"الغارديان": ترامب يعود إلى مكانه المفضل.. خشبة المسرح

تتوقف رحلة الرئيس الساعي إلى صياغة أسطورة شخصية لنفسه في دالاس، حيث يعقد الحزب الجمهوري مؤتمراً انغمس فيه المؤيدون في أكاذيبه واستمتعوا بنكاته.

  • دونالد ترامب يتحدث على خشبة المسرح في اليوم الأول من المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري لعام 2026 في دالاس.
    دونالد ترامب يتحدث على خشبة المسرح في اليوم الأول من المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري لعام 2026 في دالاس.

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يتناول خطاب دونالد ترامب أمام المؤتمر الجمهوري لانتخابات منتصف الولاية في دالاس، بوصفه استعراضاً لشخصيته السياسية وعلاقته بقاعدته الجماهيرية أكثر منه خطاباً انتخابياً تقليدياً.

ويركز التقرير على الطريقة التي يغذي بها ترامب صورته الأسطورية أمام أنصار حركة "ماغا"، من خلال المبالغات والادعاءات الكاذبة، والسخرية، وتغيير الأسماء، والهجمات على خصومه، والاستطرادات الطويلة والمتشعبة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

لقد كانت مناسبة المؤتمر الجمهوري لانتخابات منتصف الولاية في دالاس كفيلةً بإثارة حماس الرئيس الأميركي، البالغ من العمر 80 عاماً، وشحذ طاقته؛ فالمدرجات التي تضج بآلاف المؤيدين المتحمسين، الذين يتقبلون أكاذيبه ويضحكون على نكاته ويعززون أوهامه بالعظمة، تمثل بالنسبة إلى ترامب المكان الذي يجد فيه سعادته.

ويتفوق هذا المشهد بلا شك على أجواء واشنطن المتسمة بالرسمية المفرطة والجمود؛ إذ قال ترامب، مقلداً بتهكم هيئةً متصلبةً ونبرةً رتيبةً ومملة: "في الخطاب الاتحادي، يتعين عليك أن تبدو شديد الوقار والرسمية، فتقول: سيداتي وسادتي، إنه لشرف لي أن أكون رئيساً لكم". ضحك الحشد، فتابع ترامب قائلاً: "عليك الاستمرار في ذلك لنحو ساعة، فيبدأ الجميع في الغطّ في النوم. صدقوني، هذا العرض الذي أقدمه الآن أصعب بكثير؛ فنحن هنا أيضاً لنحظى ببعض المرح".. فتعالت هتافات الحضور وصيحاتهم الحماسية.

لقد كانت ولاية ترامب الثانية بمثابة رحلة لصياغة أسطورة شخصية لنفسه؛ وتتجلى هذه السمة في السياسة الخارجية الدرامية التي تهدف إلى إعادة تشكيل العالم، وفي النصب التذكارية وعمليات التجديد في العاصمة واشنطن، وكذلك في سيل المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى المُنتَج بالذكاء الاصطناعي، الذي يُصوّر ترامب بطلاً شاباً مفعماً بالحيوية وقاهراً لكل التحديات.

وتجلى ذلك المشهد أيضاً بوضوح ليلة الأربعاء، حين كان ترامب يستمتع بفيض من مشاعر الإعجاب والولاء من قاعدته الجماهيرية، أولئك المتمسكين بشدة بشعار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (MAGA)، والذين يتابعونه، في بعض الحالات، منذ أكثر من عقد. وقد بدا عليه الرضا والسعادة الغامرة لرؤية "وجوه الصف الأمامي" المألوفة من تجمعاته الانتخابية، بمن فيهم بليك مارنيل، الذي يرتدي بدلة ذات نقشة تشبه جدار الطوب الشهير الخاص بترامب.

