"ذا إنترسبت": "نيويورك تايمز" تتجاهل عمداً المخاطر الحقيقية للهجمات على حرية التعبير
نشرت الصحيفة سرداً مطوّلاً لهجمات ترامب على الصحافة، من دون أن تذكر "إسرائيل" أو غزة أو إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) على الإطلاق.
-
"ذا إنترسبت": "نيويورك تايمز" تتجاهل عمداً المخاطر الحقيقية للهجمات على حرية التعبير
موقع "ذا إنترسبت" الأميركي ينشر تقريراً ينتقد فيه معالجة صحيفة "نيويورك تايمز" لحملة إدارة دونالد ترامب ضد الصحافة وحرية التعبير في الولايات المتحدة.
ويقرّ الكاتب بأنّ الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية تمثّل تهديداً حقيقياً وخطيراً، لكنه يرى أنّ "نيويورك تايمز" ضيّقت إطار القضية حين ركّزت على الصحافة بوصفها الضحية الأساسية لهذه الهجمات.
وبحسب التقرير، فإنّ الاعتداء على حرية التعبير لا يقتصر على غرف الأخبار، بل يمتد إلى فئات أوسع في المجتمع، من المتظاهرين والمهاجرين إلى المتضامنين مع فلسطين في الجامعات، فضلاً عن الفلسطينيين الذين يواجهون الحرب في غزة. ويعتبر الكاتب أنّ جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ما يتعرّض له الصحافيون، بل في تآكل الحريات واتساع نطاق القمع ليشمل أولئك الذين يدفعون الثمن الأكبر خارج المؤسسات الإعلامية.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً تقريراً شاملاً يرصد حملة الرئيس دونالد ترامب ضد الصحافة الأميركية؛ بدءاً من وصول عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى منازل المراسلين، مروراً بإصدار أوامر قضائية للحصول على سجلات الصحافيين، وفرض قيود على الوصول إلى المعلومات في البنتاغون، وممارسة ضغوط تنظيمية على الشبكات التلفزيونية، ورفع دعاوى قضائية عديدة ضد المؤسسات الإخبارية، وصولاً إلى تسييس عمل "لجنة الاتصالات الفيدرالية" بشكل متزايد.
وكتب مراسلا الصحيفة، ماغي هابرمان وجيم روتنبرغ: "بعد مرور نحو 20 شهراً على بدء ولاية السيد ترامب الثانية، تحولت صداماته الإعلامية المستمرة منذ فترة طويلة إلى حملة واسعة النطاق للسيطرة على حرية التعبير في أميركا؛ وهي حملة تتميز باستخدام أدوات ضغط متعددة، بوتيرة سريعة وفي آن واحد. ففي كل مرة يهاجم فيها الرئيس ما طالما اعتُبر خطاباً محمياً... فإنه يقوّض الأعراف ويضعف دور الصحافة المستقلة".
وبالمجمل، فإنّ هذا السجل يمثّل إدانة صارخة. كما يصعب قراءة هذا التقرير من دون ملاحظة من يظهر في كل مشهد تقريباً: نحن.
المراسلون. المحررون. مقدمو البرامج التلفزيونية. الشبكات. الناشرون. محاموهم. والموارد والمعلومات التي باتت صناعتنا تعتمد عليها اعتماداً كبيراً.
صحيفة "التايمز" محقة بشأن التهديد. لقد استغل ترامب بالفعل الوكالات الحكومية والدعاوى القضائية الخاصة ضد المؤسسات الإخبارية بطرق تهدد التعديل الأول للدستور بشكل خطير، على الرغم من أنّ القضاة انتقدوا مراراً وتكراراً أجزاءً من استراتيجية الإدارة القانونية. لكنّ هجمات ترامب على حرية التعبير تجاوزت مجال الصحافة بكثير، من المتظاهرين ضد إدارة الهجرة والجمارك في لوس أنجلوس إلى أعضاء هيئة التدريس المتضامنين مع فلسطين في الجامعات.
ولكن، في مرحلة ما، بدأت الصحافة الأميركية تخلط بين أمرين: حرية الصحافة، والظروف التي اعتادت ممارسة عملها في ظلها. وهذان الأمران ليسا متطابقين. لم تكن حرية التعبير حرة قط.
لقد انتُزعت انتزاعاً. شُحذت ووُسّعت، وكُبتت وأُعيد إحياؤها، غالباً على أيدي أولئك الذين آثروا معاناة الآخرين وسلامتهم على سلامتهم الشخصية.
في عام 1892، أي بعد ما يزيد قليلاً على عقدين من تعافي البلاد ولمّ شملها عقب الحرب، تصدّت "آيدا بي. ويلز" في صحيفتها "ممفيس فري سبيتش آند هيدلايت" (Memphis Free Speech and Headlight) للأكاذيب التي كان يستخدمها إرهابيون بيض في مدينة ممفيس لتبرير عمليات القتل الغوغائي (الإعدام خارج نطاق القانون) بحق الرجال السود.
