"ريسبونسيبل ستايت كرافت": الإيرانيون المؤيدون لأميركا والذين يرغبون في الحرب غير موجودين فعلياً
بحسب "ريسبونسيبل ستايت كرافت"، فإن القاعدة الشعبية الإيرانية اللازمة لممارسة أقصى قدر من الضغط لإحداث تغيير في النظام كانت في معظمها مجرد وهم.
-
صورة ظلية للرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، في 21 نيسان/أبريل 2026 (أ ف ب)
تحليل لـ "ريسبونسيبل ستايت كرافت" يفند أوهام إدارة ترامب حول تغيير النظام في إيران من دون أي فرصة للنجاح، كاشفاً عبر استطلاعات رأي على مر الزمن عن غياب أي قاعدة شعبية تؤيد التدخل العسكري أو الإكراه الخارجي.
في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، قال دونالد ترامب للإيرانيين: "تولوا زمام الحكم" لأن هذه "ربما فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة". وبعد خمسة أسابيع، أصر ترامب على أن الشعب الإيراني يتوسل إليه لمواصلة القصف حتى ينال حريته.
تستند خطابات ترامب الحماسية إلى افتراض وجود أغلبية إيرانية صامتة تثق بالولايات المتحدة وتكره النظام الحالي لدرجة أنها ترفض الدبلوماسية معه، وتؤيد فرض عقوبات صارمة لإضعافه، وترغب في تدمير البنية التحتية الوطنية حتى تتمكن من استبدال الأنظمة الاستبدادية القمعية بنظام ديمقراطي علماني على النمط الغربي. ويدعم هذه الرواية استطلاعات رأي اختيارية تجمع بيانات من شريحة محددة من السكان (مثل مشتركي مزود خدمة VPN واحد)، ومقابلات إخبارية غربية مع عدد قليل من الأشخاص داخل إيران.
أجرينا 22 استطلاعاً تمثيلياً في إيران منذ عام 2014. ويكشف تحليلنا لماذا كان الرهان على قدرة القوة الجوية على إحداث انقلاب شعبي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية رهاناً خاسراً.
باستخدام بيانات مجمعة من 15 استطلاع رأي أجريت بين عامي 2014 و2024، قارنا بين المستجيبين ذوي المواقف الإيجابية والسلبية تجاه الولايات المتحدة، قبل وبعد انسحاب واشنطن من خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2018. وانخفضت نسبة الأقلية المؤيدة للولايات المتحدة بشكل حاد من 26.5% قبل الانسحاب إلى 14.3% بعده.
لا تشبه هذه الأقلية المتضائلة المؤيدة للولايات المتحدة القاعدة الشعبية التي يتصورها دعاة الضغط الأقصى. بل إنها أكثر دعماً للدبلوماسية من بقية الجمهور، وأكثر اهتماماً بالتكاليف البشرية للعقوبات، وذات نزعة قومية مفاجئة في المسائل الأمنية.
لطالما أكد مسؤولو إدارة ترامب أن الضغط الأميركي القسري قد يؤدي إلى تنشيط حركة مناهضة للنظام داخل إيران ذات فائدة سياسية.
كانت حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي مدفوعةً بالنظرية الاجتماعية نفسها لتغيير النظام، مع إضافة القوة الجوية. ووجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نداءً متلفزاً إلى الإيرانيين أثناء الهجوم قائلاً: "إننا نمهّد لكم الطريق لتحقيق هدفكم، ألا وهو الحرية... لم يكن النظام أضعف من أي وقت مضى... انهضوا وأسمعوا أصواتكم...".
لقد دمج هذا المفهوم الاستراتيجي 4 مواقف عامة مختلفة: السخط على الجمهورية الإسلامية، والآراء الإيجابية تجاه الأميركيين، والثقة في واشنطن، ودعم السياسة الأميركية القسرية. ويخلص تحليلنا إلى أن القاعدة الشعبية الإيرانية اللازمة لممارسة أقصى قدر من الضغط لإحداث تغيير في النظام كانت في معظمها مجرد وهم.
بالمقارنة مع المواطن الإيراني العادي، فإن الأقلية المؤيدة للولايات المتحدة أكثر تحضراً، وأكثر تعليماً، وأفضل حالاً مادياً، وأكثر اطلاعاً على وسائل الإعلام غير الحكومية. فعلى سبيل المثال، يشكل الإيرانيون المقيمون في محافظة طهران 15.8% من المجموعة المؤيدة، بينما لا تتجاوز نسبتهم 9.8% من المجموعة المعارضة. وتتميز المجموعة المؤيدة بأغلبية طفيفة من الذكور، إلا أن توزيعهم العمري والعرقي يشابه التوزيع العام للسكان.
كان متابعو هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أو صوت أميركا (VOA) ممثلين تمثيلاً زائداً بشكل ملحوظ: 46.2% من المجموعة المؤيدة للولايات المتحدة مقابل 20.5% من المجموعة المعارضة لها قبل الانسحاب من الاتفاق النووي، و40.1% مقابل 17.1% بعده. كما كان الحاصلون على درجة البكالوريوس أو أعلى أكثر شيوعاً في المجموعة المؤيدة، لكن هذه الفجوة تقلصت من 44.7% مقابل 25.6% قبل الانسحاب إلى 32.3% مقابل 23.3% بعده.
