتها في لبنان، في حين تعرّضت دول الخليج لوابلٍ من الصواريخ والطائرات المسيّرة. ومنذ اندلاع الحرب، لم يتم إحراز أيّ تقدّم في ملف إعادة إعمار غزة. بل على العكس، قد يكون الرأي العام العربي اليوم أكثر غضباً تجاه الولايات المتحدة مقارنة بما كان عليه عندما أجرينا استطلاعاتنا في خريف عام 2025.

وفي حال استمرت واشنطن والعواصم الأوروبية في فقدان تأييد شعوب المنطقة، فقد تنعكس هذه التحوّلات أيضاً على علاقاتها مع حكومات المنطقة. وعلى الرغم من أن معظم القادة العرب يتّسمون بالنزعة السلطوية، إلا أنهم ما زالوا قلقين من احتمال اندلاع احتجاجات جماهيرية؛ وبالتالي، هم يخضعون لضغوط الرأي العام. وبالنسبة لهم، بات التعاون العلني مع الولايات المتحدة ينطوي على مخاطر متزايدة. لذلك، إذا أرادت واشنطن الحفاظ على شركائها العرب، فعليها السعي إلى إنهاء الحرب مع إيران والعمل على التوصل إلى حل عادل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وإلا، فإن الولايات المتحدة تخاطر بخسارة العالم العربي بشكل دائم لصالح خصومها.

سمعة سيئة

لقد شهدت سمعة الولايات المتحدة تراجعاً ملحوظاً مع اندلاع الحرب في غزة، ولم تشهد تحسناً يُذكر منذ ذلك الحين. بل على العكس، أصبحت واشنطن أقل شعبية مما كانت عليه منذ سنوات. ففي معظم الدول التي شملها الاستطلاع، لا ينظر سوى عدد محدود من الناس بإيجابية إلى السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث بلغت النسبة 24% في العراق، و21% في لبنان، و14% فيما بلغت نسبة المشاركين الذين اختاروا إيران، و12% في الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة.

أما في المغرب وسوريا فحسب، فقد أبدى عدد ملحوظ من المشاركين في الاستطلاع - 63% و61% على التوالي - تأييدهم لما يقوم به ترامب في المنطقة، ويُرجّح أن ذلك يعود إلى اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية (وهي منطقة متنازع عليها)، بالإضافة إلى دعمه للحكومة السورية الجديدة التي وصلت إلى السلطة عبر الإطاحة بنظام الأسد.

ولا شك أن ترامب ساهم في إنهاء الحرب في غزة من خلال التفاوض على وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر. إلا أن إدارته لا تحظى بشعبية تُذكر مقارنةً بإدارة سلفه، جو بايدن. واليوم، وفي ظل قيادة ترامب، يتعرض معظم الشرق الأوسط للهجوم. لذا، ليس مستغرباً أن يرى 66% من المشاركين في الاستطلاع في مصر، و59% في الأردن، و53% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و51% في العراق وتونس، و47% في لبنان أن سياسات ترامب الخارجية تجاه المنطقة العربية أسوأ من سياسات بايدن - مع العلم أن إدارته لم تحظَ بشعبية كبيرة في استطلاعات الرأي. ومرة أخرى، لا يُمثل هذا الرأي الأغلبية في المغرب (27%) وسوريا (7%).

في موازاة ذلك، حصل الاتحاد الأوروبي على تقييمات أفضل إلى حدّ ما مقارنة بالولايات المتحدة، بحيث تراوحت نسبة التأييد بين 70% في سوريا والمغرب و34% في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ومصر. إلا أن سمعة الدول الأوروبية تختلف، وتتأثر بشكل كبير بموقفها من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. فإسبانيا وإيرلندا، على سبيل المثال، تحظيان بسمعة أفضل لدعمهما للفلسطينيين، في حين تحظى ألمانيا بشعبية أقل، ربما بسبب تاريخها في دعم "إسرائيل".

في المقابل، بلغت شعبية الصين في عام 2025 مستويات أعلى بكثير، بحيث تراوحت بين 37% في سوريا و69% في تونس. وعلى الرغم من أن روسيا أقل شعبية من الصين، إلا أنها لا تزال تتفوق على الولايات المتحدة وحلفائها في مصر والعراق والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة وتونس. أما شعبية إيران فهي أقل وأكثر تفاوتًا. إذ بلغت أعلى مستوياتها في تونس بنسبة 55%، وأدناها في سوريا بنسبة 5%، بسبب دعمها للنظام السابق لفترة طويلة. لكن بشكل عام، تشهد إيران تحسناً ملحوظاً. ففي السنوات الـ5 الماضية، ارتفع مستوى تأييدها في العراق بمقدار 20 نقطة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة بمقدار 12 نقطة. وقد تجاوزت شعبيتها شعبية الولايات المتحدة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع.

