"ذا إيكونوميست": أميركا لا تبدو حلاً لمشكلات الشرق الأوسط.. بل هي مصدر لها
على الرغم من أنّ أميركا لن تغادر الشرق الأوسط، فإنها ستضطر إلى التراجع عن دورها بوصفها القوة المهيمنة في المنطقة.
-
مقاتلون من حركة أنصار الله يدوسون العلمين الأميركي والبريطاني.
مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية تنشر مقالاً يتناول تراجع الدور الأميركي المهيمن في الشرق الأوسط، وكيف كشفت الحرب مع إيران حدود القوة الأميركية وأضعفت ثقة حلفائها الإقليميين بها.
وخلاصة المقال أنّ الحقبة الأميركية في الشرق الأوسط تقترب من نهايتها بصيغتها القديمة، وأنّ المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر فوضى على المدى القصير، لكنها قد تُجبر دولها لاحقاً على بناء نظام إقليمي أكثر اعتماداً على نفسها.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
عندما اجتمع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 1991، بدا أن مرحلة من الهيمنة الأميركية من دون منازع على الشرق الأوسط باتت في المتناول. كان البنتاغون قد خاض للتو حرباً سريعة لطرد القوات العراقية المحتلة من الكويت. وكان الدبلوماسيون الأميركيون يستعدون لاستضافة مؤتمر مدريد، أول محادثات مباشرة بين "إسرائيل" ومجموعة من جيرانها العرب. ومع اقتراب الاتحاد السوفياتي من نهايته، بدت أميركا مستعدة لتشكيل نظام جديد في منطقة مضطربة.
لكن ما أعقب ذلك كان 35 عاماً من الفوضى، إذ انتقلت أميركا من حماقة عسكرية إلى أخرى. أما أحدثها، فحرب دونالد ترامب مع إيران، والتي كان من المفترض أن تنتهي في غضون أيام، لكنها تدخل الآن شهرها الثامن. وقد فرضت تكاليف هائلة على أقرب حلفائه العرب، وعلى بقية العالم. وبالنسبة إلى كبار الشخصيات المجتمعة في نيويورك هذا الأسبوع، لا تبدو أميركا حلاً لمشكلات الشرق الأوسط، بل مصدراً لها.
وسيكون ذلك أحد التداعيات الدائمة للحرب، بصرف النظر عن موعد انتهائها أو كيفية ذلك. فعلى الرغم من أنّ أميركا لن تغادر الشرق الأوسط، فإنها ستضطر إلى التراجع عن دورها بوصفها القوة المهيمنة في المنطقة. فقد حلفاؤها الثقة بها، وأُنهك ناخبوها، وسيضطر استراتيجيوها إلى مواجهة أزمات متفاقمة في مناطق أخرى. ولا يبدو أنّ أحداً مستعد لشغل دورها، ولا سيما الدول العربية. وهذا سيؤدي إلى أوقات مضطربة، لكن نهاية الحقبة الأميركية قد لا تكون أمراً سيئاً على المدى الطويل.
أما الآن، فالهدف ببساطة هو الوصول إلى نهاية الحرب. فقد عقدت أميركا وإيران ثلاث ساعات من المحادثات غير المباشرة في الأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر، تولى خلالها مبعوثون قطريون نقل الرسائل بين الطرفين. وكانت هذه أول محادثات من نوعها منذ حزيران/يونيو. ووصفها ترامب بأنها "مثمرة للغاية". لكنه، في المقابل، كرر خلال خطابه أمام الجمعية العامة تهديده بـ"إبادة" إيران.
اقرأ أيضاً: "نيويورك تايمز": ترامب من الأمم المتحدة.. "الفائز يأخذ كل شيء"
وفي الجلسات الخاصة، كان الدبلوماسيون أقل حماسة تجاه المحادثات. فقد أتاحت للطرفين فرصة تكرار مواقفهما، لكن الصيغة لم تكن ملائمة لتحقيق اختراق، كما أن مواقفهما لا تزال متباعدة. تريد إيران من أميركا العودة إلى "مذكرة التفاهم"، وهي الاتفاق القصير الأجل الذي وُقّع في حزيران/يونيو. أما ترامب، فيفضّل إلغاء مذكرة التفاهم، التي كان من المفترض أن تكون اتفاقاً انتقالياً لمدة 60 يوماً فقط، والتفاوض على اتفاق جديد.
