"ذا أتلانتيك": هكذا اختارت أميركا عدم محاسبة الأقوياء
"ذا أتلانتيك" الأميركية تتحدث عن مفهوم "الإفلات من العقاب" في الولايات المتحدة، وإعطاء رؤساء واشنطن وأصحاب النفوذ، الذرائع للاستمرار في جرائمهم.
-
"ذا أتلانتيك": هكذا اختارت أميركا عدم محاسبة الأقوياء
أفادت مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية، في تقرير، بأن إحدى طرق النظر إلى صعود الرئيس دونالد ترامب هي اعتباره جزءاً من رد فعلٍ استمر لعقود بين الطبقة القيادية الأميركية تجاه فكرة المساءلة، فمنذ إجبار ريتشارد نيكسون على الاستقالة، عمل أصحاب النفوذ في كلا الحزبين السياسيين بجدٍّ لضمان إفلات قادتهم من عواقب أفعالهم.
وأشار التقرير إلى أن ترامب استطلاع الإفلات العقاب على جرائم تتراوح بين مخالفات تمويل الحملات الانتخابية، ومحاولته قلب نظام الحكم الفيدرالي في أعقاب خسارته في انتخابات 2020، وأن هذا الإفلات لم يقتصر على ترامب وحده، بل إن إفلاته من العقاب هو نتاج مجتمع أوسع سعى لحماية الأثرياء وأصحاب النفوذ من المحاسبة بسبب سلوكهم الإجرامي.
وأكد التقرير أن الكونغرس والرئاسة عملا على رفع سلطة السلطة التنفيذية فوق القانون، في حين أدت المحكمة العليا دوراً في تقويض تطبيق قوانين مكافحة الرشوة والفساد، وخصوصاً من خلال سلسلة من الأحكام المتعلقة بتمويل الحملات الانتخابية التي سمحت للأثرياء بشراء الانتخابات بطريقة رسمية، إذ ضمنت محكمة روبرتس للأثرياء إمكانية شراء الانتخابات دون مخالفة القانون بشكل رسمي.
وأوضح التقرير أن السياسيين أصبحوا مدينين لمئات المليارديرات الذين ينفقون مبالغ هائلة في كل دورة انتخابية، وأن الحصول على إدانة بالرشوة في الولايات المتحدة يحتاج إلى جهد كبير، مستشهداً بحالة السيناتور الديمقراطي السابق بوب مينينديز الذي أُدين بعد ضبط سبائك ذهبية في منزله.
وأشار كذلك إلى أن ترامب، عند توليه الرئاسة لأول مرة، أوقف تطبيق قوانين الرشوة الأجنبية، مع مؤشرات على نيته استخدامها ضد خصومه السياسيين، على غرار ما فعل الرئيس المجري فيكتور أوربان.
وأضاف أن هذا التآكل لقوانين مكافحة الفساد حظي بتأييد الحزبين، ففي عام 2016، نقضت المحكمة العليا الأميركية بالإجماع إدانة حاكم ولاية فرجينيا السابق، بوب ماكدونيل، بتهمة تلقي هدايا من متبرعين. ومنذ ذلك الحين، دأبت محكمة روبرتس على تقويض قوانين مكافحة الفساد تدريجياً.
وعام 2024، تبين أن القانون الفيدرالي لا يمنع تلقي "المكافآت" التي تُقدم بعد إتمام "الأعمال الرسمية"، وهذا الأمر لا يخدم مصالح السياسيين فحسب، بل يخدم أيضاً مصالح القضاة الذين ينعمون بنمط حياة باذخ ممول من قبل مليارديرات لهم مصالح أمام المحكمة، بحسب "ذا أتلانتيك".
"الرئيس الأميركي مخوّل بارتكاب الجرائم في سياق مهامه الرسمية"
وأدى منطق سعي محكمة روبرتس لتقنين جرائم "ذوي الياقات البيضاء" إلى قضية ترامب ضد الولايات المتحدة، التي قضت عام 2024 بأن الرئيس مخوّلٌ أساساً بارتكاب أي جرائم يشاء في سياق "مهامه الرسمية"، وهو ما يحمي ترامب، وربما الرؤساء المستقبليين، من الملاحقة الجنائية الفيدرالية عن أي تصرفات "رسمية" أثناء توليهم المنصب.