كما شهدت شعبية قادة الصين وإيران وروسيا ارتفاعاً ملحوظاً في العالم العربي. فقد زاد تأييد سياسة الرئيس الصيني شي جين بينغ تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمقدار 26 نقطة في تونس، و25 نقطة في الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، و19 نقطة في المغرب، و5 نقاط في العراق خلال السنوات الـ5 الماضية. وتبلغ نسبة تأييده في هذه الدول حالياً 61%، و51%، و43%، و58%، و53% على التوالي. وعلى الرغم من غزوه أوكرانيا، ارتفع تأييد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المغرب بمقدار 33 نقطة، وفي الأردن بمقدار 20 نقطة، وفي تونس بمقدار 17 نقطة، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة بمقدار 14 نقطة. ويؤيده أكثر من 40% من سكان تونس والعراق. كما أن أغلبية ساحقة من المغاربة - 57% - لديهم آراء إيجابية تجاهه.

 عدوّ عدوّي صديقي

ولعلّ أبرز النتائج هو الارتفاع الملحوظ في تأييد السياسات الخارجية لقائد الثورة والجمهورية الإسلامية السابق السيد علي الخامنئي، الذي اغتيل في غارات أميركية-إسرائيلية في شباط/فبراير. فعلى مدى سنوات، موّلت طهران فصائلَ في غزة والعراق ولبنان واليمن، وأثارت قلق المنطقة ببرنامجها النووي. ونتيجةً لذلك، كان نهجها الدولي يحظى عادةً بشعبية متدنية في استطلاعات الرأي. لكن في الآونة الأخيرة، تحوّلت النظرة إلى السيد الخامنئي من سلبية إلى نظرة متباينة في عدد كبير من الدول.

إذ بلغت نسبة من ينظرون سلباً إلى سياسة السيد الخامنئي الخارجية 87% في سوريا، و63% في لبنان، و60% في الأردن، و56% في المغرب، و47% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و45% في العراق، و31% في تونس. في المقابل، بلغت نسبة من يرون سياسته الخارجية إيجابية 49% في تونس، و48% في العراق، و36% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و35% في المغرب، و29% في لبنان، و19% في الأردن، و3% في سوريا. علاوة على ذلك، ارتفعت مكانة السيد الخامنئي الشخصية بشكل ملحوظ خلال السنوات الـ5 الماضية. ومن خلال مقارنة استطلاعات الرأي التي أُجريت في الفترة 2021-2022 بتلك التي أُجريت في عام 2025، نجد أن نسبة تأييده قد ارتفعت بمقدار 29 نقطة في تونس، و20 نقطة في العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة، و12 نقطة في المغرب، و11 نقطة في الأردن، و5 نقاط في لبنان. ولم تُسجَّل أي حالة تراجع في الدول التي تتوفر فيها بيانات عن اتجاهات التأييد.

ولكن هذا لا يعني أن شعوب العالم العربي غافلة عن التحديات التي تمثلها إيران. إلا أن أغلبيات في كل من مصر والعراق والأردن ولبنان وسوريا ترى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية يشكّل تهديداً خطيراً لأمنها القومي. ومن هذا المنطلق، فإن إيران تُبرر موقفها، إلى حد كبير، بمعارضتها لـ"إسرائيل" والتزامها بدعم القضية الفلسطينية.

في المقابل، تحظى الولايات المتحدة بنظرة سلبية بسبب دورها في هذا الصراع. إذ ترى الغالبية الساحقة من الرأي العام العربي أنها تنحاز إلى "إسرائيل" على حساب الفلسطينيين، بما في ذلك 86% من المشاركين في الاستطلاع في مصر والأردن، و84% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و78% في لبنان، و71% في سوريا، و69% في تونس، و58% في العراق. أما الاتحاد الأوروبي، فلا يُنظر إليه على أنه داعم لـ"إسرائيل" بنفس الدرجة، إلا أن غالبية العرب ما زالت تعتقد أنه يُناصرها. ومع ذلك، تتباين الآراء العربية تجاه الدول الأوروبية بشكل فردي. فعلى سبيل المثال، يُنظر إلى ألمانيا على أنها أكثر التزاماً بالدفاع عن "إسرائيل" مقارنة بالفلسطينيين، وبفوارق كبيرة في كلّ من الأردن (35% مقابل 16%)، ولبنان (45% مقابل 12%)، والأراضي الفلسطينية (43% مقابل 11%)، وسوريا (36% مقابل 17%).