وعقد الرئيس الأميركي أيضاً قمة مع مسؤولين من دول الخليج، إلى جانب تركيا وأربع دول عربية أخرى. ومرة أخرى، كانت الرسائل متضاربة؛ إذ تحدث عن وجود "زخم كبير" نحو التوصل إلى اتفاق، لكنه حذر أيضاً من أنه قد يقصف موقعاً نووياً في إيران. وفي هذه الأثناء، يواصل الطرفان حربهما الاقتصادية. فقد هاجمت إيران خمس ناقلات على الأقل في مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي. وفي 23 أيلول/سبتمبر، فرضت أميركا عقوبات على شركات أجنبية تزود الطائرات الإيرانية بالوقود أو تقدم لها خدمات الصيانة، ما سيمنع، عملياً، شركات الطيران الإيرانية من تسيير رحلات إلى الخارج.
وبينما تستمر الحرب في إيران، تصاعدت الحرب في اليمن. ففي هذا الشهر، سيطر الحوثيون على جزء من الساحل الجنوبي الغربي لليمن، ما منحهم قبضة أقوى على باب المندب، الممر المائي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، حيث كانوا يسعون بالفعل إلى فرض حصار على السفن السعودية.
كما استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية نفسها. وبشكل منفصل، استهدفت ميليشيات عراقية أهم خط أنابيب نفط في المملكة، ما أدى إلى تعطيله لأكثر من أسبوع، قبل أن يستأنف عملياته في 22 أيلول/سبتمبر.
ومع ذلك، لم يؤدِّ أي من ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات كارثية، وهي الأداة الرئيسية التي تأمل إيران من خلالها الضغط على ترامب لإبرام اتفاق. فقد ارتفع سعر خام برنت إلى 109 دولارات للبرميل بعد هجوم الحوثيين واستهداف خط الأنابيب، قبل أن يتراجع مجدداً. لكن هذا الرقم لا يروي القصة كاملة؛ فأسواق الطاقة الأوسع تمر بحالة صعبة. وقد تجاوز سعر خام "برنت المؤرخ" (Dated Brent)، للتسليم بعد بضعة أسابيع، 130 دولاراً للبرميل هذا الشهر. كما تشهد المنتجات المكررة شحاً، فيما يبلغ متوسط سعر الديزل في أميركا حالياً 6.52 دولارات للغالون، وهو مستوى قياسي. لكن ترامب لا يبدو متأثراً، حتى مع تهديد أسعار الوقود بإلحاق هزيمة قاسية بحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
حرب استنزاف بلا حسم
من جانبها، لا تزال أميركا تأمل أن يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى الاستسلام. ويتسبب حصارها المفروض منذ شهرين على حركة الشحن الإيرانية في حالة من الفوضى. ومع تعطل الموانئ، تواجه إيران صعوبة في إعادة توجيه تجارتها عبر الطرق البرية؛ إذ تنتظر مئات الشاحنات في طوابير تستمر أياماً عند الحدود. وبلغ الريال الإيراني مستوى قياسياً منخفضاً تلو الآخر، فيما يقترب التضخم من ثلاثة أرقام. كما أن وقف شركات الطيران الإيرانية سيؤدي إلى اضطراب سلاسل توريد الأدوية في البلاد.
وأقرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بعمق الأزمة. ومع ذلك، فإن النظام، شأنه شأن ترامب، مستعد لتحمل مزيد من الألم. ولا يستطيع أي من الطرفين حسم الحرب بصورة قاطعة لمصلحته.
والرأي السائد في واشنطن وطهران والخليج هو أنّ الحرب ستستمر حتى نهاية العام. وقد أبلغ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الأميركيين بعدم التسرع في العودة إلى مذكرة التفاهم. فهو يفضّل أن يواصلوا حصارهم ويسعوا إلى اتفاق جديد. وتشترك معظم دول الخليج في هذا الرأي، باستثناء قطر وعُمان. أما إيران، فليست في عجلة من أمرها لإبرام اتفاق قد يخفض أسعار النفط ويمنح ترامب دفعة قبل انتخابات التجديد النصفي. وقد تخلى محللو بنك "جيه بي مورغان تشيس" عن محاولة توقع ما سيحدث لاحقاً. وكتبوا في 17 أيلول/سبتمبر: "ببساطة، لا نعرف كيف يمكن نمذجة نهاية اللعبة".
