"The Grayzone": قادة نيبال الجدد.. صناعة أميركية
مع تزايد الانتقادات بشأن التقاعس عن اتخاذ إجراءات بشأن الانهيارات الأرضية، تكشف التسريبات أنّ قادة نيبال الجدد قد جرى إعدادهم من قبل منظمة أميركية لتغيير النظام.
-
رئيس وزراء نيبال بالين شاه
موقع "The Grayzone" ينشر تحقيقاً يربط صعود القيادة السياسية الجديدة في نيبال ببرامج مموّلة من الحكومة الأميركية، ويقول إنّ شخصيات بارزة، بينها رئيس الوزراء بالين شاه ورابي لاميتشاني، تلقت دعماً وتدريباً سياسياً قبل وصولها إلى السلطة عقب احتجاجات عام 2025.
ويشير التحقيق إلى أنّ هذا الدعم شمل إعداد قادة شبّان وتدريبهم إعلامياً وسياسياً، في إطار صراع أوسع على النفوذ بين واشنطن وبكين، فيما تواجه الحكومة الجديدة اليوم أزمة ثقة بسبب إدارتها للكارثة الطبيعية الأخيرة.
أدناه نص التحقيق منقولاً إلى العربية:
يتصاعد الغضب الشعبي ضد الحكومة النيبالية بعد الانهيارات الأرضية القاتلة في نيبال، بينما تكشف البيانات أن رئيس الوزراء الجديد في البلاد وعدداً من زملائه وصلوا إلى السلطة بفضل برنامج سري ترعاه الحكومة الأميركية. وقبل 8 أشهر من الانهيار الأرضي الذي أودى بحياة أكثر من 1000 شخص، ظهر قادة البلاد الجدد للمرة الأولى في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، حين عُقد اجتماع في كاتماندو بين مغني الراب الذي أصبح رئيساً لبلدية المدينة، بالين شاه، ورئيس حزب "راشتريا سواتانترا"، رابي لاميتشاني، وذلك بعد وصولهما إلى السلطة عقب الاضطرابات الدموية التي هزّت نيبال قبل بضعة أشهر فقط. وقد قدّما فوراً خطة من 7 نقاط تتعهد باجتثاث "الفساد وسوء الحكم"، واستبدالهما بـ"حكم رشيد، وازدهار، وعدالة اجتماعية". وعلى هذا الأساس، سيشغل شاه منصب رئيس وزراء نيبال بالتحالف مع حزب لاميتشاني.
لكن بعد أقل من عام على وعدهما بتحرير البلاد من المحسوبية والإشراف على إدارة تكنوقراطية غير حزبية، جاءت النتيجة معاكسة. وبعد الانهيار الأرضي المدمّر، تواجه الحكومة انتقادات متزايدة في الداخل والخارج، على خلفية مزاعم برفضها عروض المساعدة الخارجية، وسوء إدارتها جهود الإنقاذ على نحو خطير، وانخراطها في ترويج وقح لسياساتها وسط المعاناة. كما أصرت على تحويل التبرعات إلى حسابات يشرف عليها بالين شاه ورابي لاميتشاني شخصياً.
والآن، تكشف وثائق مسرّبة راجعها موقع "غرايزون" كيف جرى إعداد كل من شاه ولاميتشاني لتولّي السلطة على يد اتحاد تعزيز الانتخابات والعملية السياسية "سيبس"، وهو ذراع لواجهة تصف نفسها بأنها أداة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، وتموّلها الحكومة الأميركية عبر الصندوق الوطني للديمقراطية "إن إيه دي"، الذي أسسته إدارة رونالد ريغان عام 1983. وقد موّلت المنظمة جماعات معارضة مناهضة للحكومات في دول سعت واشنطن إلى تغيير أنظمتها، مكتسبة بذلك سمعة بوصفها جهة "فاعلة علنية" تقوم بما كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تفعله سابقاً في السر، من زعزعة استقرار حكومات في نيكاراغوا وفنزويلا وأوكرانيا وهايتي. وهي أنشطة موثقة، وشكّلت مصدر فخر لداعمي أعمال المنظمة من المحافظين الجدد.