في غضون ذلك، يرى الرأي العام العربي عموماً أن إسبانيا أقل انحيازاً. ففي المغرب والعراق، كانت النسب متقاربة تقريباً بين من يرون أن إسبانيا أكثر التزاماً بالدفاع عن الفلسطينيين (27%) ومن يرون أنها أكثر التزاماً بالدفاع عن "إسرائيل" (29%). أما في سوريا، فقد بلغت النسبة 21% مقابل 24%. غير أن شعوباً أخرى ترى أن إسبانيا تميل بدرجة أكبر إلى دعم الفلسطينيين مقارنة بـ"إسرائيل"، بحيث بلغت النسب 31% مقابل 20% في الأردن، و39% مقابل 17% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و34% مقابل 16% في لبنان، و27% مقابل 15% في مصر، و42% مقابل 12% في تونس.

ويعتقد الكثيرون في العالم العربي أنّ الأمم المتحدة منحازة لصالح "إسرائيل". ويرى 11% من المشاركين في الاستطلاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومصر، و14% في تونس والأردن، و17% في سوريا، و20% في العراق والمغرب، و25% في لبنان، أن الأمم المتحدة أكثر التزاماً بالدفاع عن الفلسطينيين مقارنة بـ"إسرائيل". في المقابل، يرى ما بين 40% و50% من المشاركين في الاستطلاع في مختلف أنحاء المنطقة أن الأمم المتحدة أكثر التزاماً بالدفاع عن "إسرائيل". والرسالة واضحة: بالنسبة للكثير من المواطنين العرب، لم تعد المشكلة تقتصر على ازدواجية المعايير الأميركية فحسب، بل تتعداها إلى إفلاس المنظومة الدولية القانونية والإنسانية بأكملها.

 شريحة استطلاع الرأي

ليس مفاجئاً أن تكون "إسرائيل" الأقل شعبية بين الرأي العام العربي. ففي جميع الدول التي شملها الاستطلاع، لا تتجاوز نسبة من لديهم نظرة إيجابية - إلى حدٍّ ما أو بدرجة كبيرة - تجاه "إسرائيل" 5%، باستثناء المغرب حيث تبلغ هذه النسبة 13%. ولا عجب، إذاً، أن يشكك الرأي العام العربي في أي طرف تحالف مع "إسرائيل" في حربها على غزة، والتي يروها حرباً خارجة عن القانون وتدميرية.

ولا تتسم مواقف الرأي العام العربي تجاه "إسرائيل" بالجمود. فعلى سبيل المثال، عند النظر إلى المواقف تجاه إقامة علاقات رسمية معها، نجد أنه في الوقت الراهن لا تتجاوز نسبة المؤيدين لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" ربع السكان في أي دولة من دول المنطقة. ففي مصر والأردن، على سبيل المثال، لا تتجاوز هذه النسبة 4%. لكن عند طرح سيناريو مشروط، أي دعم التطبيع في حال اعتراف "إسرائيل" بدولة فلسطينية، ترتفع نسبة التأييد بشكل ملحوظ: بزيادة قدرها 27 نقطة في سوريا، و26 نقطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و23 نقطة في الأردن، و19 نقطة في العراق، و18 نقطة في المغرب، و17 نقطة في لبنان. وفي الوقت نفسه، يحظى المقترح العربي لإعادة إعمار غزة، الذي طُرح لأول مرة في آذار/ مارس 2025، بتأييد ساحق.

غير أن سلوك "إسرائيل" في ظل حكومتها الحالية يجعل من هذا التحوّل الإيجابي أمراً مستبعداً. ففي الدول التي شملها الاستطلاع، ترى أغلبية المشاركين في الاستطلاع في جميع البلدان (باستثناء المغرب) أن حلّ الدولتين هو السبيل الأفضل لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بما في ذلك 67% في الأردن، و64% في كلٍّ من مصر وسوريا، و60% في العراق، و59% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و51% في لبنان. ومع ذلك، قضت "إسرائيل" عملياً خلال السنوات القليلة الماضية على فرص نجاح حلّ الدولتين، إذ سمحت بتوسّع المستوطنات في الضفة الغربية إلى درجة جعلت الأراضي منفصلة جغرافياً تقريباً. وبالتالي، يعكس الغضب العربي من واشنطن وحلفائها دعوةً لأصدقاء "إسرائيل" لمحاسبتها على تجاوزاتها، وتعبيراً عن إحباط عميق إزاء تقاعسهم عن القيام بذلك.

