"فايننشال تايمز": كيف حوّلت "إسرائيل" علم الآثار إلى سلاح؟

تستولي حكومة بنيامين نتنياهو على أراضٍ فلسطينية بذريعة الحفاظ على مواقع أثرية في الضفة الغربية.

  • "فايننشال تايمز": كيف حوّلت "إسرائيل" علم الآثار إلى سلاح؟

صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر تقريراً يتناول استخدام "إسرائيل" علم الآثار والمواقع التراثية في الضفة الغربية، ولا سيما في سبسطية، لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

تتوارث عائلة زيد الأزهري، منذ أجيال، بساتين الزيتون الواقعة على أراضي العائلة عند سفوح التلال المحيطة ببلدة سبسطية. وقد مكّنه الدخل العائد من هذه الأشجار من الالتحاق بالجامعة، كما شهد طريق هادئ قريب أول موعد غرامي له، والذي تمّ في الخفاء.

لكنه الآن على وشك فقدان هذه الأراضي؛ إذ أصدرت السلطات الإسرائيلية، في وقت سابق من هذا العام، أمراً بمصادرة أكثر من 2000 دونم من الأراضي المحيطة بالقرية الواقعة في الضفة الغربية المحتلة، وذلك في إطار ما تصفه بأنه خطة لتطوير الموقع الأثري الموجود على قمة التلة. وتقع أرض الأزهري ضمن المنطقة المستهدفة بالمصادرة.

يقول الأزهري، وهو باحث في مجال التراث وعضو في المجلس المحلي: "أشعر بما تشعر به العائلات حين تفقد أحد أبنائها. فالأمر لا يقتصر على خسارة الدخل المادي، بل يتعلّق بكوننا جزءاً من الأرض وبالانتماء إليها؛ وهذا الرابط هو ما يُنتزع منا الآن".

ويقول مسؤولون إسرائيليون إنّ قرار المصادرة، الذي جُمّد بأمر من المحكمة العليا الإسرائيلية في إثر طعن قدّمه السكان، ضروري لتطوير منطقة "سبسطية" والحفاظ عليها. ويربط علماء الآثار بين هذا الموقع ومدينة "السامرة"، التي كانت عاصمة للمملكة الإسرائيلية القديمة المذكورة في الكتاب المقدّس. وتضم القلعة الأثرية "الأكروبوليس" أيضاً قطعاً أثرية تعود إلى حقب زمنية متعددة، ما يعكس تعاقب الحضارات الهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية على المنطقة.

غير أنّ السكان المحليين وعلماء الآثار يرون أنّ قرار المصادرة، الذي يُعدّ أكبر عملية استيلاء على الأراضي مرتبطة بالآثار منذ احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية عام 1967، إذ يتجاوز بكثير حدود المواقع الأثرية في سبسطية، هو جزء من مسعى أوسع تقوده الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لاستخدام علم الآثار ذريعةً لتوسيع نطاق سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، ومن ثم تمهيد الطريق لضمها في نهاية المطاف.

وفي هذا الصدد، قال ألون أراد، رئيس منظمة "إيميك شافيه" (Emek Shaveh) الإسرائيلية، التي تُعنى بحماية المواقع التراثية باعتبارها أصولاً عامة مملوكة لجميع المجتمعات: "إنّ هذا القرار غير مبرّر، سواء من الناحية القانونية أو المهنية أو الأخلاقية".

وأضاف: "تُظهر عملية المصادرة هذه، أكثر من أي شيء آخر، كيف يتم توظيف التراث وعلم الآثار كسلاح، وكيف يجري تحويلهما إلى أداة ضمن برنامج للضم لا علاقة له البتة بعلم الآثار أو التراث".

بدأت "إسرائيل" في مصادرة أراضٍ في الضفة الغربية لأغراض أثرية للمرة الأولى في ثمانينيات القرن الماضي. غير أنّ محللين يرون أنّ الطريقة التي استخدمت بها حكومة بنيامين نتنياهو، التي يتمتع فيها المستوطنون القوميون المتطرفون بنفوذ كبير، علم الآثار لترسيخ سيطرتها على المنطقة تُعدّ سابقة لم يشهد لها مثيل.

