"بلومبرغ": هوس ترامب بصناعة إرث تاريخي يعرّض العالم لخطر كبير

ستظل أخطاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجسيمة هي ما سيُخلِّد ذكراه أكثر من أي شيء آخر.

0:00
  • "بلومبرغ": هوس ترامب بصناعة إرث تاريخي يعرّض العالم لخطر كبير

وكالة "بلومبرغ" الأميركية تنشر مقالاً يتناول سياسة دونالد ترامب في ولايته الثانية ومحاولته إعادة تشكيل النظام الدولي عبر الإكراه الاقتصادي والعسكري، وكيف أدّت هذه السياسة، بحسب النص، إلى نتائج عكسية في كثير من الأحيان.

كما يناقش المقال كيف يمكن لسياسة "أميركا أولاً" والاعتماد على الإكراه أن تضعف النفوذ الأميركي بدلاً من تعزيزه، وتدفع الحلفاء والخصوم إلى تنويع خياراتهم بعيداً من واشنطن.
 
 أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

نادراً ما بدا النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية بهذا القدر من الفوضى. فقد رسّخت الحرب الأميركية، التي استمرت ستة أشهر ضد إيران وأغلقت مضيق هرمز، ورفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية. ورغم وعد دونالد ترامب بإنهاء الصراع في أوكرانيا "في اليوم الأول"، فإنه لا يزال مستعراً بلا هوادة. وفي الوقت نفسه، يُبدّل الرئيس باستمرار بين أعداء الولايات المتحدة وحلفائها، فيُغازل كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، بينما يُضعف العلاقات مع كوريا الجنوبية، ويُطلق تهديدات جديدة لانتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في حلف "الناتو"، ويُشعل حرباً تجارية ونزاعاً عبثياً حول تسمية البحيرات العظمى مع كندا، حليفة أميركا السابقة في الشمال.

إحدى الكلمات المفضلة لدى ترامب هذه الأيام لوصف رئاسته هي "مؤثرة". فهو يريد أن يُنظر إليه كقائد تاريخي أعاد رسم خريطة العالم وغيّر مسار التاريخ. داخلياً، تجلّى ذلك في تشييد النصب التذكارية، وهدم جناح من البيت الأبيض لإفساح المجال لقاعة احتفالات، رغم الاعتراضات القانونية والعملية الكثيرة، وإعادة تسمية أماكن باسمه وباسم الولايات المتحدة بوتيرة متسارعة. أما خارجياً، فقد تطلّب سعيه إلى تحديد إرثه شنّ حرب اقتصادية على نطاق غير مسبوق، وفي الحالات التي لم تُجدِ فيها هذه الحرب نفعاً ضمن إطار زمني مقبول، كما هو الحال في فنزويلا وإيران، استخدام القوة العسكرية. لكن الدول الأجنبية وقادتها ليسوا سهلي الإكراه كما هو الحال مع المشرّعين الأميركيين. ويبدو سعي ترامب، في ولايته الثانية، إلى أن تكون رئاسته "مؤثرة" سيئ التخطيط، وفي الوقت الراهن على الأقل، كارثياً بكل المقاييس.

تصاعدت حملة الرئيس في 2 نيسان/أبريل 2025، عندما وقّع أمراً تنفيذياً يُعلن فيه فرض رسوم جمركية شاملة على الواردات. وردّت الصين على هذه الرسوم، التي سُمّيت برسوم "يوم التحرير"، بفرض رسوم وقيود مماثلة على السلع الأميركية، ومنعت وصول الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة الضرورية لصناعات الطيران والدفاع وغيرها من الصناعات. وفي الوقت نفسه، عززت الدول الأوروبية، التي شعرت بالخيانة من شريكها القديم، علاقاتها في أميركا الجنوبية وآسيا والشرق الأوسط. واكتشفت هذه الدول أنها لم تعد بحاجة إلى أميركا بالقدر الذي كانت تعتقده سابقاً.