غير أن النظرة السلبية إلى الولايات المتحدة لا تقتصر على موقف واشنطن من القضية الفلسطينية فحسب. ولعلّ أبرز ما يُدين الولايات المتحدة هو فقدانها لشرعيتها على الساحة الدولية. فعند سؤال المشاركين في الاستطلاع عن الدول التي تلتزم بتطبيق القانون الدولي بدرجة كبيرة أو متوسطة، كان اختيارهم يميل بدرجة أكبر إلى الصين مقارنة بالولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، في مصر - وهي إحدى أبرز حلفاء واشنطن من خارج حلف "الناتو" - يرى 25% فقط من المشاركين أن الولايات المتحدة تلتزم بالقانون الدولي، مقابل 58% يرون ذلك بالنسبة للصين. ومن بين الدول التي شملها الاستطلاع، لم تتفوق الولايات المتحدة إلا في المغرب.

وقد يُعزى ذلك جزئياً إلى المواقف المرتبطة بالقضية الفلسطينية، إذ ترى نسب معتبرة من الرأي العام العربي - تتراوح بين 26% في المغرب و44% في لبنان - أن الصين أكثر التزاماً بالدفاع عن الفلسطينيين مقارنة بـ"إسرائيل" (باستثناء سوريا، حيث تبلغ النسبة 15%). غير أن هذه الأرقام لا تُعد ساحقة. بل يبدو أن تخلّي الولايات المتحدة عن النظام الدولي القائم على القواعد قد بدأ يترك تأثيراً واضحاً على الرأي العام العربي، كما بات يؤثر أيضاً على شركائها. ففي معظم الدول العربية، يرى المشاركون في الاستطلاع أن الاتحاد الأوروبي أقل التزاماً بتطبيق القانون الدولي مقارنة بالصين، وأنه يقف تقريباً على قدم المساواة مع روسيا في هذا الجانب.

ولا يرى المواطنون في الدول العربية بالضرورة أن الصين قوة ليبرالية، لكنهم يروها في موقع أخلاقي أفضل. فعند سؤالهم عمّا إذا كانت السياسات الأميركية أم الصينية أفضل في حماية الحريات والحقوق، اختار عدد قليل من المشاركين السياسات الأميركية: 7% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و13% في مصر، و15% في تونس، و17% في لبنان، و19% في الأردن، و25% في العراق، و29% في المغرب. في المقابل، كانت نسبة الذين اختاروا السياسات الصينية أعلى بكثير، بحيث تراوحت بين 28% في لبنان و43% في تونس. أما بقية المستطلعين، فقد رأوا أن السياسات الأميركية والصينية متساوية في الجودة، أو متساوية في السوء، أو أنهم لا يعرفون أيّ السياسات أفضل.

بالإضافة إلى ذلك، تتفوق الصين في ما يتعلق بقضايا الأمن. فعند سؤال المشاركين في الاستطلاع عمّا إذا كانت الولايات المتحدة أم الصين تمتلك السياسة الأفضل للحفاظ على الأمن الإقليمي، لم يختر الولايات المتحدة سوى 6% من المستطلعين في مصر والأراضي الفلسطينية المحتلة، و9% في الأردن، و13% في تونس، و19% في لبنان، و22% في العراق، و23% في المغرب. في المقابل، اختار عدد أكبر بكثير الصين: 46% في تونس، و43% في الأردن، و40% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و38% في العراق، و36% في كلٍّ من مصر والمغرب، و26% في لبنان. أما بقية المستطلعين، فلم تكن لديهم آراء محددة، أو اعتبروا أن السياسات الأميركية والصينية متساوية في الجودة أو السوء. وفي ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تحديداً، يبدو النمط أكثر وضوحاً؛ إذ لا يفضّل السياسات الأميركية سوى 3% من المستطلعين في مصر، و9% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و10% في كلٍّ من الأردن وتونس، و12% في لبنان، و20% في العراق والمغرب.