ورداً على ذلك، اقتحمت مجموعة غوغائية مكتبها ودمّرت معدات الطباعة الخاصة بالصحيفة؛ ولحسن الحظ، كانت ويلز خارج المدينة آنذاك. ورغم تهديدها بالقتل في حال عودتها، واصلت تحقيقاتها من الشمال. لم يكن هناك "عشاء مراسلي البيت الأبيض"، ولا منصة رئاسية مخصصة للصحافة تُدعى إليها، ولا جوائز صحفية مرموقة. وبصفتها امرأة سوداء، لم تكن تملك حتى حق التصويت؛ وفي ظل عزلتها، كان حمل مسدس أفضل وسيلة لضمان سلامتها أثناء أداء عملها.
وكتبت ويلز في كتابها، الذي تناولت فيه المقايضة الشخصية المؤلمة التي اضطرت إلى القيام بها من أجل مواصلة عملها، قائلة: "لا أشعر بأي سرور لأنني خضتُ في غمار الفساد الذي أكشفه هنا. لا بد أن يبيّن أحدهم أنّ العرق الأميركي من أصل أفريقي هو ضحية للظلم أكثر من كونه مرتكباً له، ويبدو أنّ هذه المهمة قد أُلقيت على عاتقي".
لقد تعايشت مشاعر الخوف والإرهاق والعزلة لديها مع واقع أكبر وأشد وطأة: أجساد حقيقية، وعنف ملموس، وظلم معيش.
سأكون صريحاً: تسود حالة من الكآبة. أكتب هذه السطور بصفتي صحافياً تملّكه شعور بالإحباط أثناء تنقّله بين المؤتمرات السنوية للقطاع، وغرف الأخبار، وجلسات الغداء العملية؛ إذ يخيّم شعور ملموس بالوجل على معظم النقاشات، وسط إقرار بأنّ العالم بات أقل عدلاً وأقل استقراراً، وأكثر صعوبة بمراحل.
نناقش كلّ شيء، باستثناء ضرورة تحقيق الانتصار، والأهم من ذلك: لمن سيكون هذا الانتصار؟
لا تزال الغارات الجوية والهجمات الإسرائيلية الأخرى تحصد أرواح الفلسطينيين في غزة وتُهجّرهم؛ وقد أفادت الأمم المتحدة الشهر الماضي بأنّ النقص في المستلزمات الطبية والقيود المفروضة على الإمدادات الحيوية يواصلان تقويض نظام صحي يعاني أصلاً من دمار هائل.
أما في الضفة الغربية، فيُشكّل عنف المستوطنين، المدعوم من "الجيش" الإسرائيلي، تهديداً يومياً ومتزايداً. وقد أودت الحرب الإسرائيلية على غزة بحياة ما يقرب من 300 صحافي؛ وهو عدد يفوق إجمالي عدد الإعلاميين الذين قُتلوا في الحربين العالميتين، وحروب فيتنام ويوغوسلافيا وأفغانستان مجتمعة.
لقد أدّت صحيفة "التايمز"، على وجه الخصوص، دوراً يفوق ما قامت به أيّ وسيلة إعلامية أخرى تقريباً في إضفاء طابع مقبول على مبرّرات أعمال القتل والدمار المستمرة هذه، وفي فرض رقابة صارمة على اللغة المسموح لنا باستخدامها عند مناقشة هذا الأمر. ومع ذلك، لم يحظَ هذا السلوك بأي ذكر في تقرير الصحيفة الذي استعرض قضايا "الاعتداء على حرية التعبير".
وفي الولايات المتحدة، بلغ عدد حالات الاعتقال التي نفّذتها إدارة الهجرة والجمارك (ICE) ما يقرب من 51 ألف حالة في شهر آب/أغسطس وحده، بالتزامن مع توسيع إدارة ترامب بشكل كبير نطاق إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة.
ولم يكن لدى العديد من المحتجزين أيّ سجل جنائي، في حين لا تزال المحاكم تنظر في النزاعات القانونية المتعلقة بممارسات الاحتجاز التي تتبعها الإدارة. وقد أفادت جهة رقابية تابعة لوزارة الأمن الداخلي، يوم الاثنين، بأنّ المهاجرين في سجن "أليغيتور ألكاتراز" بولاية فلوريدا، الذي أُغلق لاحقاً، كانوا يُحتجزون لأكثر من ساعة في المرة الواحدة داخل أقفاص معدنية خارجية تُعرف بـ"مناطق التهدئة"، وهي مساحات بالكاد تفوق في حجمها كشك الهاتف.
إنّ الإكراه الحكومي ومحاولات التعتيم أمران شاقان، لكنهما لا يُقارنان، بأي حال، بوطأة الموت والقهر والعجز الذي يعانيه الضحايا.
