"فاينانشال تايمز": أزمة الطاقة العالمية في بدايتها.. لماذا يخدم الوقت مصلحة طهران؟

يوضح المقال كيف يخدم عامل الوقت مصلحة إيران في ظلّ فشل المفاوضات مع الولايات المتحدة، محذراً من أنّ الحصار الأميركي الحالي يمهّد لأزمة طاقة واضطرابات سياسية عالمية غير مسبوقة.

0:00
  • "فاينانشال تايمز": الحصار الأميركي قد يتسبّب في ارتفاع أسعار النفط والغاز أكثر مما هي عليه

نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" مقال رأي لكاتبه جدعون رايشمان، تناول فيه أبعاد المواجهة الحالية بين واشنطن وطهران، محذراً من أنّ سياسة الحصار التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تؤدّي إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة تخدم مصالح إيران وتُعزّز موقفها التفاوضي.

في ما يلي نصّ المقال منقولاً إلى العربية:

يدّعي دونالد ترامب أنه خبير في "فنّ التفاوض". لكنّ المفاوضات الصبورة ليست من أسلوبه. فبعد عطلة نهاية أسبوع من محادثات السلام الفاشلة مع إيران، قرّرت الولايات المتحدة التصعيد مجدّداً بإعلان الحصار.

من المرجّح أن تأتي هذه التكتيكات الأخيرة بنتائج عكسية. فقد تسبّب إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بشكل حادّ. لكنّ الحصار الأميركي يتسبّب بالفعل في ارتفاع أسعار النفط والغاز أكثر. كما أنه يزيد من خطر لجوء إيران إلى تصعيد مضادّ بضرب البنية التحتية للطاقة في الخليج.

يعتقد الإيرانيون أنّ الوقت في صالحهم في هذه المواجهة، وربما يكونون على حقّ. فكلما طال أمد إغلاق مضيق هرمز، ازداد الضغط الاقتصادي والسياسي على الولايات المتحدة وحلفائها. ونتيجة لذلك، من المرجّح أن يصبح موقف إيران التفاوضي أقوى - إذا ما استؤنفت محادثات السلام.

وقد وصف فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، فقدان نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية بأنه "أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ". وحذّر من أنّ أزمة اليوم قد تفوق بكثير الآثار المُجتمعة لصدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، والتي تسبّبت في سنوات عديدة من التضخّم والركود الاقتصادي وتقنين الوقود.

خُفّفت الآثار الاقتصادية للحرب الحالية لفترة من الزمن، نظراً لوجود كميات كبيرة من النفط والغاز من الخليج في البحر بالفعل عندما شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" هجومهما على إيران في 28 شباط/فبراير. لكنّ آثار إغلاق المضيق، وهجمات إيران على البنية التحتية للطاقة في الخليج، بدأت تظهر بوضوح الآن.

إنّ ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود ليس سوى البداية. سيؤثّر نقص وقود الطائرات على حركة النقل الجوي، مما سيضرّ بالسياحة قبيل موسم الصيف الحاسم في أوروبا. وقد يؤدّي نقص الهيليوم، الذي يُنتج معظمه في قطر، إلى توقّف إنتاج أشباه الموصلات. كما سيتضرّر إنتاج الغذاء بسبب نقص الأسمدة، مما سيؤدّي إلى مزيد من التضخّم. وقد توقّع بنك التنمية الآسيوي مؤخّراً أنّ أزمة الطاقة قد تُقلّل النمو بأكثر من 1% هذا العام في الدول النامية في آسيا.

من الواضح أنّ ترامب يأمل أن يُجبر الضغط الاقتصادي المُمارس على إيران من خلال حصار الجمهورية الإسلامية على التراجع سريعاً. لكنّ النظام الإيراني مُحنّك، لا يرحم، ويُقاتل من أجل البقاء. تمتلك إيران أيضاً احتياطاً من الدخل الناتج عن مبيعاتها النفطية الأخيرة بأسعار مرتفعة، ويمكنها تحقيق بعض الإيرادات من خلال صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب.