هذه شريحة ضيقة ومنفتحة على العالم الخارجي، وليست طبقة دنيا واسعة وغاضبة مستعدة للتطرف. من غير المرجح أن ترغب هذه الشريحة في أن تؤثر التعاليم الدينية على السياسة، لكن كونهم أكثر انفتاحاً على العالم الخارجي وأقل ارتباطاً بحكم النخبة المحلية لا يعني بالضرورة تأييدهم للإكراه أو الهجوم الخارجي.
يُفرّق جزء كبير من هذه المجموعة بشكلٍ حاسم بين الشعب الأميركي والدولة الأميركية. فعند طرح أسئلة منفصلة في بعض استطلاعات الرأي قبل الانسحاب حول الشعب والحكومة والبلاد عموماً، أبدى 87.7% من الأقلية المؤيدة للولايات المتحدة تأييدهم للشعب الأميركي، بينما أبدى 34.3% فقط تأييدهم للحكومة الأميركية. وبعد الانسحاب، كانت نسبة المؤيدين للشعب الأميركي 55.7%، وانخفضت نسبة المؤيدين للحكومة الأميركية إلى 32% فقط. وحتى قبل الانسحاب من الاتفاق النووي، كانت غالبية المجموعة المؤيدة تفتقر إلى الثقة في التزام واشنطن بتعهداتها.
هذا هو جوهر التحليل في القصة برمتها. بإمكان الإيراني أن يحب الشعب الأميركي، ويكره الجمهورية الإسلامية، ومع ذلك يرفض الإكراه الذي تمارسه الحكومة الأميركية.
أيدت الأقلية المؤيدة للولايات المتحدة الاتفاق النووي بنسب أعلى من الأغلبية المعارضة لها، وكانت أكثر ميلاً إلى تفضيل رئيس إيراني يسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة مع الدول الأخرى. مع ذلك، لم يكن هذا التكتل استسلامياً. فقبل الانسحاب، انقسمت الآراء بالتساوي تقريباً بين من يرغبون برئيس يتفاوض ومن يرغبون برئيس يدافع عن حقوق إيران ويرفض أي حلول وسط.
كانت الأقلية الأكثر انفتاحاً على تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة هي أيضاً الأكثر حساسية للتكاليف الاجتماعية للعقوبات. فقد كانت أكثر ترجيحاً من المجموعة المعارضة للولايات المتحدة في القول بأن للعقوبات أثراً سلبياً كبيراً على عامة الناس: 68.8% مقابل 52.4% قبل الانسحاب، و68.4% مقابل 61.5% بعده. وهذا يناقض الادعاءات بأن هذه المجموعة تؤيد الإكراه الاقتصادي.
في ما يتعلق بقضايا الأمن القومي، ظلت هذه المجموعة المؤيدة أكثر نزعة قومية مما افترضه المتشددون الأميركيون. فمن بين الأقلية الضئيلة التي ظلت مؤيدة للولايات المتحدة بعد الانسحاب، قال 78.6% إن تطوير إيران لبرنامجها الصاروخي كان مهماً إلى حد ما أو مهماً جداً. أما في ما يخص التفضيلات النووية، فقد أيد 22.5% امتلاك إيران رادعاً نووياً وبرنامجاً للطاقة النووية، مقارنةً بـ 34.2% من المجموعة المعارضة. وقال نحو 6 من كل 10 إن على إيران الرد على انتهاكات سيادتها لردع أي هجمات مستقبلية.
قد تكون أبسط الحقائق هي الأكثر تدميراً لنظرية الضغط الأقصى، فالاستراتيجية التي هدفت إلى إضعاف النظام وتوسيع القاعدة الشعبية الأميركية داخل إيران لم تُسهم في تعزيز هذه القاعدة. تُظهر بياناتنا انخفاض نسبة المؤيدين للولايات المتحدة من 26.5% إلى 14.3% بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. لم يُسهم الضغط الأقصى في توسيع نطاق المشاعر المؤيدة لأميركا، بل ساهم في تنفير ما يقرب من نصف حلفاء الولايات المتحدة.
لماذا تكرر الحرب الخطأ نفسه؟
لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ بأن الحرب لم تُؤدِّ إلى تسارع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران. فقد أظهر استطلاع الرأي الذي أجريناه بعد حرب الأيام الاثني عشر بفترة وجيزة مؤشرات على أنها عززت التضامن الشعبي. كما تلقى ترامب تحذيرات قبل الحرب من أجهزة الاستخبارات تفيد بأن افتراضاته بشأن رد فعل الشعب الإيراني كانت خاطئة. وبعد أسابيع من القصف، أفادت "رويترز" بأن الاستخبارات الأميركية لم ترصد أي انهيار وشيك للنظام.
تُظهر استطلاعات مركز دراسات الأمن الدولي والسياسة الاجتماعية باستمرار وجود استياء حقيقي في إيران، لكن هذا الاستياء الإيراني ليس تحت سيطرة أميركا. فالأقلية المؤيدة في استطلاعاتنا أكثر انفتاحاً على العالم، وأكثر تشككاً في النظام الداخلي، وأكثر تعاطفاً مع الشعب الأميركي، وأكثر اهتماماً بالدبلوماسية من بقية الجمهور. لكنها ليست قاعدة لتغيير النظام تنتظر إشارة واشنطن.
هناك قاعدة شعبية تؤيد مبدأ المعاملة بالمثل والاتفاق النووي العادل. ولم يكن هناك قط أي دليل على وجود قاعدة شعبية كبيرة تؤيد ممارسة أقصى الضغوط، فضلاً عن تأييد التحرير بالقصف.