وعلى حد تعبير "ويلز": لقد عشت تجربة مريرة تمثّلت في تغطية أحداث عنف طالت الأمة، كما عشت أيضاً مرارة تجرّع هذا العنف والعيش في خضمه.
لا شيء في عملي اليومي يضاهي الألم، أو الأثر الدائم، لانتزاع شخص عزيز من أحضان الأسرة، أو الظلم المستمر مدى الحياة الناجم عن النبذ العنصري، أو العذاب النفسي المؤرق الذي تتركه تلك الأحداث إرثاً ثقيلاً.
ونتيجة لذلك، ينتابني شعور مقلق ومضطرب، يقترب من الغثيان، حين أستمع إلى قصص صحافيين سُحقوا تحت وطأة السلطة، لأجد بعدها أنّ الشكاوى المتعلقة بأذيتنا نحن قد علت أصواتها إلى درجة أنها بدأت تحجب المعاناة التي يعيشها الآخرون خارج نطاقنا.
ولعل هذا هو جوهر الهدف من تلك الهجمات في المقام الأول: إيذاؤنا حتى تصبح جراحنا هي الأفق الوحيد الذي نراه، ودفعنا، من خلال الألم، إلى نسيان أولئك الذين يعانون معاناة أشد وطأة.
علينا أن نناضل بقوة أكبر من أجل الحقيقة؛ ليس لأنّ الصحافيين هم الضحايا الرئيسيون لتآكلها، بل لأنّ الأشخاص الذين يدفعون ثمناً باهظاً للغاية خارج جدران غرف الأخبار هم السبب الحقيقي وراء قيامنا بهذا العمل من الأساس.
أولئك الذين يتضوّرون جوعاً في غزة بمشيئة الولايات المتحدة؛ وأولئك الذين يعانون ويموتون في أنحاء العالم بعد سحب المساعدات الطبية؛ وملايين الأميركيين الذين يقفون على حافة الانهيار بسبب أزمة واحدة، بعد أن حُرموا من الرعاية الصحية.
وقد يفسر هذا التباين أيضاً سبب تزايد استخفاف الأميركيين، وإبدائهم الضجر، حين يصف الصحافيون التهديدات التي تواجه الصحافة بأنها تهديدات للديمقراطية.
في عام 2025، كشفت مؤسسة "غالوب" أنّ 28% فقط من الأميركيين يثقون في الصحف والتلفزيون والإذاعة لنقل الأخبار بشمولية ودقة وإنصاف؛ وهي أدنى نسبة سُجّلت على الإطلاق. وللمقارنة، كانت هذه النسبة تتراوح بين 68% و72% عندما بدأت "غالوب" طرح هذا السؤال في سبعينيات القرن الماضي.
وثمة أسباب عديدة لهذا التراجع الحاد، بدءاً من تزايد الاستقطاب الحزبي وتفتت المشهد الإعلامي، وصولاً إلى تراجع قطاع الأخبار المحلية وتآكله.
لكنني أتفهّم بعضاً من تلك الريبة. أتفهّم لماذا لا يرغب أحد في الاستثمار في منتج ينتمي إلى قطاع يرفض الإقرار بأنه يسعى إلى "الانتصار".
وعندما أقول "الانتصار"، فإنني أعني أمراً بات الصحافيون يشعرون بحرج غريب من الاعتراف بأننا نريده: وهو جعل إساءة معاملة البشر أمراً أكثر صعوبة من دون أن يعلم بذلك أحد.
لا شيء في هذه المهمة ينطوي على الحياد. ولم يكن الأمر كذلك يوماً.
ربما ينبع الخطأ من تصوّر الحرية، وبالتالي حرية الصحافة، على أنها "مُلكية" وليست "ممارسة"؛ أي اعتبارها حقاً موروثاً وجاهزاً، بدلاً من كونها قدرةً تتطلب العمل عليها واختبارها والنضال من أجلها كلما ارتفعت تكلفة ممارستها.
في كتابه الصادر عام 1951 بعنوان "المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية"، لخّص الكاتب إريك هوفر جاذبية الفاشية في خمس كلمات مقلقة نطق بها شاب نازي متحمس: "أن نتحرر من الحرية".
وقد استخدم هوفر هذه العبارة لاستكشاف احتمال غير مريح: ألا تكون الحرية سمة فطرية في العقل البشري، بل شيئاً أشبه بالعضلات؛ فهي تقوى تحت وطأة الضغط وتنمو عبر المقاومة، بينما تضمر وتضعف إذا تُركت من دون استخدام.
وتخضع حرية الصحافة للقاعدة ذاتها؛ إذ لا تُقاس قيمتها بمدى سهولة ممارسة الصحافيين لها، بل بما يتبقّى منها ويصمد حين تتخذ السلطة موقفاً عدائياً.
إنّ مهمتنا تكمن في مواساة المتألمين وإقلاق راحة المترفين؛ أما راحة الصحافيين أنفسهم، فلم تكن يوماً جزءاً من هذه المعادلة.
نقله إلى العربية: الميادين نت.