مستنقع جديد
ليست هذه المرة الأولى التي تتعثر فيها أميركا داخل مستنقع في الشرق الأوسط. فعلى مدى العقود الماضية، جرّبت تقريباً كل أشكال التدخل العسكري في المنطقة. أرسلت قوة برية هائلة لإطاحة النظام في العراق، واستخدمت القوة الجوية لإطاحة آخر في ليبيا، وسلّحت متمردين سوريين، ودعمت تحالفاً بقيادة السعودية خاض حرباً في اليمن عام 2015.
نجحت بعض هذه التدخلات في تغيير الأنظمة، لكنها خلّفت الفوضى وراءها، بينما فشل بعضها الآخر تماماً. ولم ينتج أي منها نتيجة تصب في مصلحة الولايات المتحدة. ومع ذلك، بقيت التداعيات محدودة. فقد كانت إطاحة صدام حسين كارثة على العراقيين، الذين غرقوا في سنوات من سفك الدماء الطائفي. ومن خلال إزالة الخصم الإقليمي الرئيسي لإيران، أتاح ذلك للجمهورية الإسلامية تعزيز نفوذها في سوريا ولبنان. لكنه لم يترك أثراً فورياً كبيراً على أقرب حلفاء أميركا في المنطقة.
حرب إيران تهزّ ثقة حلفاء واشنطن
أما هذه الحرب فكانت مختلفة. فخارج إيران، وقعت أشد تداعياتها على حلفاء أميركا في الخليج. ومن المتوقع أن تنكمش اقتصادات معظمهم في عام 2026. وقد خسروا مئات مليارات الدولارات من مبيعات النفط والغاز التي لم تتحقق، وعائدات السياحة التي اختفت، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. وكانوا يأملون أن تسمح لهم مذكرة التفاهم بالعودة إلى أعمالهم في الربع الرابع من العام. وبدلاً من ذلك، يناقشون بهدوء ما إذا كان ينبغي تأجيل فعاليات كبرى مرة أخرى، من مؤتمرات التكنولوجيا إلى سباقات "فورمولا 1".
وخارج الخليج، تسببت الحرب أيضاً في صدمة طاقة شعر بها العالم بأسره. كما أنها تحظى بدرجة فريدة من عدم الشعبية بين الأميركيين. فقد استغرق الأمر أربع سنوات حتى اعتبر 60% منهم غزو العراق خطأً. أما حرب ترامب في إيران فوصلت إلى هذه النسبة في أقل من شهرين.
وستقيّد كل هذه العوامل الدور الأميركي في المنطقة مستقبلاً. ولنبدأ بحلفائها. فقد شهدت علاقاتهم خلافات حادة من قبل؛ إذ حث السعوديون جورج دبليو بوش على عدم غزو العراق عام 2003، وشعرت دول الخليج بالقلق عندما دعا باراك أوباما حسني مبارك، الديكتاتور المصري الذي حكم طويلاً، إلى التنحي عام 2011، وعلى الأرجح شعر مبارك بالقلق أيضاً. وربما دفعتهم تلك الخلافات إلى التشكيك في تقدير أميركا، لكن التزامها وقدراتها لم يكونا موضع شك.
ثم جاءت سوريا. عندما فشلت في نهاية المطاف في الإطاحة ببشار الأسد، بدت ضعيفة. وتفاقمت الشكوك بعد سلسلة من الهجمات المدعومة من إيران ضد دول الخليج، من الهجوم على منشآت نفطية سعودية عام 2019 إلى هجوم قاتل بطائرة مسيّرة في أبو ظبي عام 2022، من دون رد يذكر. ثم قضى ترامب على ما تبقى من الثقة عندما أشعل حرب الخليج ذاتها التي سعت أميركا طويلاً إلى ردعها.
القواعد الأميركية أمام مستقبل غامض
ولا أحد في الخليج مستعد لمناقشة مستقبل القواعد الأميركية في المنطقة علناً. ويقول أحد الدبلوماسيين: "هذا بالتأكيد ليس الوقت المناسب لمثل هذا النقاش". فالحديث عن إغلاق بعض القواعد، التي استهدفت إيران عدداً منها خلال الحرب، أو حتى تقليصها، سيجعل أميركا تبدو وكأنها تتخلى عن حلفائها في وقت محنتهم. لكن من المرجح أن تدفع الحرب أميركا بعيداً عن الإبقاء على منشآت كبيرة ودائمة.
