"Unherd": "نتفليكس" تحوّل القتلة المتسلسلين إلى نجوم جذّابين

ما دام بالإمكان جني المال، ستجد صناعة الترفيه نفسها مضطرة إلى ابتكار وسائل أكثر افتقاراً إلى الأخلاق لمنح المحققين من خلف الشاشات جرعتهم من الإثارة، مهما كانت الكلفة الإنسانية.

0:00
  • "Unherd": "نتفليكس" تحوّل القتلة المتسلسلين إلى نجوم جذّابين

موقع "Unherd" البريطاني ينشر مقالاً ينتقد تحويل الجرائم الحقيقية والقتلة المتسلسلين إلى ترفيه جذاب ومربح، ولا سيما على "نتفليكس"، مع ما يرافق ذلك من تلميع للقتلة واستغلال لمعاناة الضحايا وعائلاتهم.
 
 أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

من الأفلام الوثائقية المقلقة، إلى البودكاستات التي تتصدر قوائم الاستماع، وصولاً إلى التحليلات المطولة على "تيك توك"، لا تزال شهيتنا الجماعية تجاه محتوى الجرائم الحقيقية لا تعرف الشبع. وبعد أكثر من عقد على العملين اللذين رسّخا ملامح هذا النوع، Making a Murderer وSerial، لا يزال الجمهور متعطشاً إلى هذا العالم السفلي الدموي، القائم على النميمة والإثارة القاتمة، حيث يتربص القتلة المتسلسلون في أقبية منازل الضواحي.

يوم الخميس، أطلقت "نتفليكس"، التي تستضيف بالفعل مئات البرامج التي تحوّل العنف الحقيقي إلى مادة ترفيهية لامعة ومشبعة بالإيحاءات الجنسية، أحدث جزء من سلسلتها الناجحة للغاية Monster، وهذه المرة حول ليزي بوردن، المتهمة بقتل شخصين بفأس في القرن التاسع عشر. وانتقد كثيرون الإعلان الترويجي للبرنامج، الذي وُصف بأنه مصمم "على طريقة مارفل"، إذ يعتمد على لقطة مقرّبة تكشف عن كل قاتل جديد، إلى جانب العبارة الترويجية: "استعدوا للقاء الوحش التالي"، بما يجعل المشاهد يشعر وكأنه على وشك اختيار خصم جديد في سلسلة Avengers، بدلاً من أن يتعرض، بصورة غير مباشرة، لبعض أبشع الجرائم التي يمكن تخيلها.

والبرنامج، كما هو حال نوع الجرائم الحقيقية على "نتفليكس" عموماً، غارق بالفعل في الجدل. فقد اتُّهم Monster بإضفاء طابع رومانسي على القتل من خلال الاستعانة بممثلين من هوليوود، مثل تشارلي هونام، لتجسيد شخصيات قتلة متسلسلين. وتقول عائلات الأشخاص المعنيين إن البرنامج، في أفضل الأحوال، يتعامل باستخفاف مع الحقيقة، فيما انتقدت عائلة مينينديز "نتفليكس" بسبب إنتاج "دراما صادمة بشعة... تعج بالمعلومات المضللة والأكاذيب الصريحة"، من بينها الإيحاء بأن الشقيقين كانا في علاقة محرّمة بينهما.

وفي بعض الأحيان، لا تُستشار العائلات إطلاقاً، أو تمضي السلسلة في الإنتاج خلافاً لرغباتها، رغم الصدمة النفسية الواضحة التي قد يسببها ذلك. وقد كتبت ميندي بندلتون، زوجة والد روبرت ماست الذي قُتل، إلى منتجي سلسلة I Am A Killer على "نتفليكس"، وهي سلسلة وثائقية تجري مقابلات مع سجناء ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام بعد إدانتهم بجرائم قتل كبرى، متوسلةً إليهم: "بصفتي أماً، وبصفتي إنسانة مثلكم، أتوسل إليكم ألا تفعلوا ذلك". وفي نموذج الأعمال القائم على "اقتل، وابث، ثم كرر"، تتحول المآسي الإنسانية التي تقع في صميم هذه القصص إلى مجرد هوامش.

وفي سوق بث مزدحمة، تبدو "نتفليكس" وكأنها تتصدر سباقاً نحو القاع، مع ازدياد براعتها في تسويق الاستغلال الفج على أنه دراما جادة. بل إن المنصة كلّفت بإنتاج سلسلة من تلفزيون الواقع تحمل اسم The New Stanford Prison Experiment، بما يثبت التزامها بابتكار وسائل أكثر إبداعاً تتيح للجمهور الجلوس ومشاهدة معاناة الآخرين من راحة غرف نومهم. وتعد السلسلة بتقديم "دراسة في سيكولوجيا السجن"، لكن من الصعب التخلص من الشعور بأن نوايا "نتفليكس" تتعلق بدرجة أقل بالاكتشاف العلمي، وبدرجة أكبر ببث شكل من أشكال التعذيب البشري.

إلى أين يمكن أن يصل هذا الفضول المرضي؟ فالعالمان، الافتراضي والواقعي، يعجان بالفعل بحيل وممارسات مثيرة للاشمئزاز. وفي هذا التنافس على النقرات، يحاول مؤثرو محتوى الجرائم الحقيقية التفوق بعضهم على بعض عبر نشر مقاطع من نوع "استعدوا معي"، يحللون فيها، بصورة دقيقة وتفصيلية، وقائع مروعة في قضايا جنائية، بينما يضعون مستحضرات التجميل.

كما يمكن لعشاق الجرائم الحقيقية زيارة معارض مروعة مثل Mind of a Serial Killer: The Experience، حيث يشاهدون نماذج تحاكي حمامات ملطخة بالدماء وجثثاً مخبأة تحت ألواح الأرضيات. ويمكنهم أيضاً دفع أكثر من 250 جنيهاً إسترلينياً لحضور أحد فعاليات CrimeCon الدولية العديدة، حيث يمكنهم لقاء "صنّاع محتوى الجرائم الحقيقية المفضلين لديهم"، أو حتى قضاء عطلة على متن رحلة بحرية "تفاعلية" مخصصة للجرائم، تحمل اسم CrimeCruise.

ولا تبدو هذه الموضة مرشحة للانحسار في أي وقت قريب. فما دام بالإمكان جني المال، ستجد صناعة الترفيه نفسها مضطرة إلى ابتكار وسائل أكثر افتقاراً إلى الأخلاق لمنح "المحققين من خلف الشاشات" جرعتهم من الإثارة، مهما كانت الكلفة الإنسانية.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.