"فايننشال تايمز": يستعد ترامب لإنهاء فترة رئاسته

مع انعدام أي مخرج من حربه مع إيران، يزداد هوسه بالنُصب التذكارية التي تخلّد نفسه.

0:00
  • "فايننشال تايمز": يستعد ترامب لإنهاء فترة رئاسته

صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر مقال رأي يتناول ما يصفه الكاتب بانسحاب دونالد ترامب تدريجياً من الاهتمام الفعلي بإدارة شؤون الرئاسة، وانشغاله بصورة متزايدة بمشاريع ونُصب مرتبطة بإرثه الشخصي، في وقت تواجه فيه إدارته ملفات ثقيلة، مثل الحرب مع إيران، والتضخم، والدين العام، والذكاء الاصطناعي، وانتخابات التجديد النصفي.

وبحسب الكاتب، فإن ترامب يساهم في زيادة حالة عدم الاستقرار في العالم، لكنه في الوقت نفسه يبدو أقل اهتماماً بالتعامل مع تداعياتها، رغم بقاء نحو عامين ونصف العام من ولايته.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

"الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" هو الهدف الثنائي غير الشاعري الذي تتوخاه الصين وأميركا. ولا بد أن ترديده بوجه جامد يزداد صعوبة يوماً بعد يوم بالنسبة إلى الصينيين. وفي مواجهة هزيمة انتخابية في انتخابات التجديد النصفي، وسط حروب مستعصية، أعلن دونالد ترامب، الأحد، أن قوس النصر الذي يخطط لبنائه في واشنطن سيكون أيضاً "مجمّعاً عسكرياً من الدرجة الأولى".

وسيضم هذا النصب التذكاري المكرّس لنفسه طائرات مسيّرة وقنّاصة ومستودعاً كبيراً للذخيرة. ولم يقل ترامب ضد مَن ستُوجَّه هذه القوة النارية. كما لم يُخبرنا أحد أي انتصار سيخلّده "قوس ترامب" (arc de Trump). لكننا نعلم أنه لا يكاد يتحدث هذه الأيام عن شيء آخر.

إن القول إن ترامب انسحب من مهمة الحكم هو تقليل من شأن الأمر. كما أن ذلك يفترض أنه كان قد انخرط فيها أصلاً. ومع ذلك، كان لدى ترامب في عامه الأول خطة، ونفّذ جزءاً كبيراً منها. وشمل ذلك "مشروع القانون الكبير والجميل" للتخفيضات الضريبية، وحرباً تجارية ضد العالم، وحملات الترحيل التي نفذتها وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، وهجوم إيلون ماسك على الدولة الإدارية، وحملة تطهير على مستوى الحكومة من سياسات التنوع والإنصاف والشمول (DEI).

وباتت عبارة "حرب ترامب على... (الجامعات، العلوم، مكاتب المحاماة، أو ما شئت)" من العبارات المبتذلة في وسائل الإعلام. ومهما كان رأيك في اختياره للأهداف، فقد كان ترامب يضعها في مرمى نيرانه.

لكن في عامه الثاني، بات ذهن الرئيس على نحو متزايد أسيراً للنُصب التذكارية التي تخلّد نفسه. وبمعزل عن الأنا، يصعب على كثيرين استيعاب مدى عمق هوس ترامب بهذه التشوّهات الزخرفية المبتذلة.

وقال ريتشارد بينتر، الذي شغل منصب مسؤول الأخلاقيات في البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش، إن قوس ترامب ينبغي أن يُكرّس للتعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركي، الذي يتيح عزل الرئيس بسبب العجز، بما في ذلك الجنون. وكان يقصد ذلك على سبيل المزاح. فاحتمال أن يلجأ نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى التعديل الخامس والعشرين ضد رئيسه أقل من احتمال اعتناق ترامب البوذية.

ومع ذلك، يبدو ترامب غير مكترث بهدوء بالهزيمة المرجحة لحزبه في انتخابات التجديد النصفي. فعلى الرغم من وعده بخفض الأسعار، لم تؤدِّ أفعاله إلا إلى تغذية التضخم. ويعود ذلك إلى معدلات الرسوم الجمركية المتقلبة التي يفرضها، وحرب "عملية الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury) ضد إيران، المستمرة منذ سبعة أشهر، فضلاً عن العجز المتسارع في الموازنة الأميركية، الذي لم يقل بشأنه شيئاً.

