"بلومبرغ": من الشاحنات إلى المنازل.. أزمة الديزل تهدد الانتخابات النصفية في أميركا
أزمة الديزل قد تتحوّل من مشكلة طاقة وأسعار إلى أزمة تضخم وإمدادات وضغط سياسي تمتد آثارها إلى عام 2027.
-
"بلومبرغ": من الشاحنات إلى المنازل.. أزمة الديزل تهدد الانتخابات النصفية في أميركا
وكالة "بلومبرغ" الأميركية تنشر تقريراً يتناول أزمة الديزل في الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية والسياسية، في ظل ارتفاع أسعار النفط واضطراب عمل المصافي عالمياً.
ويركّز على أن ارتفاع سعر الديزل لا يقتصر أثره على سائقي المركبات، بل يمتد إلى الشحن والتصنيع والزراعة والبناء وسلاسل التوريد، ما قد يفاقم التضخم ويرفع الكلفة على المستهلكين.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
تبدأ السياسة الأميركية في مجال الطاقة وتنتهي عادةً بأسعار البنزين. وقد بلغت هذه الأسعار مستويات قياسية موسمية، لكن حتى سعر 4.44 دولارات للغالون يبدو ضئيلاً مقارنةً بسعر الديزل، الذي وصل الآن إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 6.40 دولارات. يتجاهل معظم السائقين هذا الجزء من لوحة الأسعار - فهي محطة وقود في نهاية المطاف - لكن أميركا لا تستطيع تجاهل الأمر. فالديزل لا يمثّل مشكلة سعرية وسياسية آنية فحسب، بل يفاقم أيضاً نقاط الضعف في الولايات المتحدة على عدة جبهات، وستستمر آثار ذلك طوال فصل الشتاء وحتى عام 2027.
يُكرَّر برميل النفط الخام إلى منتجات مختلفة، مثل البنزين والنفتا وغيرها. وأحد هذه المنتجات هو "زيت الوقود المقطر"، الذي يتكوّن من ديزل النقل، نحو 75% من الإجمالي، إضافةً إلى زيت الوقود المستخدم في تدفئة المنازل وتشغيل المولدات وغيرها من العمليات الصناعية. وتستهلك الولايات المتحدة في المتوسط نحو 3.9 ملايين برميل من المقطر يومياً، وهو أقل بكثير من استهلاك البنزين البالغ 8.8 ملايين برميل. لكن الديزل هو وقود التجارة، إذ يشغّل الشاحنات والقطارات والجرارات وغيرها، ما يعني أن سعره يؤثر في كل شيء: الخدمات اللوجستية، والتصنيع، والزراعة، والبناء، وحتى مراكز البيانات.
ويضيف ذلك عنصراً آخر معقّداً إلى التضخم المستعصي أصلاً، والذي، كما كتب زميلي جوناثان ليفين في "بلومبرغ أوبينيون" مؤخراً، يهدد بزعزعة استقرار توقعات الأسعار العامة. ويمكن تمرير الارتفاعات الطفيفة في أسعار الديزل عبر رسوم إضافية مؤقتة على عقود الشحن، لكن الزيادة المستمرة ستصبح، في نهاية المطاف، جزءاً لا يتجزأ من تلك العقود، وستصل إلى المستهلكين مع مرور الوقت عبر سلسلة التوريد.
ويبدو أن الارتفاع الحالي سيستمر. ويُعدّ وصول سعر النفط الخام إلى أكثر من 100 دولار بسبب الحرب الإيرانية عاملاً مهماً. وقد عجز محللو السلع في شركة "جي بي مورغان تشيس" عن التنبؤ بمآل هذا الارتفاع، وكتبوا: "ببساطة، لا نعرف كيف نرسم صورةً لما سيحدث في نهاية المطاف".
لكن من الواضح أن الأمر لا يقتصر على النفط الخام فحسب، بل يشمل أيضاً التكرير، إذ يجري تداول العقود الآجلة للديزل عند نحو 214 دولاراً للبرميل، ما يعادل سعر تجزئة يبلغ نحو 269 دولاراً. ويبلغ فرق السعر بين العقود الآجلة للديزل والنفط الخام، أو ما يُعرف بـ"هامش التكرير"، حالياً نحو 112 دولاراً للبرميل، أي أعلى من سعر النفط الخام نفسه، وهو أمر غير معتاد على الإطلاق.
وإلى جانب النفط الخام، أدت الحرب الإيرانية إلى تعطيل إنتاج المصافي الإقليمية وشحنات الوقود. وفي الوقت نفسه، اشتدت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على المصافي الروسية. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن صادرات الديزل الروسية والشرق أوسطية انخفضت مجتمعةً بنسبة 75% في آب/أغسطس مقارنةً بالعام الماضي. وعلى الصعيد العالمي، انخفض تشغيل المصافي بمقدار 4.2 ملايين برميل يومياً.