إذا فشل حصار ترامب في إخضاع إيران لإرادة الولايات المتحدة، فستواجه الولايات المتحدة خيارات بالغة الصعوبة. وقد لوّح الرئيس بإمكانية تدمير البنية التحتية الإيرانية، ويشير أحياناً إلى أنّ عملية عسكرية لفتح المضيق ستكون سهلة.

لكنّ الحقيقة هي أنه لو كانت هذه خيارات جيدة أو قابلة للتطبيق، لكانت قد جُرّبت بالفعل. حتى لو نجحت الولايات المتحدة في إرسال بعض السفن الحربية عبر المضيق، فلن يضمن ذلك سلامة الملاحة التجارية. ليس من الضروري أن تُغرق إيران كلّ ناقلة أو تحاصرها. فبعض الهجمات بطائرات مسيّرة أو زوارق سريعة ستجعل حركة ناقلات النفط شبه مستحيلة التأمين.

إذا قرّرت الولايات المتحدة التصعيد أكثر - بتنفيذ تهديدات ترامب بتدمير محطات توليد الطاقة ومحطات تحلية المياه الإيرانية - فقد هدّد الإيرانيون باستهداف منشآت مماثلة في الخليج. ومن دون المياه العذبة التي تُنتجها محطات التحلية، ستكون الحياة شبه مستحيلة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

سبق أن استُهدف خط أنابيب النفط الذي يعبر السعودية إلى البحر الأحمر، والذي يُوفّر بديلاً للتصدير عبر مضيق باب المندب، وقد يتعرّض لهجوم آخر. كما أنّ محطات الضخ السعودية على الساحل معرّضة للخطر. وقد يسعى حلفاء الحوثيين في إيران إلى منع صادرات الطاقة عبر البحر الأحمر، باستهداف السفن في مضيق باب المندب.

ولا تقتصر الآثار السياسية والاستراتيجية الخبيثة لهذه الحرب على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد كادت احتجاجات أسعار الوقود في أيرلندا أن تُشلّ حركة البلاد الأسبوع الماضي، ما دفع الحكومة إلى استدعاء الجيش لإعادة فتح الطرق السريعة والموانئ، والإعلان عن دعم للوقود بقيمة 505 ملايين يورو.

من المرجّح أن تكون أيرلندا أول دولة تشهد هذا النوع من الاضطرابات. ومن غير المرجّح أن تمتلك الحكومات الأقل قدرة مالياً في آسيا وأوروبا الموارد المالية الكافية لتهدئة المتظاهرين. فرنسا المثقلة بالديون، والتي لها تاريخ من الاحتجاجات على أسعار الوقود، تستعدّ بالفعل لمواجهة اضطرابات قبيل الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

قبل إعلان الحصار الأميركي، بدا أنّ العديد من العاملين في قطاع النفط قد تقبّلوا ضمنياً دفع رسوم عبور لإيران عبر المضيق. وكثيراً ما يُذكر مبلغ دولار واحد للبرميل.

تصرّ إدارة ترامب على أنّ نظام الرسوم الإيراني غير مقبول. والولايات المتحدة محقّة في أنّ تداعيات ذلك على حرية الملاحة في العالم وعلى ميزان القوى في الشرق الأوسط ستكون وخيمة. فإيران، الدولة الوحيدة، ستسيطر سيطرةً مربحةً على إمدادات النفط والغاز العالمية، ما يحوّلها إلى نسخة أكثر تطرّفاً وتركيزاً من منظمة أوبك. ويمكنها استخدام هذه العائدات لإعادة بناء شبكاتها بالوكالة وبرنامجها النووي.

إنّ التفاوض لإنهاء الحرب، وأزمة الطاقة التي تسبّبها، سيتطلّب رؤية استراتيجية، وصبرأ، وقدرة على فهم المقايضات وبناء التحالفات. وهي جميعها صفات يفتقر إليها ترامب. يا لها من فوضى!

ترجمه إلى العربية: الميادين نت