وقد تجاوز الدين العام الأميركي 40 تريليون دولار الشهر الماضي، أي ضعف المستوى الذي كان عليه عندما تولى ترامب منصبه للمرة الأولى عام 2017.

وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، يبدو أن ترامب يتعمد تأجيج مخاوف الناخبين. فعلى الرغم من أن الناخبين الجمهوريين يشعرون بالقلق من مراكز البيانات بقدر الناخبين الديمقراطيين، قال ترامب الشهر الماضي: "دعوا البيانات تسود". وأضاف أن أي مناطق في أميركا ترفض مثل هذه الاستثمارات إنما تحكم على نفسها بالفقر.

أما رده على مخاوف الرأي العام من أن يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً للبشرية، فكان إجراء استطلاع موجّه على منصة "تروث سوشال" خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية بشأن المصطلح البديل الذي يفضله الناس لكلمة "اصطناعي" في عبارة "الذكاء الاصطناعي"، بعدما قال إن المصطلح غير دقيق. ولم يفز خيار "الذكاء الأسمى" (Supreme intelligence)، الذي كان الخيار الأول لترامب، بالاستطلاع؛ بل فاز مصطلح "الذكاء المتفوق" (Superior intelligence).

وثمة مؤشرات إلى أن ترامب ربما بدأ يقرّ بردود الفعل السلبية تجاه الذكاء الاصطناعي، والتي يأتي كثير منها من حلفائه في حركة "MAGA"، بمن فيهم ستيف بانون. ويوم السبت، أعلن خططاً لإنشاء "قوة للذكاء الاصطناعي" وتعيين قيصر جديد للذكاء الاصطناعي.

لكن في المنشور نفسه، رفض المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، واصفاً إياها بأنها "خدعة"، وتعهد بألا "يعرقل أو يخنق بأي شكل من الأشكال" التوسع المتسارع للقطاع. ومع تنظيم كهذا، من يحتاج أصلاً إلى سوق بلا قيود؟ وليس مستغرباً أن مرشحي الحزب الجمهوري في الولايات المتأرجحة لا يضغطون من أجل أن ينضم إليهم ترامب في حملاتهم الانتخابية.

كان مصطلح "البطة العرجاء" سيطارد نوم أي رئيس آخر. لكن هذا المفهوم غريب عن ترامب. فهو يقضي وقتاً أطول في الحديث إلى الناس عن مخططاته المعمارية مما يخصصه لإيران أو الذكاء الاصطناعي أو الاقتصاد. فالمشكلات المستعصية لا تثير لديه اهتماماً كبيراً.

أما المشاريع البسيطة، مثل قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض، التي ستضم أيضاً مجمّعاً عسكرياً "ضخماً" تحتها، فهي محور اهتمامه الأساسي. وعلى سبيل المثال، قال ترامب الأسبوع الماضي إنه سيوقف أعمال تجديد مركز كينيدي للفنون الأدائية بعدما أبطلت المحاكم قراره بإعادة تسميته باسمه. والمركز، الذي كان مزدهراً قبل 18 شهراً، يواجه الآن خطر التدهور والإهمال.

ولا يوجد أي مخرج منظور من حرب ترامب في إيران. وينبغي لمنتقدي ترامب أن يتذكروا أيضاً أنه لا يوجد مخرج من ترامب نفسه قبل عام 2029.

ولا أستطيع التفكير في أي مثال لرئيس أميركي فقد اهتمامه بوظيفته فيما لا يزال أمامه عامان ونصف العام في المنصب. ويشمل ذلك ترامب في ولايته الأولى، وكذلك الولاية الوحيدة لجو بايدن، التي أصبحت باهتة على نحو متزايد.

وهذا يضع أميركا والعالم أمام مشهد غير مألوف. ففي وقت يتسم فيه العالم بحالة متسارعة من عدم الاستقرار، يعمل رئيس أميركا في الوقت نفسه على تأجيج هذا الاضطراب، ولا يبدي اهتماماً بفعل أي شيء حياله.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.