وكما ذكر موقع "ذا غرايزون" عام 2025، كان لـ"إن إيه دي" دور فاعل في نيبال، إذ موّل ناشطين من جيل الشباب بهدف تقويض حكومتها. فيما أظهرت مجموعة جديدة من الوثائق المسرّبة أن جماعات مموّلة من "إن إيه دي"، مثل "سيبس"، أسهمت في دعم مسيرة عدد من الشخصيات البارزة المتورطة في انقلاب نيبال العام الماضي. كذلك، تلقّى عدد من الأعضاء الجدد في البرلمان تدريبهم في مركز "سيبس"، وهم من الشخصيات البارزة في حزب "راشتريا سواتانترا"، الذي هيمن على الانتخابات الأخيرة في البلاد في آذار/مارس من العام الجاري.
وجاءت تلك الانتخابات استجابةً لاحتجاجات شعبية اجتاحت المدن النيبالية في أيلول/سبتمبر 2025، وأدت إلى استقالة الحكومة المنتخبة آنذاك، برئاسة رئيس الوزراء كي بي شارما أولي، من "الحزب الشيوعي النيبالي". ولقي عشرات الأشخاص حتفهم عندما تحولت التظاهرات السلمية إلى فوضى عارمة، مع إضرام النار في مبانٍ في أنحاء كاتماندو. وبينما كان مبنى البرلمان النيبالي يحترق، عُطّلت كاميرات الأمن، وأُفرغت خزانات المياه، وأُحرقت الوثائق، واستُخدمت مواد مسرّعة لتكثيف الحرائق.
وبعد أيام، استُبدل أولي بزعيم مؤقت اختير في تصويت مجهول على منصة "ديسكورد"، حيث حاز أقل من 10 آلاف صوت. في المقابل، تورّط أعضاء كبار في الحكومة النيبالية الجديدة، المعتمَدة من شبكة "إن إيه دي"، ومن بينهم رئيس الوزراء شاه نفسه، في أعمال العنف التي وقعت خلال الاضطرابات. كما أظهرت الوثائق المسرّبة أن مؤسس حزب "راشتريا سواتانترا" ومنظمة "هامي نيبال" غير الحكومية، التي قادت التظاهرات التي أطاحت حكومة أولي، جرى تحديدهما بالاسم بوصفهما شخصين محل اهتمام لدى منظمة "سيبس".
ومع ذلك، فإن لجنة تابعة للحكومة المؤقتة، يُفترض أنها تهدف إلى تقديم المسؤولين عن أعمال العنف إلى العدالة، امتنعت عن ملاحقة الشخصيات البارزة المذكورة في الملفات. وكانت وسائل الإعلام السائدة قد روّجت للتظاهرات المذكورة باعتبارها انفجاراً حماسياً "ثورياً" نظّمه جيل الشباب في كاتماندو، المنصرف عن الواقع والمنغمس بشدة في الإنترنت. غير أن ما كشفه "ذا غرايزون" هو أن الصندوق الوطني للديمقراطية، التابع للحكومة الأميركية "إن إيه دي"، كان قد بدأ بالفعل تدريب شبّان نيباليين على كيفية تنظيم الفوضى في الشوارع لتعزيز أهدافهم الحزبية، وإطلاق أحزاب سياسية جديدة، وخوض حملات للترشح للمناصب.
كذلك، تؤكد المجموعة الجديدة من الوثائق مدى اتساع نطاق ذلك التدريب ووضوحه. وتستند التسريبات، إلى حد كبير، إلى خطة العمل السنوية لعام 2019 الصادرة عن "سيبس"، وتُظهر أن الحكومة الأميركية قدمت 20 مليون دولار إلى "المعهد الجمهوري الدولي"، وهو ذراع تابع لـ"الحزب الجمهوري" ترعاه "إن إيه دي"، إلى جانب جهات أخرى شاركت في إدارة مشروع نيبالي بعنوان "نيتي سامباد" بين عامي 2017 و2022. وقد استكمل المشروع أنشطته وأهدافه ضمن برامج تستهدف الشباب كان "المعهد الجمهوري الدولي" ينفذها في الوقت نفسه، فيما تكشف الملفات بوضوح عن مناوراته السياسية في البلاد.