ومنذ تولي الحكومة مهامها عام 2022، استولت "إسرائيل" على أراضٍ في مواقع أثرية أخرى، بما في ذلك محيط "هيروديون" (Herodium)، وهو موقع يقع على قمة تل بالقرب من القدس ويضم قصراً بناه الملك هيرودس، وكذلك في قرية "النبي صموئيل" (Nabi Samwil) الفلسطينية، التي تضم موقعاً يُعتقد أنه يضم ضريح النبي صموئيل.

كما منحت الحكومة، بشكل أحادي الجانب، وحدة الآثار التابعة لـ"الإدارة المدنية"، وهي الهيئة الإسرائيلية التي تشرف على الشؤون المدنية في أجزاء من الضفة الغربية، الحق في العمل داخل مناطق تخضع اسمياً لإدارة السلطة الفلسطينية، وذلك في إطار مجموعة أوسع من التدابير الرامية إلى توسيع صلاحيات السلطات الإسرائيلية في تلك المناطق. وفي الشهر الماضي، خصصت الحكومة مبلغ 113 مليون شيكل (37 مليون دولار) لتطوير 70 موقعاً أثرياً في المنطقة.

وقال يوناتان مزراحي، الذي يشارك في رئاسة وحدة تتابع التوسّع الاستيطاني لصالح منظمة "السلام الآن" (Peace Now) الحقوقية الإسرائيلية: "في ظل هذه الحكومة، تحوّل علم الآثار إلى أداة رئيسية لضم الضفة الغربية".

وفاقمت هذه الإجراءات حدة العوامل التي قلبت حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية رأساً على عقب خلال السنوات الأربع الماضية. فقد زاد ائتلاف نتنياهو بشكل كبير من عدد المستوطنات اليهودية في المنطقة، وهي مستوطنات تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، أدّى تصاعد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون اليهود، الذين يعملون في ظل مناخ يكاد يضمن لهم الإفلات التام من العقاب، إلى تهجير عشرات التجمّعات السكانية الفلسطينية، ما دفع آلاف الأشخاص إلى النزوح من منازلهم.

ويصرّ المسؤولون الإسرائيليون على أنّ الخطوات المتعلقة بالمواقع الأثرية تهدف إلى حماية المواقع التراثية في الضفة الغربية. فقد صرّحت "الإدارة المدنية" بأنّ أمر المصادرة في "سبسطية"، الذي وصفته بأنه "مؤقت"، يهدف إلى "الحفاظ على الموقع وترميمه وحمايته"، واتهمت السلطة الفلسطينية بإهماله. كما ذكرت أنّ أمر المصادرة في "النبي صموئيل"، الذي وصفته أيضاً بأنه مؤقت، يهدف إلى تسهيل أعمال الترميم.

غير أنّ علماء الآثار يرفضون الادعاء بأنّ السلطات الفلسطينية أهملت موقع "سبسطية"، مشيرين إلى أنّ معظم أجزاء الموقع تخضع للسيطرة الإسرائيلية لا الفلسطينية. كما يتهمون "إسرائيل" بتشويه التاريخ من خلال التركيز حصراً على التاريخ اليهودي للمواقع التي غالباً ما تضمّ أيضاً آثاراً لحضارات متعددة أخرى استوطنت المنطقة على مدى قرون.

وقال أراد: "عندما تنتقي مواقع صهيونية أو يهودية بعينها وتستثمر فيها مبالغ طائلة، فإنك تخلق انطباعاً بأنّ المنطقة بأكملها يهودية أو حكرٌ على اليهود، بينما تخفي أو تدمّر أشكالاً أخرى من التاريخ".

وبالنسبة إلى كثيرين في سبسطية، يبدو التهديد وجودياً. فوفقاً لرئيس البلدية، محمد عازم، يشمل قرار المصادرة، إلى جانب المناطق التي صودرت بالفعل، ما نسبته 55% من أراضي البلدة. وتمتلك نحو 560 عائلة قطع أراضٍ مدرجة ضمن خطة الاستيلاء، وتحتوي هذه الأراضي على أكثر من 6000 شجرة زيتون، لطالما كانت إحدى المصادر الرئيسية للدخل في البلدة.

