"Unherd": الكراهية والخوف في آل سعود.. المملكة لا تستطيع الدفاع عن نفسها
بالنسبة إلى الأسرة الحاكمة في المملكة، كان الخطر الأكثر فتكاً منذ زمن طويل هو الانقلاب العسكري.
-
"Unherd": الكراهية والخوف في آل سعود.. المملكة لا تستطيع الدفاع عن نفسها
موقع "Unherd" البريطاني ينشر مقالاً يتناول اعتماد السعودية على الدعم العسكري الخارجي في مواجهة الحوثيين، رغم امتلاكها قوات كبيرة وتسليحاً متطوراً.
ويرى الكاتب أنّ توزع القوات بين أجهزة وقيادات متعددة، والخشية التاريخية من الانقلابات، يضعفان تماسكها وقدرتها القتالية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
ما إن أرسلت فرنسا قوات وصواريخ مضادة للطائرات وقاذفات مقاتلة لمساعدة السعوديين في قتال الحوثيين، حتى أصبح من المحتم أن تتخلى حكومة حزب العمال البريطانية عن استعراضها المناهض للإمبريالية وتنضم إلى الحرب. لكن، للمفارقة، فإن هذا التصاعد في النشاط الأوروبي بدأ في واشنطن. فعندما طلب السعوديون المساعدة من الولايات المتحدة، رفض دونالد ترامب، لأنه كان يشعر بخيبة أمل مريرة من رفض السعودية دعم حربه على إيران. وهكذا فُتح المجال أمام إيمانويل ماكرون، أكثر القادة السياسيين الأوروبيين نزوعاً إلى المبادرة.
لن يفعل ماكرون أبداً شيئاً فجّاً إلى حد تقديم فاتورته قبل أداء الخدمة، لكنه يدرك جيداً أن المكافأة السعودية التقليدية على الدعم العسكري تتمثل في طلبية ضخمة جداً من الطائرات المقاتلة. والفرنسيون في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه الصفقة لإنقاذ شركة "داسو" التي كانت مزدهرة في السابق، لكنها تمر اليوم بظروف صعبة بسبب عرضها الحالي، أي مقاتلة "رافال" التي لا تتمتع بخصائص التخفي ولا تُعد متقدمة، ولا يبدو أن أحداً يرغب فيها.
في عام 1985، كانت صناعة الطائرات البريطانية هي التي تمر بحالة انهيار حاد. وقد أنقذها عقد "اليمامة" الأسطوري، الذي ضخ 40 مليار جنيه إسترليني من الأموال السعودية في صناعة الطيران البريطانية مقابل طائرات كان الإقبال عليها محدوداً في معظم الأحيان، وكذلك في جيوب قبيلة كاملة من الوسطاء. وتمكن هؤلاء من الإفلات من التدقيق طوال عقود، إلى أن فتح مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة التابع لشرطة سكوتلاند يارد تحقيقاً متأخراً بلغ من النجاح حداً استوجب إغلاقه بذريعة الأمن القومي، بقرار من توني بلير الذي لم يبدُ عليه أي حرج يُذكر عام 2006.
واليوم، تحاول صناعة الطيران البريطانية مجدداً البقاء على قيد الحياة من خلال برنامج لطائرة مقاتلة لا يريدها أحد. ولديها شراكة مؤقتة مع الإيطاليين، الذين لن يُرسل سلاحهم الجوي أبداً إلى القتال، ويرون في بناء الطائرات وسيلة للحفاظ على وظائف عمال مصانعهم؛ ومع اليابانيين، الذين ينظرون إلى الاتفاق الثلاثي باعتباره ورقة تفاوض في محادثاتهم مع احتكار شركة "لوكهيد" الأميركية بشأن المقاتلة المقبلة لطوكيو.