وعلى غرار ما حدث في بنغلادش، سبقت الانقلاب المزعوم العفوي لجيل الشباب في نيبال جهودُ المعهد الجمهوري الدولي لتدريب السكان المحليين على "كيفية تمكّن القادة الشباب من إدارة التغيير السياسي من خلال الاحتجاج". كما كان توسيع نطاق برنامج القيادة الشبابية التابع له مكوّناً أساسياً من مشروع "نيتي سامباد"، وفقاً لوثيقة مسرّبة لمنظمة "سيبس" تحدد أولوياتها في كاتماندو خلال عامي 2019 و2020.
وتحت مظلة هذا المشروع، كان من المقرر أن "ينخرط شركاء سيبس على نطاق واسع مع القادة الشباب من الأحزاب السياسية النيبالية، في تحدٍّ للتقاليد الاجتماعية والطبيعة الهرمية للسياسة في نيبال، ولتيسير مزيد من النفوذ والتمثيل للطامحين الذين درّبهم المعهد الجمهوري الدولي".
وقد أُدرج بين القادة المدنيين التنفيذيين الذين قالت منظمة "سيبس" إنها ستدعمهم 4 رجال يشغلون الآن مناصب عليا في الحزب الحاكم، ويُعدّون من كبار القادة في نيبال، وهم: رئيس الحزب رابي لاميتشاني، ورئيس الوزراء بالين شاه، والبرلماني ساغار دهكال، ووزير الداخلية النيبالي سودان غورونغ.
ومع استمرار ارتفاع عدد القتلى في نيبال عقب الانهيار الأرضي الكارثي، تعرّضت هذه الشخصيات لانتقادات واسعة من المواطنين النيباليين في مختلف أنحاء البلاد، بسبب الاستجابة الحكومية الفاترة للكارثة.
رؤية مظلمة
في الأيام التي تلت اختفاء آلاف الأشخاص من جراء تدفق ملايين الأطنان من الجليد والطين والصخور عبر وادي نهر تريشولي في نيبال في يوم الـ 26 من الشهر الماضي، تركزت معظم الإدانات الشعبية على رئيس الوزراء شاه نفسه. وينبع هذا السخط بشكل كبير من مزاعم رفض شاه للمساعدات الدولية التي تشتد الحاجة إليها، ومن محاولاته تبرير سوء إدارة حكومته. ومع تعثر جهود الإنقاذ، يقول المراقبون إن الحكومة تقاعست عن العمل، ورفضت المساعدات الخارجية في أحلك الظروف. يقول الرئيس التنفيذي لرابطة منتجي الطاقة المستقلين في نيبال بهشيم غوتام، إنه اضطر في نهاية المطاف هو وزملاؤه إلى "الضغط على الحكومة" للسماح بدخول عمال الإنقاذ من الصين والهند وأستراليا، "لكن الوقت قد فات".
وقد خلص أحد المحللين السياسيين الذين استشارتهم إحدى وسائل الإعلام الأميركية إلى أن رفض المساعدات المقدمة إلى نيبال كان رداً مباشراً على فكرة أن "الصين تمكنت من ترسيخ موطئ قدم جيوسياسي في البلاد" بعد مساعدتها لنيبال خلال الزلزال المدمر الذي ضربها عام 2015. وفي ظل الغضب الذي أثاره جنون الارتياب المعادي للصين، والذي بدا وكأنه يعرّض النيباليين المحاصرين تحت الأرض للموت اختناقاً، طالب متورط في محاولة إطاحة حكومة نيبال عام 2025، وكتب على منصة اجتماعية، "رجاء، ضعوا نزعتكم القومية المتطرفة جانباً، وحثوا الحكومة على قبول أي دعم نتلقّاه، من أي دولة الآن".