تحدث الرئيس لمدة ساعة و44 دقيقة، متجاوزاً بذلك الرقم القياسي الذي سجله بنفسه في خطاب ألقاه خلال مؤتمر حزبي في ميلووكي قبل عامين. ولم يتوقف ولو للحظة لاحتساء الماء، رغم أنّ الحماس المتدفق من الحشود، التي كانت شديدة الولاء له تماماً كولاء مساعدته ناتالي هارپ، كان من شأنه على الأرجح أن يمنحه الطاقة للاستمرار لفترة أطول بكثير.

وارتفعت ببطء شاشة فيديو عملاقة تحمل صورة العلم الأميركي، لتكشف عن عشرات من أنصار ترامب، ومعظمهم من النساء، وهم يلوحون بأعلام صغيرة ويبتسمون بحماس غامر. وسار ترامب، مرتدياً بدلة زرقاء داكنة وقميصاً أبيض وربطة عنق زرقاء، ببطء عبر المسرح الأسود اللامع المزدان بحواف ذهبية، بينما تعالت هتافات "الولايات المتحدة! الولايات المتحدة!" فور انتهاء أغنية "بارك الله في الولايات المتحدة" (God Bless the USA)".

قال ترامب: "أهلاً بكم في أول مؤتمر حزبي يُعقد على الإطلاق في منتصف الولاية"، متجاهلاً -عن عمد- ثلاثة مؤتمرات مماثلة عقدها الديمقراطيون في حقبتي السبعينيات والثمانينيات.

وسرعان ما أطلق كذبة أخرى، إذ قال: "المكان ليس مكتظاً بالحضور فحسب، بل إن هناك عدداً مماثلاً من الناس يقفون في الخارج أيضاً. فهل يرغب أحدكم في التنازل عن مقعده؟". وفي الواقع، كانت هناك عشرات المقاعد الشاغرة في الملعب، إذ ظلت المقاعد في المدرجات العلوية، التي توصف بأنها الأبعد والأعلى (nosebleeds)، خالية في معظمها.

وفي استعراض يثير الريبة والشك، زعم الرئيس أن أحداً لم يغادر الساحة بعد مرور 80 دقيقة، قائلاً: "إنه تكريم عظيم لترامب.. الجميع يحبونني وأنا أحب الجميع!".

لكن الكذبة الأفظع جاءت حين ادعى، زوراً، أنه فاز في ثلاث انتخابات رئاسية، وصرح، زوراً أيضاً، بأن "الناس في الجانب الآخر يعترفون بذلك بالفعل". فهتفت الحشود وهللت: "أربع سنوات أخرى!".

لقد كان مشهداً من مسرح العبث السياسي، تخللته شطحات غريبة بأسلوب ترامب المعهود؛ بدءاً من الحديث عن صفقات رياضية سيئة تتعلق بفريق "دالاس مافريكس" واللاعب "بيب روث"، وصولاً إلى حديثه عن اضطراره إلى التضحية بمعايير النظافة الشخصية من أجل مسيرته السياسية، ليتمكن من مصافحة الناس ("أنا شخص نظيف للغاية").

وفي معرض تأييده للمدعي العام لولاية تكساس، كين باكستون، لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، قال: "قد لا يكون هندامه مثالياً، وقد لا يكون حديثه متقناً تماماً، وربما لا يكون أكثر الرجال وسامةً ممن رأيتهم في حياتي، لكن هل تعرفون من هو؟ إنه أعظم مدعٍ عام في أميركا، ويستحق أن يكون سيناتوركم القادم. أنا آسف يا كين. أين هو بحق الجحيم؟ لن يتحدث معي مجدداً، لكن لا بأس بذلك".

وكانت هناك أيضاً ألاعيب لغوية؛ إذ تحدث وكأن فكرته الكبرى بتغيير كلمة "ديمقراطيين" (Democrats) إلى "دوموقراطيين" (Dumocrats، أي الحمقى) تمثل عبقرية تسويقية أو براعة سياسية تضاهي ما كان يفعله الخبير الاستراتيجي "لي أتووتر". وقال: "لا أحد يعرف أن كلمة ’dumb‘، أي أحمق، تنتهي بحرف B؛ فمعظم الناس يظنون أنها تُكتب D-U-M فقط".