إنّ لجوء السعودية إلى فرنسا الضعيفة وإلى المترددين في حزب العمال البريطاني طلباً للدعم العسكري يشكل تذكيراً حاداً بأحد الثوابت القليلة في الشرق الأوسط المتغير باستمرار: عجز النظام الملكي السعودي عن الدفاع عن نفسه. وهذا الأمر يحتاج إلى بعض التفسير، لأن القوات المسلحة السعودية مجهزة جيداً وضخمة أيضاً بالمقارنة مع عدد السكان المولودين في البلاد، البالغ 18.8 مليون نسمة. فهناك ما مجموعه 280 ألف فرد في القوات البرية والجوية والبحرية، ونحو 75 ألفاً آخرين في الحرس الوطني شبه العسكري، الذي تطور من قوة بدوية مرتجلة إلى قوة شبه عسكرية منظمة على غرار قوات "الكارابينييري" الإيطالية، بحيث يبلغ مجموع أفراد القوات المسلحة في المملكة نحو 350 ألفاً.
وللمقارنة، يزيد عدد سكان تركيا على أربعة أضعاف عدد سكان السعودية، لكن إجمالي أفراد قواتها العسكرية وشبه العسكرية، البالغ 680 ألفاً، لا يزيد سوى بنحو الضعف. وإضافة إلى ذلك، تمتلك القوات السعودية قواعد جيدة البناء، ومقار قيادة مثيرة للإعجاب، وأسلحة حديثة، كما تلقت تدريباً ممتازاً من مدربين عسكريين أميركيين وبريطانيين وغيرهم على مختلف المستويات، بمن فيهم جنرالات أميركيون تقاعدوا حديثاً.
لكن الشيء الوحيد الذي لا تستطيع هذه القوات فعله هو قتال أعداء السعودية، بمن فيهم الحوثيون الذين يمثلون حالياً خطراً بالغاً، رغم أنّ معظم مقاتليهم يظهرون في هيئة رجال غير مهندمين يرتدون التنانير والصنادل ويحملون بنادق "كلاشينكوف AK-47" قديمة. ومع ذلك، لديهم أيضاً فرق عالية المهارة قادرة على إطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات مضادة للسفن. وقد استخدموا هذه القدرات لمهاجمة مكة، وهم يعرقلون الآن بصورة خطيرة صادرات النفط السعودية من ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ومع ذلك، وحتى الآن، لا توجد أي مؤشرات إلى هجوم سعودي داخل اليمن لمواجهة الحوثيين بكامل القوة. والسبب هو أن الخطر الأكثر فتكاً بالنسبة إلى الأسرة الحاكمة في المملكة كان، منذ زمن طويل، الانقلاب العسكري، على غرار الانقلاب الذي أنهى النظام الملكي في العراق وقتل جميع أفراد الأسرة الهاشمية الحاكمة في 14 تموز/يوليو 1958. ففي ذلك اليوم الذي شهد انفجاراً من العنف الوحشي في وسط بغداد، لم يكن أي من أصدقاء النظام الملكي وحلفائه المفترضين قادراً على تقديم المساعدة، فيما نجا الدبلوماسيون البريطانيون المحليون بالكاد، رغم أن بريطانيا كانت حتى وقت قريب تحكم البلاد عبر مسؤولين عراقيين يتوسطون بينها وبين مؤسسات الدولة.
"بالنسبة إلى الأسرة الحاكمة في المملكة، كان الخطر الأكثر فتكاً منذ زمن طويل هو الانقلاب العسكري".
وفي مواجهة هذا الخطر، طبّق الرؤساء المتعاقبون للأسرة الحاكمة السعودية العلاج الأكثر فاعلية الممكن: "فرّق تسد"، لا في مواجهة الأعداء الخارجيين، بل داخل القوات المسلحة نفسها. ولذلك، فإن مختلف العناصر القتالية في القوات المسلحة موزعة جغرافياً، وتتبع في قيادتها لأمراء مختلفين مسؤولين عن أقسام متعددة في وزارة الدفاع، وكلها تخضع في النهاية لوزير الدفاع نفسه، الأمير خالد بن سلمان آل سعود. والأمير خالد هو حفيد مؤسس آل سعود، الملك عبد العزيز، والشقيق الأصغر لولي العهد ورئيس الوزراء وصاحب السلطة الفعلية في البلاد، محمد بن سلمان.