وكانت القاعدة البحرية الأميركية في البحرين من المواقع النادرة في الشرق الأوسط التي يُسمح فيها للعسكريين باصطحاب عائلاتهم. ومن غير المرجح أن تعود إلى حجمها السابق الذي كان يقترب من 10 آلاف شخص. وقبل الحرب، كانت قطر مستعدة لإنفاق 10 مليارات دولار لتحديث قاعدة العديد خارج الدوحة، التي تستضيف المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية. ولا تزال مستعدة لاستثمار المبلغ، لكن من غير الواضح ما إذا كان الأميركيون يريدون ذلك.
ويقول مسؤولون في عدة دول إنهم يأملون في التفاوض على قواعد جديدة بشأن كيفية استخدام هذه القواعد. وقد بدأوا بالفعل فرض قيود مؤقتة؛ ففي أيار/مايو، أحبطت السعودية محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز عندما منعت الطائرات الحربية الأميركية من استخدام مجالها الجوي. وفي أماكن أخرى من المنطقة، بدأت أميركا بالفعل طريقها نحو الانسحاب. فقد أنهت انسحابها من قواعدها في سوريا هذا الربيع، ومن المقرر إخلاء قواعدها في العراق بحلول نهاية أيلول/سبتمبر، مع الإشارة إلى أن الخطتين سبقتا الحرب.
وسيكون لأعدائها رأي أيضاً. تخيل أسوأ سيناريو: أن تؤدي حرب ترامب مع إيران إلى نظام مسلح نووياً قادر على فرض حق نقض على حركة المرور عبر هرمز. في هذه الحالة، ستجد أميركا صعوبة في الإبقاء على قواعد في دول الخليج الساحلية. وفي المقابل، إذا سقط النظام، فستقل الحاجة إلى تلك القواعد؛ إذ إن شرق أوسط من دون الجمهورية الإسلامية سيكون أقل عدائية بكثير تجاه المصالح الأميركية.
واشنطن تعيد حساباتها في الشرق الأوسط
ومهما كانت الطريقة التي تنتهي بها الحرب، فلن تكون إيران التهديد الوحيد الذي تواجهه أميركا. فقد تزامنت حقبة أقصى درجات التدخل الأميركي في الشرق الأوسط مع فترة من الهدوء النسبي في أماكن أخرى. كانت أوروبا تنعم إلى حد كبير بالسلام، وكانت الصين قوة صاعدة، لكنها لم تكن بعد قوية بما يكفي لتحدي أميركا في المحيط الهادئ. وأصبحت استراتيجية "التحول نحو آسيا"، التي اقترحها أوباما للمرة الأولى، مادة متكررة للسخرية في واشنطن؛ إذ كان كل "تحول" ينتهي بدورة كاملة من 360 درجة. لكن العالم يبدو اليوم أكثر خطورة بكثير. ولا يستطيع البنتاغون تحمّل إبقاء خُمس حاملات طائراته في الخليج أو استنزاف مئات الصواريخ الاعتراضية والذخائر الموجهة النادرة في القتال ضد إيران.
وستفرض السياسة الداخلية قيداً إضافياً. فمنذ أن صعّد ليندون جونسون دور أميركا في فيتنام، لم يسبق لرئيس أن أضرّ بولايته إلى هذا الحد بسبب حرب خارجية. وسيأخذ الطامحون إلى خلافة ترامب ذلك في الحسبان. جيه دي فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه مرشحاً بارزاً لنيل ترشيح الحزب الجمهوري، من المشككين علناً في حروب الشرق الأوسط، وكذلك عدد من خصومه الديمقراطيين المحتملين. أضف إلى ذلك تدهور النظرة إلى "إسرائيل": فقد أظهر استطلاع لمركز "بيو" في أيار/مايو أن 62% من الأميركيين لديهم نظرة سلبية إلى الحكومة الإسرائيلية، بزيادة 19 نقطة مقارنة بعام 2022. كما أن التوافق المؤيد لـ"إسرائيل"، الذي أسهم في تشكيل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، آخذ في التراجع.