بدلاً من ذلك، كانت أميركا نفسها الضحية الرئيسية لتعريفات ترامب الجمركية. فقد اضطرت الشركات الأميركية وعملاؤها إلى دفع الرسوم، بينما وجد قادة الأعمال أنفسهم أمام بيئة خارجية أكثر عدائية، حيث يبحث الحلفاء القدامى عن بدائل لنماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، وخدمات الحوسبة السحابية، وحتى الدولار. يقول إدوارد فيشمان، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب "نقاط الاختناق: القوة الأميركية في عصر الحرب الاقتصادية": "العالم بأسره الآن يتوق إلى إيجاد حلول بديلة للنظام المالي الأميركي. لا يقتصر الأمر على كونه مشكلة من وجهة نظر القوة الأميركية، بل إنه يمثل مشكلة لشركاتنا وللديناميكية الاقتصادية الأميركية".

عندما لم يُجدِ الضغط الاقتصادي نفعاً، تطلّب سعي ترامب إلى تحقيق تأثير ملموس نهجاً أكثر حزماً. وقد نجح هذا النهج في فنزويلا في كانون الثاني/يناير، عندما قامت القوات الخاصة بإخراج الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من كاراكاس، ونصّبت زعيماً أكثر ميلاً إلى منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى احتياطياتها النفطية الهائلة. وبعد أن تشجّع ترامب ومستشاروه بنجاحهم، حاولوا تطبيق الخطة نفسها في إيران. وبالتنسيق مع "إسرائيل"، اغتالوا المرشد الأعلى علي خامنئي، وألحقوا ضرراً كبيراً بالبرنامج النووي الإيراني، ودفعوا إيران إلى استخدام نفوذها على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط العالمية.

في محاولته لترك بصمة راسخة في ولايته الثانية، أدرك ترامب أن الإكراه لا يحقق النتائج المرجوة دائماً. فالدول ذات السيادة لا تُقهر بسهولة، وقد يأتي الضغط بنتائج عكسية، إذ يُعزز الدعم حتى للقادة غير الشعبيين ويُقوّي عزيمتهم. وكوبا، وهي دولة أخرى على قائمة ترامب لتغيير الأنظمة، تُعدّ مثالاً حياً، على مدى سبعين عاماً، على قدرة الدول الاستبدادية على تحمّل الألم، وهي دول عازمة على تحدي الهيمنة الأميركية. أما الديمقراطيات، من جهة أخرى، فتميل إلى امتلاك عتبة ألم منخفضة نسبياً، إذ تتزعزع عند أول إشارة إلى ارتفاع أسعار الوقود، أو تباطؤ الاقتصاد، ولا سيما الخسائر البشرية في زمن الحرب.

أحد الأسئلة التي طرحتها مجلة "بلومبيرغ بيزنس ويك" في عدد تشرين الأول/أكتوبر هو الثمن السياسي الذي سيدفعه كبار مستشاري ترامب للشؤون الخارجية، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو. وبصفته سيناتوراً، كان روبيو من دعاة التدويل الدولي، ويبدو أنه كان مُلمّاً بحدود السياسة الاقتصادية والتدخل العسكري. لكن، على عكس أسلافه في ولاية ترامب الأولى، الذين حاولوا موازنة نزواته المتهورة، تنازل روبيو عن خبرته، ويرى أن وظيفته هي المساعدة في تنفيذ رؤية الرئيس "أميركا أولاً". وإذا لم تتحسن الأوضاع في الشرق الأوسط بحلول الانتخابات الأميركية عام 2028، فمن شبه المؤكد أن يكون هناك رد فعل عنيف ضد أي شخص مرتبط بهذا النهج.

في الوقت الراهن، أيقظت حملة ترامب الطموحة، الساعية إلى اعتباره أحد "عظماء" التاريخ، الأصدقاء والأعداء على حد سواء على نفوذهم على الولايات المتحدة. وقد ترتبت على ذلك عواقب لا شك فيها، لكنها لم تكن تلك التي تخيلها.

نقله إلى العربية: الميادين نت.