وقد ينظر إليه معظم العقلاء ويرون فيه رجلاً مسناً ومثيراً للشفقة يحتاج إلى تدخل عاجل للمساعدة، لكن هذا الجمهور، بطبيعة الحال، ابتلع كل ذلك بحماس وشجعه عليه.

لذا، فقد استمتع كثيراً بتغيير الأسماء؛ إذ أشار إلى "خليج أميركا" (Gulf of America) وسط هتافات وصيحات "الولايات المتحدة! الولايات المتحدة!"، وقال: "بحيرة أونتاريو، أنتم تعلمون أننا سنطلق عليها اسم ’بحيرة أميركا‘"، فقوبل ذلك بمزيد من الهتافات.

وأضاف: "لقد توصلنا مؤخراً إلى اسم نعتقد أنه مناسب. لديكم ولاية مجاورة هي ’نيو مكسيكو‘ (المكسيك الجديدة)؛ ونحن نرى أنه ينبغي تسميتها ’نيو أميركا‘ (أميركا الجديدة)".

وفي معرض حديثه عن الحرب مع إيران ومضيق هرمز، قال: "سيداتي وسادتي، لدي إعلان: سنطلق عليه اسم ’مضيق ترامب‘، وأنا واثق من أنّ القيادة الإيرانية ستكون سعيدة للغاية بذلك".

وبالحديث عن إيران، فإنّ خوض حرب يُعد أمراً ينطوي على مخاطر سياسية لأي رئيس طبيعي في سنة انتخابية، وهو موضوع يفضل العديد من الجمهوريين تجنبه. لكن ترامب، وكعادته، مضى قدماً بجرأة واقتحام.

كما نصح إيران "بعدم التذاكي"، وسأل الحشد: "هل يعتقد أحد هنا أن إيران يجب أن تمتلك سلاحاً نووياً؟"، فجاء الرد بصيحة مدوية: "لا!".

حتى إن ترامب تخيل ما كان سيحدث لو حصلت إيران على سلاح نووي وأخضعت الولايات المتحدة لسيطرتها، قائلاً: "لو كان لديهم سلاح نووي، لكنت سأتصل بالمرشد الأعلى وأقول له: ’سيدي المرشد الأعلى، كيف حالك يا سيدي؟ هل هناك أي شيء يمكننا القيام به من أجلك؟‘، بدلاً من قصفه وتدميره تماماً".

ووسط كل هذه الفوضى، تطرق ترامب إلى انتخابات التجديد النصفي. فقد طلب من الناخبين أن "يتخيلوا" وجود اسمه على ورقة الاقتراع، ووعد بمنح 5000 دولار لكل مواطن أميركي بالغ إذا ما احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على كل من مجلسي النواب والشيوخ. لقد كانت تلك حيلة ترامب المعهودة: المجاهرة بالرشوة علناً وبشكل صارخ إلى درجة تجعل الكثيرين يفترضون أنها لا يمكن أن تكون عملاً فاسداً.

وصبّ جام غضبه على الديمقراطيين، واصفاً إياهم بـ"الشيوعيين"، وصرح قائلاً: "إنهم يطلقون من الهراء (bullshit) أكثر من أي بشر آخرين على وجه الكوكب". فاشتعل حماس أنصاره؛ يا له من تعليق لاذع وبارع، يا سيادة الرئيس!

قال ترامب متأملاً، وهو يلوح بيديه بحركات واسعة: "أنا أحب أسلوب ’النسج‘ هذا. هل تعرفون ما هو ’النسج‘؟ تتحدثون عن أمر ما، ثم تنتقلون إلى قاعة احتفالات، أو طائرة، أو ’إير فورس وان‘ (طائرة الرئيس)، فتنسجون هذه الموضوعات في الحديث، لكنكم تلاحظون أنني أعود دائماً مباشرةً إلى الموضوع الأصلي. سيأتي يوم أواصل فيه هذا ’النسج‘، موضوعاً تلو الآخر؛ وسيأتي يوم لا أعود فيه أبداً إلى الموضوع الأساسي".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.