والتقليص لا يعني الانسحاب. ستظل لأميركا مصالح في الشرق الأوسط. وتُعد مكافحة الإرهاب من الموضوعات النادرة التي يمكن للجميع الاتفاق عليها؛ فعندما هدد تنظيم "الدولة الإسلامية" بلاد الشام، وجدت أميركا وإيران نفسيهما تقاتلان في الجانب نفسه. وحتى أميركا الأقل انخراطاً قد تستمر في تنفيذ هجمات على تنظيم "القاعدة" وجماعات أخرى. وستواصل بيع الأسلحة لحلفائها، والتفاوض على اتفاقات تجارية، ورعاية محادثات السلام. ومن المرجح أن تستمر المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل" لسنوات، رغم أن بعض استطلاعات الرأي تُظهر أن أكبر شريحة من الأميركيين تعارضها.
أميركا تتراجع.. من يملأ الفراغ؟
ما سيتغير هو فكرة أميركا بوصفها الضامن الأمني للمنطقة والقوة التي تحل مشكلاتها، أو، كما يقول مسؤول خليجي: "نتصل بواشنطن كلما واجهتنا مشكلة". وتقدم التطورات الأخيرة في اليمن لمحة عما يعنيه ذلك.
لم يرفض ترامب فقط طلبات متعددة من الأمير محمد لشن غارات جوية في اليمن، بل أجرى ممثلوه أيضاً محادثات في عُمان مع مبعوثين من الحوثيين، تعهدوا خلالها بالالتزام بوقف إطلاق النار لعام 2025 والامتناع عن مهاجمة السفن الأميركية في البحر الأحمر. وقد يكون ذلك لمسة ترامبية بامتياز؛ إذ يصعب تخيل رؤساء آخرين يعقدون صفقات جانبية مع جماعات مصنفة إرهابية. لكن التردد في الانخراط سيستمر بعد رحيله.
ولا يستطيع أحد من خارج المنطقة ملء الفراغ. فأوروبا أضعف من أن تفعل ذلك. وعندما طلبت السعودية المساعدة، عرضت بريطانيا طائرة واحدة للتزود بالوقود جواً. أما روسيا فلا تملك القدرة، إذ إنها غارقة في أوكرانيا، ولا الإرادة، إذ عرضت المساعدة على الحوثيين إلى حد كبير نكاية بأميركا. وهي ترى نفسها مستفيدة من الاضطرابات الإقليمية، لا مرشحة لإنهائها. أما الصين، فلا تمتلك خبرة حديثة في عمليات عسكرية جدية خارج حدودها.
وهذا يترك المهمة لدول المنطقة، وأقواها ثلاث دول غير عربية. تمتلك إيران صواريخها ووكلاءها، بينما تمتلك "إسرائيل" أقوى "جيش" في الشرق الأوسط. وبمعنى ما، تشكلان صورتين متقابلتين: فكلتاهما قوية بما يكفي لتعطيل نظام إقليمي، لكنهما ليستا قادرتين على بناء واحد. أما الدولة الثالثة فهي تركيا، قوة عسكرية ودبلوماسية ومُصدّر متنامٍ للأسلحة. وقد تدخلت بصورة حاسمة في صراعات سابقة. فالمتمردون الذين أطاحوا الأسد في نهاية المطاف قضوا سنوات تحت الحماية التركية، كما صدت القوات التركية أمير حرب حاول السيطرة على العاصمة الليبية عام 2019. لكن إيران و"إسرائيل" والعديد من الدول العربية تنظر إلى تركيا بعين الريبة.
الخليج يبحث عن السلاح والحلفاء خارج واشنطن
وعلى المدى القصير، من المرجح أن تنقسم المنطقة إلى كتل، مع اصطفاف الدول العربية إلى جانب قوى غير عربية. أما الاستقرار على المدى الطويل، فسيتطلب من الدول العربية الاضطلاع بدور أكبر. ولتحقيق ذلك، ستحتاج إلى جيوش أفضل، وتحالفات أقوى، وإلى أكثر الأمور استعصاءً: التعاون.
وهناك مؤشرات مبكرة إلى إدراكها ضرورة التغيير، على الأقل لدى الدول الغنية والمستقرة في الخليج. ولنأخذ جيوشها مثالاً. فقد أمضت دول الخليج عقوداً في شراء معدات عسكرية أميركية باهظة الثمن، ولم تكن جميعها مفيدة في الحروب التي وجدت نفسها تخوضها.