وأضاف التقرير، أنه على الرغم من أن بعض هذه القرارات كانت أكثر قابلية للدفاع عنها من غيرها، إلا أنها مجتمعة تشير إلى نمط من تضامن الطبقة النخبوية: أشخاص ذوو نفوذ يحرصون على أن الأشخاص ذوي النفوذ نادراً ما يواجهون عواقب حقيقية.
وأبرز التقرير أن حركتي MeToo# وBlack_Lives_Matter# شكّلتا ردّ فعل قصيرة ضد ثقافة الإفلات من العقاب، لكنها لم تستمر بسبب ردّ فعل عنيف أعادت الاعتبار لإفلات النخبة من العقاب.
وأشارت "ذا أتلانتيك" إلى أن هذا لا يعني أن الأثرياء وأصحاب النفوذ لا يُحاسبون أبداً، إذ يُعدّ مينينديز مثالاً معاكساً، وإبستين نفسه "كان مليارديراً توفي في زنزانة"، لكن لم تُؤخذ جرائمه على محمل الجد من قِبل السلطات إلا بعدما كشفت الصحفية جولي براون حجم جرائم إبستين واستجابة أجهزة إنفاذ القانون المتساهلة على مدى عقود.
ترامب: "دعونا نفلت من العقاب على ما نفعله"
وأضاف التقرير أن كثيراً من الأميركيين الذين كان يمكن أن يغضبوا من النظام القائم، وجهوا غضبهم نحو الفقراء، مؤيدين نظاماً قضائياً صارماً، يُعاقب بشدة من هم في أسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي، بينما يُعفى أصحاب النفوذ من أي مساءلة، وأن ترامب نفسه استثمر هذا الواقع في محكمة الرأي العام، مقدماً عرضاً ضمنياً لجمهوره: "دعونا نفلت من العقاب على ما نفعله، وستفلتون أنتم أيضاً".
وقال التقرير إن هذا يجعل ارتكاب المجازر أو التفجيرات أمراً "مبرراً" لقادة أميركا، بيبنما يُحاسب الناس إذا تجاوزوا مدة إقامتهم في البلاد، أو أخطأوا بأمور بسيطة.
وأشار التقرير إلى أن حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" قدّمت صفقة ضمنية: "ليس فقط أن تكون متعصباً تجاه أي فئة تُثير غضبك بوجودها، بل سيُجبر الجميع على حبك واحترامك على أي حال"، باعتبار أنه كان "وعداً مستحيلاً الوفاء به، لكن السياسيين يُطلقون وعوداً مستحيلة باستمرار"، وأضاف: "يكتفي العديد من الأميركيين بالعيش بشكل غير مباشر من خلال إفلات ترامب من العقاب، حتى وإن لم يتمكنوا من مشاركته".
"أميركا فريدة من نوعها في تبنيها لإفلات النخب من العقاب!"
ويختتم الكاتب تقريره بالقول: "لا أريد المبالغة في القول بأن أميركا فريدة من نوعها في تبنيها لإفلات النخب من العقاب. صحيح أن البرازيل وكوريا الجنوبية تُعتبران استثناءً في التزامهما بالدفاع عن نزاهة ديمقراطيتهما ضد فساد الأثرياء وأصحاب النفوذ، لكنهما لا تُقدمان نفسيهما كدولة لا غنى عنها، أو كنموذج يُحتذى به، أو كمثال يُقتدى به في جميع الديمقراطيات الأخرى".
وأضاف أن سر مواجهة أصحاب النفوذ للعواقب في أجزاء من العالم هو أن الإفلات من العقاب أصبح مشروعاً وطنياً أميركياً -نادراً ما يحدث ذلك في الولايات المتحدة- وأن أي محاولة لفهم الاستثنائية الأميركية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذا النظام الذي يضمن "امتياز الأثرياء وأصحاب النفوذ"، بينما يبقى عامة الناس بعيدين عن هذا الامتياز، مهما حاولوا المشاركة فيه.