وحتى مع وجود كل هؤلاء الأمراء لضمان سيطرة آل سعود، لا تحتكر وزارة الدفاع القوة في الرياض وغيرها من المراكز الحضرية. فهذه المدن تضم أيضاً قوات الحرس الوطني السعودي المنفصلة تماماً، والتي يزيد عدد أفرادها على 150 ألف رجل، ويقودها في نهاية المطاف حفيد آخر لمؤسس المملكة. كما يلعب حرس الحدود، الأصغر حجماً ويبلغ تعداده 15 ألف رجل، دوراً حاسماً في حالات الطوارئ، لأنه يفرض رقابة صارمة على من يدخل البلاد ويغادرها جواً أو بحراً.
ويخضع حرس الحدود أيضاً لسيطرة أحد أحفاد الملك عبد العزيز، وكذلك أكثر قوات المملكة خضوعاً للمراقبة والانضباط، أي الحرس الملكي الذي يتولى حماية محمد بن سلمان. وأخيراً، هناك قوات الطوارئ الخاصة السعودية، وهي قوة نخبوية يبلغ تعدادها نحو 35 ألف رجل، وتخضع بدورها لهيئة مستقلة أخرى.
نظرياً، لا يوجد ما يمنع شن هجوم مشترك تشارك فيه كل هذه القوات المختلفة ضد الحوثيين. لكن عملياً، فإن الفصل الدقيق بين القوات العسكرية والأمنية السعودية، المصمم لمنعها من التكتل معاً للإطاحة بحكامها، أي الأسرة المالكة ككل، حرمها من الشعور العام بالتماسك، وهو أهم سمة على الإطلاق عند مواجهة الأعداء في القتال. فالقوة العسكرية تساوي القوة الإجمالية مضروبة في التماسك؛ فإذا انعدم التماسك، انعدمت القوة.
وفي داخل القوات المسلحة المختلفة، هناك عائق إضافي أمام التماسك، يتمثل في أنّ بعض الضباط هم من أفراد الأسرة المالكة "المستحقين للإعانات"، أي إنهم يحصلون تلقائياً على مخصصات مالية إضافة إلى رواتبهم. في المقابل، لا يحصل ضباط آخرون سوى على رواتبهم، التي قد تكون أدنى بكثير من مخصصات أفراد الأسرة المالكة، رغم أنّ الجميع يفترض بهم أن يخدموا ويقاتلوا من أجل حماية بلادهم.
ويتمثل الخوف السعودي في أنه إذا صدرت أوامر في أي وقت لبعض مقاتلات "F-15" بالتحرك لقصف الحوثيين، أو أي عدو آخر، فقد يختار بعض الطيارين غير المنتمين إلى فئة المستحقين لتلك المخصصات مهاجمة أحد قصور أمراء المملكة بدلاً من ذلك، تمهيداً لتمرد عسكري شامل. وسيكون ذلك نسخة جوية من الانتفاضات العسكرية التي قضت على النظامين الملكيين في مصر والعراق.
وبسبب هذا الخوف، الذي لا يخلو من منطق، اعتمد السعوديون منذ زمن طويل على الأميركيين لحمايتهم، بمساندة بريطانية وفرنسية في بعض الأحيان. وفي السنوات الأخيرة، استعانوا أيضاً بالأتراك والباكستانيين، الذين رفضوا حتى الآن إرسال أي قوات لقتال الحوثيين، وهم التهديد الأكثر إلحاحاً الذي تواجهه السعودية. ويشير هذا الرفض إلى أنهم أقل استعداداً حتى لإرسال قوات لمواجهة التهديد الأكبر بكثير الذي تمثله إيران.
أما جيران السعوديين في الإمارات، فلم يتخلوا بدورهم عن الأميركيين، حتى وإن استعانوا بأسلحة إسرائيلية للدفاع عنهم، وبعضها كان يُشغَّل، في البداية على الأقل، بواسطة جنود إسرائيليين. وقد يفعل السعوديون شيئاً، وإن بأسلوب منخفض النبرة يشبه الاستثمار الصناعي، للحصول على قدرات مضادة للصواريخ يمكنهم تعلم تشغيلها بأنفسهم.
لكن في نهاية المطاف، يتعين على المستفيدين من مخصصات الأسرة الحاكمة أن يتعلموا تقاسم التدفق الهائل من عائدات النفط السعودية مع بقية السكان، وإلا فإنهم يخاطرون بخسارة ما هو أكثر من مجرد ثرواتهم.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.