"Z Network": الهيمنة الأميركية في الممارسة.. الحصار النفطي على كوبا

يكشف موقع "Z Network" عن تداعيات الحصار النفطي الأميركي على كوبا، محذراً من تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في الجزيرة.

0:00
  • "Z Network": الهيمنة الأميركية في الممارسة: الحصار النفطي على كوبا

أفاد موقع "Z Network" بأن الحصار النفطي الأميركي المفروض على كوبا، إلى جانب التهديد بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تبيع النفط للجزيرة، أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية فيها، معتبراً أن هذه الضغوط تستهدف دفع كوبا إلى التخلي عن مسارها التنموي المستقل والعودة إلى دائرة التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

مضى نحو عام على استمرار فرض الولايات المتحدة حصاراً نفطياً على كوبا، مهددة بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تبيع النفط للجزيرة، وتقصد ومن خلال خطف الرئيس نيكولاس مادورو، والاستيلاء اللاحق على معظم النفط الفنزويلي، فضلا عن التهديد بفرض تعريفات جمركية على الدول التي تبيع النفط لكوبا مستهدفة المكسيك بشكل رئيسي، بعد أن اختطفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والاستيلاء اللاحق على معظم النفط الفنزويلي، مما أدى إلى حرمان كوبا قسراً من أهم الموارد العالمية التي تحتاجها.

وقد دفع هذا التصعيد القاسي، إضافة إلى الحصار القائم، المجتمع الكوبي إلى حافة الانهيار، حيث تضاعفت معدلات وفيات الرضع، وانقطاعات التيار الكهربائي تتكرر على مستوى البلاد، والأطباء يعانون في أثناء إجراء عمليات طبية حيوية، بينما تراكمت أكوام القمامة في جميع أنحاء الجزيرة، وضعف قطاع السياحة، وعلى ما يظهر أن الولايات المتحدة استطاعت افتعال أزمة إنسانية مرة جديدة.

يعود سبب الحصار الأميركي الحالي على كوبا لمعاقبتها على اختيارها مسارها التنموي الخاص من خارج نطاق المصالح الرأسمالية. فالثورة الكوبية لم تقتصر على الإطاحة بسلطة الطاغية باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة فحسب، بل أعادت توزيع الأراضي، ورفعت معدلات المتعلمين، ووفرت فرص عمل، وسمحت بتحقيق قفزات هائلة في المجال الطبي، والأهم من ذلك، أنها أمّمت العديد من الشركات الأجنبية، وأخرجت كوبا من مسار الخضوع لإملاءات الرأسماليين الأميركيين، ولم يعد اقتصادها موجهاً نحو التصدير، ولا الأولوية للمبيعات الخارجية على حساب المصالح المحلية، ولم تعد كوبا تعتمد كلياً على المحاصيل كالسكر، ولا تبيع منتجاتها في أسواق لا تملك السيطرة عليها.

كوبا والعالم الثالث

لم تكن الظروف في كوبا قبل الثورة فريدة من نوعها. فمن المعتاد باستمرار أن تكون دول الجنوب العالمي عالقة في علاقات غير متكافئة، وتُصبح مورداً للعمالة الرخيصة والموارد الطبيعية للقوى العالمية في نصف الكرة الشمالي، بينما تتجلى الطبيعة الوحشية للسوق الحرة بوضوح في أفريقيا، وأجزاء من آسيا، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة الكاريبي، حيث تُكرس اقتصادات بأكملها لإنتاج مجموعة محدودة من الموارد لتلبية متطلبات تعظيم أرباح الشركات متعددة الجنسيات، متجاوزة مصالح الاحتياجات الوطنية، ويؤدي إلى انعدام القدرة على حماية العمال من استغلالهم بأعلى معدلات الاستغلال.

فرادة حالة كوبا هي ثورتها وتحررها، وإن كانت النتائج نسبية، نحو مسار لا يقتصر على التأميم الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى مزيد من استقلالية العمال وتحقيق المساواة لجميع سكانها. قبل الثورة كانت البطالة متفشية، لا سيما في المناطق الريفية حيث كان العمل غير منتظم، ويعتمد كلياً على إنتاج قصب السكر الموسمي. كما كانت هناك أزمة أن ثلاثة أرباع السكان أميين. وكانت الفجوة بين الأغنياء والفقراء شاسعة، ومعظم الموارد الطبيعية للجزيرة تحت سيطرة قلة قليلة. ومع بزوغ فجر الثورة في خمسينيات القرن المنصرم، كان 1.5% من ملاك الأراضي يمتلكون 46% من الأراضي، بينما كانت 73% من الأراضي الصالحة للزراعة مملوكة لنحو 9% من الإقطاعيين المتوسطيين والكبار في البلاد.

لقد كانت كوبا دولة خاضعة للاستعمار الجديد، ونالت استقلالاً ظاهرياً في عام 1902 عندما تنازلت الولايات المتحدة عن سيطرتها على الجزيرة، منهية بذلك الاحتلال الرسمي، وتاريخاً طويلاً من الحكم الاستعماري الإسباني والأميركي على حد سواء. لكن هذا لا يعني نهاية للعلاقة غير المتكافئة، ولم يفسح المجال أمام حق تقرير المصير الحقيقي للكوبين، بل كان تنازلاً من قبل النخب التي استولت على السلطة السياسية والاقتصادية، إلى ما يتماشى مع مصالح الولايات المتحدة وتوجيهات رأس المال الأجنبي.