وأضاف، مشيراً إلى ثلاث مدن فلسطينية رئيسية في شمال الضفة الغربية أنّ "إسرائيل تسعى إلى تمزيق أوصال الضفة الغربية، وهي تريد السيطرة على سبسطية نظراً إلى موقعها الاستراتيجي بين نابلس وجنين وطولكرم. يتساءل جميع أهالي سبسطية عمّا يخبئه المستقبل لبلدتهم... ونحن نشعر بقلق بالغ إزاء ما يعنيه ذلك لمستقبل أطفالنا هنا".

وفاقم قرار المصادرة حدّة الضغوط الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها سكان "سبسطية" بالفعل؛ فمنذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023، شهدت حركة الزيارات السياحية انهياراً كبيراً، كما حالت أعمال العنف المتفشية التي يمارسها المستوطنون دون وصول العديد من السكان المحليين إلى أراضيهم الزراعية. وأشار عازم إلى أنّ كثيرين لم يعودوا قادرين على سداد فواتير البلدية.

وعند أطراف الموقع التاريخي، حيث يحدّد صف من الأعمدة المبتورة التي تفتقر إلى تيجانها معالم ما كان يوماً بازيليكا رومانية، يبدو الأثر ملموساً وواضحاً؛ فموقف السيارات المجاور يكاد يكون خالياً تماماً. كما أنّ أحد متجري الهدايا التذكارية ومعظم المقاهي مغلقة، وقد تكدّست كراسيها البلاستيكية وطُويت مظلاتها. أما في المقاهي القليلة المفتوحة، فلم يرَ أصحابها سائحاً واحداً طوال اليوم.

يقول نايف عقل، صاحب مقهى صغير يطل على الساحة الرومانية "الفوروم": "الوضع الاقتصادي صفر. صفر مطلق". ويضيف: "كان المكان يعجّ بالحركة والنشاط؛ ففي عامي 2015 و2016 كان مزدحماً للغاية. أما الآن، فأنا آمل أن أرى، بل وأفتقد أن أرى، زبوناً واحداً فقط".

وفي مسعى لحماية الموقع وتسليط الضوء على القيود الإسرائيلية المفروضة عليه، دأبت السلطة الفلسطينية منذ فترة طويلة على المطالبة بإدراج "سبسطية" ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي. وقد استجابت اليونسكو لذلك في تموز/يوليو، فأدرجت الموقع في القائمة، وأضافته أيضاً إلى قائمة المواقع "المعرّضة للخطر"، نظراً إلى خطط "إسرائيل" للاستيلاء على الأراضي.

ويأمل المسؤولون الفلسطينيون أن يدفع هذا الإجراء "إسرائيل" إلى إعادة النظر في المضي قدماً في عملية الاستيلاء على الأراضي. غير أنّ المسؤولين الإسرائيليين لم يبدوا أيّ مؤشّرات تُذكر على تغيير نهجهم؛ إذ انتقد وزير الخارجية، جدعون ساعر، قرار اليونسكو بشدّة، واصفاً إياه بأنه محاولة لإنكار الروابط اليهودية بالأرض. وقال حينها: "لا يمكن لأيّ تصويت في منظمة دولية أن يغيّر التاريخ".

وفي الواقع، فقد السكان المحليون في سبسطية، مثل الأزهري، الأمل منذ زمن طويل في إمكانية تراجع القبضة الإسرائيلية المشدّدة على الضفة الغربية. وقال الأزهري: "لقد انتهى الأمر. هذا هو الضم"، بينما كان يراقب بحذر جنديين إسرائيليين وهما يغادران موقعهما عند الموقع الأثري ويدخلان المقهى لطلب خدمة.

وأضاف: "موارد المياه خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. والكهرباء خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. والشوارع خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. أما الحدود، فنحن لا نملكها أصلاً. ما الذي نحتاج إلى أن تسيطر عليه إسرائيل أيضاً حتى نقول إن هذا هو الضم؟"

نقله إلى العربية: الميادين نت.