ومع تغيّر قوائم مشترياتها، ستبحث عن موردين جدد. فقد أثبتت إيران قيمة امتلاك برنامج للصواريخ الباليستية. ولا تستطيع السعودية شراء هذه الصواريخ من أميركا، لكنها حصلت بالفعل على صواريخ من الصين، وربما استخدمتها ضد الحوثيين هذا الشهر.
كما يتوق الجميع في العالم العربي إلى شراء طائرات مسيّرة من تركيا، وهي من أبرز الدول المصنعة لها. وفي وقت سابق من هذا العام، وقّعت الإمارات العربية المتحدة اتفاقاً لمدة عشر سنوات لشراء طائرات مسيّرة أوكرانية. ويتضمن الاتفاق بنداً للإنتاج المشترك، إذ ستُبنى مصانع جديدة لتصنيعها. ويتماشى ذلك مع توجه متزايد في الإمارات وغيرها نحو تصنيع الأسلحة محلياً.
وهي تبحث أيضاً عن حلفاء جدد. فمنذ تموز/يوليو، أعلنت السعودية اتفاقاً للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، وتحالفاً بحرياً لتأمين البحر الأحمر يضم أكثر من اثنتي عشرة دولة. وكاتفاقات عسكرية، لا تزال هذه الترتيبات غامضة وطموحة. فالتحالف البحري، على سبيل المثال، يضم بنغلادش، التي تبعد 5000 كيلومتر ولا تمتلك قوة بحرية كبيرة قادرة على العمل في أعالي البحار. لكنها تُظهر الاتجاه العام. وسيظهر مزيد من هذه التحالفات المخصصة لأغراض محددة؛ بعضها سيكون قصير الأجل، وبعضها الآخر قد يستمر.
أي نظام إقليمي بعد الحقبة الأميركية؟
وقبل كل شيء، ستحتاج الدول العربية إلى الاتفاق على نوع المنطقة التي تريدها. فقبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان من الشائع سماع مسؤولين خليجيين يتحدثون عن "شرق أوسط جديد"، يركّز على جني المال أكثر من خوض الحروب. كانت فكرة جميلة، لكنها غير واقعية في منطقة مليئة بالصراعات المستعصية والحكومات العاجزة. واليوم، لا تستطيع السعودية والإمارات حتى العمل معاً في اليمن، على الرغم من أن الحوثيين يشكلون خطراً على كلتيهما. كما لم تتحول جامعة الدول العربية ولا مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم ست دول ملكية نفطية، إلى مؤسسات فاعلة.
وكانت مثل هذه أوجه القصور نتيجة حتمية للحقبة الأميركية في الشرق الأوسط. فلم تتشارك أميركا وحلفاؤها الإقليميون أجندة سامية. ولم يكن هناك مشروع ليبرالي ديمقراطي يجمعهم، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. كما لم تعزز أميركا نمط النمو الاقتصادي الذي سعت إليه في آسيا. بل أرادت ببساطة إبقاء النفط متدفقاً، وحماية "إسرائيل"، والحفاظ على قواعدها، ولاحقاً أضافت إلى القائمة سحق الجماعات الجهادية. ولم يتطلب أي من هذه الأهداف أن تكون الدول العربية قوية أو مزدهرة؛ بل إن بعضها كان أسهل تحقيقاً إذا لم تكن كذلك. وكان هذا مناسباً لحلفائها، الذين انصب اهتمامهم أساساً على بقاء أنظمتهم.
وقد نجحت في تحقيق كل ذلك، لبعض الوقت. لكن قواعدها اليوم تعرضت للضرب، وناقلات النفط التابعة لها تتعرض للهجمات، وأقرب حلفائها، "إسرائيل"، في حالة حرب منذ ثلاث سنوات. وحتى لو لم يكن ترامب قد حطم هذا النظام بتهور، فإن ما بنته أميركا خلال الأعوام الـ35 الماضية لم يكن متيناً على الإطلاق؛ فقد كان عدد كبير جداً من دول المنطقة ضعيفاً أو منقسماً أو فاشلاً. ومن دون ضامنها القديم الذي كانت تعتمد عليه، ربما ستضطر الآن إلى بناء شيء أفضل بنفسها.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.