والأمر ذاته تكرر في معظم الدول التي كانت خاضعة للاستعمار في العالم، مثل جامايكا وهايتي في الكاريبي، أو نيجيريا وغانا في أفريقيا، حيث لم يكن انسحاب الاستعمار فعلياً أو إحساناً، يهدف إلى منح الدول المستعمرة حرية كاملة واستقلالاً اقتصادياً، بل مناورة تكتيكية للحفاظ على بنية السلطة نفسها، واستمرار للعلاقة الطفيلية ذاتها، تحت ستار منح الحرية والاستقلال، بينما يُرسخ النظام المفروض ولاء الدول التابعة، وتجبرها على تصدير مواردها الطبيعية إلى المركز الإمبريالي، حيث تحصل في المقابل على سلع مستوردة تكلفتها أعلى مما كسبته من التصدير.

اليوم، تعاني المستعمرات السابقة من أنظمة حاكمة تابعة، مما يجبر شعوب دول الجنوب العالمي على الخضوع لتحرير الأسواق، وفرض إجراءات التقشف، وتوفير العمالة الرخيصة، والتعامل مع الإهمال البيئي للحفاظ على مكانتها في السوق العالمية. كما أن مسار التنمية الذي تحدده الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وغيرها، لا يفيد إلا فئة واحدة. فالصيغة النيوليبرالية المقدمة لن تحسن الأوضاع المادية في العالم الثالث، ولا أي تقدم تكنولوجي، أو فرص عمل كافية، أو أي فوائد تعليمية، ولن تؤدي إلى الاستقلال الاقتصادي، بل ستواصل إعادة إنتاج نظام التخلف وعدم المساواة.

الهيمنة الأميركية

من خلال أكثر من 800 قاعدة عسكرية حول العالم، وقدرتها على فرض عقوبات اقتصادية، وقيادتها لحلف "الناتو، وتأثيرها غير المشروع في الأمم المتحدة، وهيمنتها على مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تمتلك الولايات المتحدة ترسانة ضخمة للهيمنة على خصومها وفرض أيديولوجية السوق الحرة متى شاءت وبأي قوة تختارها. وهذا ما منحها قدرة استثنائية مثال تنصيب حكومة دمية في الكونغو عام 1965، والإطاحة بالمسؤولين المنتخبين ديمقراطياً في تشيلي عام 1973، وتجويع السكان كما تفعل الآن في كوبا لأجل التراجع تدريجيا عن المكاسب التي حققها الثوار الاشتراكيون، ولإحباط انتشار الشيوعية.

كما أن نفوذ الولايات المتحدة على الأسواق العالمية، وقدرتها على فرض تعريفات جمركية من جانب واحد، وإملاء شروط التجارة، كلها عوامل تجعل الجميع يتبعونها. وفي حالة كوبا التي تعاني بسبب إدراجها في القائمة السوداء ومنعها من التعامل مع الأسواق العالمية، وفرض عقوبات على أي دولة أخرى ترغب في التجارة معها، شكل رادعاً قوياً لأي دولة تفكر في التعامل معها.

مستقبل كوبا

مستقبل كوبا قاتم، سواء على المدى القريب فيما يتعلق ببقائها، أو على المدى البعيد فيما يتعلق باحتمالية انحدارها مجدداً إلى دولة رأسمالية تابعة. وبدون النفط أو أي شركاء تجاريين، قد تضطر كوبا للخضوع لمطالب الولايات المتحدة، ومن المرجح أن تنحدر وتعود إلى ملاذ لرأس المال الأجنبي، وخصخصة كل المصالح التي كانت مؤممة سابقاً.

ولقد بدأت كوبا في تحرير اقتصادها، وأقرت 176 إصلاحاً تتعلق بإلغاء القيود، وتقديم تنازلات للقطاع الخاص والمصالح الأجنبية، وتخفيف القيود المفروضة على تطوير العقارات الأجنبية. وهذا الاسترضاء للمصالح الخاصة، لم يرض إدارة ترامب بعد، وما تزال تلوح بتهديدات الغزو العسكري، وتظهر النفوذ الأميركي المفرط على الشؤون العالمية، والطبيعة الجشعة للنظام الرأسمالي العالمي.

ما يزال سقوط حكومات إصلاحية وثورية في إيران عام 1953، وغواتيمالا عام 1954، وغرينادا عام 1983، وليبيا عام 2011، يشكل أمثلة قليلة يمكن النظر إليها كعبرة، رغم الاختلاف في الشكل على الأقل في وضع كوبا الراهن، إلا أن التهديد بالتدخل العسكري مع العقوبات اقتصادية متطابق الغاية تماماً، حتى إن التشهير والتعليقات المسيئة التي تنشرها وسائل الإعلام الأميركية ضد حكومة هافانا مماثلة أيضاً.

هذه هي تبعات سيطرة أميركا التي تدير النظام الرأسمالي، حيث نادراً ما تستطيع دول الجنوب العالمي التحرر من هذه الهيمنة. فحتى في حال اندلاع ثورة شعبية، يبقى خطر العودة القسرية إلى التبعية قائماً، سواء عبر التدخل المباشر أو العقوبات الاقتصادية.

ترجمه إلى العربية: حسين قطايا