وعندما تتوقف المصافي عن العمل، تنخفض أسعار الأسهم. لكن الوضع مختلف قليلاً في الولايات المتحدة؛ فالمصافي تعمل بكامل طاقتها، ومع ذلك انخفضت أسعار الأسهم بشكل حاد.
وبلغ مخزون الولايات المتحدة من المشتقات النفطية نحو 104 ملايين برميل في نهاية آب/أغسطس، وهو أدنى مستوى يُسجَّل في ذلك الشهر منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، حين كان الطلب يعادل ثلث مستواه الحالي. ويرتفع الطلب على المشتقات النفطية من هذه المستويات ليبلغ ذروته الشتوية، ويعود ذلك جزئياً إلى موسم الحصاد واستخدام الأسر لزيت التدفئة، لا سيما في ولايات الشمال الشرقي. أما نيو إنجلاند، حيث تُعدّ المخزونات من بين أدنى مستوياتها المسجلة، فمن الأفضل لها أن تأمل ألا يكون شتاء هذا العام شبيهاً بشتاء العام الماضي.
ومع ذلك، فإن هوامش الربح الهائلة هذه تعني أن مصافي النفط الأميركية تشهد عاماً ذهبياً؛ فهي القطاع الفرعي الرائد في مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بفارق كبير، بعدما ارتفعت بنسبة 141% حتى الآن. كما تعمل هذه المصافي بجهد أكبر ولفترات أطول من المعتاد، مع تجاوز معدل التشغيل 95% طوال فصل الصيف.
ومع ذلك، ارتفعت صادرات الديزل، إذ سعت دول أخرى متأثرة بالاضطرابات الجيوسياسية إلى شراء النفط الأميركي. ويتزايد خطر أن تتعرض شركات النفط لضغوط في حال أصيب ترامب، رغم كونه حليفاً لها، بالذعر حيال الأسعار قبيل انتخابات التجديد النصفي، فيقدم على حظر صادرات الوقود. ومن المؤكد أن تصريح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، هذا الأسبوع، بأنه "منفتح على دراسة" هذه الفكرة، لن يلقى استحساناً في هيوستن.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية عدد مصافي النفط الأميركية. وقد أشار وزير الطاقة كريس رايت إلى إمكانية تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي لزيادة الطاقة الإنتاجية. ويرى محللون في شركة "كليرفيو إنرجي بارتنرز" أن التمويل الفيدرالي قد يُسهم في إعادة فتح مصفاة أُغلقت مؤخراً، مثل مصفاة "فاليرو" في بينيسيا بكاليفورنيا، أو حتى مصفاة "ليمتري باي" في جزر فيرجن الأميركية، التي واجهت تحديات طويلة الأمد. إلا أن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها.
أما بالنسبة إلى المصافي الجديدة، فعلى أي مطور أن يوازن بين استثمار يمتد لعقود من الزمن، وبين ركود الطلب على النفط في الولايات المتحدة وسياسة الطاقة الفيدرالية التي تذبذبت بين دعم الوقود الأحفوري والطاقة النظيفة خلال عقد واحد فقط.
وفي الوقت نفسه، يؤدي تشغيل المصافي بجهد أكبر ولفترات أطول إلى تراكم العجز في أعمال الصيانة المؤجلة. وقد تجاوز معدل الاستخدام المتوسط طوال العام، وقد تطغى هذه الشقوق الكبيرة على موسم الصيانة الخريفية. وهذا ينذر بخطر حدوث انقطاعات غير مخطط لها، قد تسبب اضطرابات في العام المقبل، حين يأمل السوق في إعادة بناء المخزونات المستنفدة.
وبحلول ذلك الوقت، قد تكون الحربان اللتان تشكلان أساس هذه الأزمة قد انتهتا. وإحداهما على الأقل تخضع اسمياً لسيطرة ترامب، وهو يدرك تماماً التداعيات السياسية لارتفاع أسعار الطاقة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وقد لا يمثّل زيت الوقود مشكلة شاملة مثل البنزين، لكنه يُستخدم لتدفئة العديد من المنازل في عدة ولايات متأرجحة في انتخابات مجلس الشيوخ، مثل ألاسكا ومين ونيو هامبشاير، كما أن استخدامه أكثر شيوعاً في المناطق الريفية التي غالباً ما تميل إلى الحزب الجمهوري.
ومع ذلك، بمجرد أن ينقشع غبار انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر، ستظل مشكلات الديزل في أميركا تتفاقم.
نقله إلى العربية: الميادين نت.