 هل يمكن قلب المعادلة؟

يُشير أحدث بيانات "الباروميتر العربي" بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تخسران تعاطف الشعوب وثقتها فحسب، بل تفقدان أيضاً الانطباع بأنهما تحميان حقوق الإنسان. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، ازداد اقتناع معظم الرأي العام العربي بأن الولايات المتحدة وأوروبا قد خذلتا الفلسطينيين، وفشلتا في إنفاذ القانون الدولي، وعجزتا عن إرساء نظام عادل قائم على القواعد. ومن المرجح أن تُلحق الحرب في إيران ضرراً أكبر بسمعة الولايات المتحدة و"إسرائيل". وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية لم تنضم إلى القتال في إيران، إلا أنها قد تُعتبر، إلى حد ما، مُذنبة بحكم التبعية، وإن كان من غير المرجح أن تتأثر سمعتها بنفس القدر الذي تأثرت به سمعة الولايات المتحدة.

وطالما بقيت غزة المعيار الأوضح للحكم الأخلاقي والسياسي لدى المواطن العربي العادي، فستحتفظ الصين وإيران وروسيا بمكانتها الأخلاقية الرفيعة. ولا يساعد في ذلك أن واشنطن عملت على تقويض النظام الدولي والقانون الدولي بشكل عام. وعلى الرغم من أن بكين وموسكو كانتا تاريخياً أقل انخراطاً في الشرق الأوسط مقارنة بالولايات المتحدة — باستثناء، ربما، الحالة السورية - فإن الشعوب العربية تميل إلى دعم قيادتهما العالمية بدلاً من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.

وقد تبدأ الحكومات العربية عندئذٍ في إعادة توجيه علاقاتها وفقاً لذلك. فعلى سبيل المثال، قد يسعى المسؤولون العرب إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا، وإقامة شراكات دفاعية أقوى معهما، أو الانضمام إلى التكتلات متعددة الأطراف التي تقودانها. وسبق أن بدأت بعض الحكومات العربية في الابتعاد عن الولايات المتحدة أو محاولة إخفاء بعض جوانب تعاملها معها. ففي الفترة التي سبقت الحرب مع إيران حذّر قادة دول الخليج نظراءهم الأميركيين من شنّ هجوم جديد، إلا أن الولايات المتحدة تجاهلت تلك التحذيرات. ومع تعرّض دول الخليج لأضرار جسيمة نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يفكّر بعض القادة في سحب استثماراتهم المالية من المؤسسات الأميركية.

ومع ذلك، فإن مستقبل واشنطن وأوروبا في الشرق الأوسط ليس محسوماً سلفاً. فإذا غيّرت الولايات المتحدة وحلفاؤها نهجهم، يمكنهم استعادة سمعتهم. وقد نجحت إحدى الدول الأوروبية - فرنسا - بالفعل في تحقيق ذلك. فقد شهدت شعبية فرنسا لدى الرأي العام العربي انتعاشاً بعد أن تراجعت في أعقاب أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر. ففي أواخر عام 2025، ارتفع مستوى التأييد لفرنسا بمقدار 11 نقطة في تونس، و10 نقاط في المغرب، و7 نقاط في لبنان مقارنة بما كان عليه قبل عامين. ويبدو أن التفسير الواضح الوحيد لهذا التحوّل هو اعتراف باريس الرسمي بالدولة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر 2025. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة حملت طابعاً رمزياً، إلا أنه كان لها تأثيراً ملموساً في الرأي العام العربي.

في الخلاصة، يعتمد استمرار تراجع شعبية واشنطن أو استقرارها أو تعافيها على قرارات المسؤولين الأميركيين. فطريقة إدارتهم للحرب مع إيران، وتعاملهم مع غزة، وقدرتهم على إيجاد حل سلمي أوسع للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ستكون عوامل حاسمة في السنوات المقبلة. وأفضل ما يمكنهم فعله هو العمل سريعاً على إنهاء الحرب مع إيران، وممارسة الضغط على "إسرائيل" لمنح الفلسطينيين حقوقهم الأساسية، وصولاً إلى تحقيق السيادة في نهاية المطاف. بعبارة أخرى، إذا أرادت الولايات المتحدة ترميم صورتها، فعليها أن توائم بين أفعالها والمبادئ التي طالما أعلنت التزامها بها ألا وهي احترام القانون الدولي ودعم حقوق الإنسان والديمقراطية والنظام القائم على القواعد. كما يتعيّن عليها تطبيق هذه المبادئ ليس فقط عندما تخدم مصالحها - كما هو الحال في أوكرانيا - بل بشكل متسق في مختلف أنحاء العالم.

نقلته إلى العربية: زينب منعم.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.