كما سعت وسائل إعلام غربية وبعض المعلّقين النيباليين إلى تحميل الصين مسؤولية الانهيار الأرضي، زاعمين أن بيجين أخفت بيانات كان من الممكن أن تنقذ أرواحاً. لكن وثائق نشرتها وكالة رويترز في الـ 30 من الشهر الماضي، أظهرت أن الصين قبل 12 يوماً فقط من الكارثة، قدمت بالفعل تحذيراً مسبقاً لنيبال مفاده أن "هطول أمطار غزيرة محتمل في معظم أنحاء البلاد"، وقد يتسبب في "مخاطر ثانوية ومتتالية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الانهيارات الأرضية والفيضانات المفاجئة.
كما أثار شاه غضب قادة الحكومات النيبالية المحلية والمنظمات غير الحكومية عندما أصرّ على أن تتم التبرعات كلها بشكل حصري من خلال بوابة إلكترونية تسيطر عليها إدارته في محاولة مزعومة لمنع "الاحتيال المالي المحتمل". ومنذ ذلك الحين، استمر شاه في إثارة الجدل بإصراره على أن الحكومة عاجزة عن تقديم المزيد من المساعدة للمحاصرين من جراء الانهيار الأرضي. وبعد تصريحه في بداية الشهر الجاري بأنه "لا توجد دولة تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع هذا النوع من المواقف" وأنه "لا توجد تقنية مُتاحة في أي مكان يمكن استخدامها فوراً"، كان رد فعل الخبراء على كلامه قوياً للغاية.
لقد "كان رئيس الوزراء مخطئاً تماماً"، هكذا ردّ أحد المهندسين المشاركين حالياً في عملية إنقاذ النفق، كما "أن عملية إنقاذ الأشخاص من نفق مليء بالطين هي نفسها في جميع أنحاء العالم، والخبرة والتكنولوجيا اللازمة متوفرة لذلك". سوباش تشاندرا بارال مدير جمعية المهندسين النيباليين كانت ردة فعله أكثر إدانة، واتهم رئيس الوزراء بالمسؤول "غير المسؤول"، وقال إن الوضع واضح فالحكومة، "لم تكن تعرف كيف تنفذ عملية الإنقاذ، وفشلت في الاستعداد، وارتكبت أخطاء، والآن تحاول إلقاء اللوم على الآخرين.
لكن ليس رئيس الوزراء وحده من يواجه غضب الشعب، فوزير الداخلية سودان غورونغ، الذي تصدّر عناوين الأخبار في نيبال لمشاركته المباشرة في عملية إنقاذ النفق الجارية، يخضع هو الآخر لتدقيق متزايد. ورغم تقدير البعض لرمزية مشاركته الشخصية في المشروع، سارع النقاد إلى الإشارة إلى أنه مسؤول عن توجيه استجابة حكومية شاملة، لا عن إدارة العمليات الفردية بتفاصيلها الدقيقة. وكما ذكرت صحيفة "ذا ستيتسمان" النيبالية اليومية عن أن غورونغ هو وزير داخلية نيبال، وليس منقذاً في الأنفاق"، بينما سأل المراقبون عن أنه عندما يصبح وزير الداخلية منقذاً، فمن يقود الاستجابة للكوارث؟
فلقد أثار غورونغ استغراباً واسعاً عندما أعلن على منصة إنستغرام أنه يجمع تبرعات لمنظمته غير الحكومية والشخصية "حامي نيبال"، في حين كانت الحكومة التي كان فيها تطالب صراحة بتوجيه الأموال إلى صندوق التبرعات الحكومي، لا إلى المنظمات غير الحكومية. وقد حذف المنشور من مواقع التواصل الاجتماعي بعد ذلك بوقت قصير. كذلك، تعرّض النائب ساغار داكال لانتقادات حادة، بسبب سلوكه وسط الكارثة الطبيعية المروعة. وبعد أن انتقد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي داكال بشدة لتجوّله في موقع الكارثة بطائرة مروحية، في حين كانت جهود الإنقاذ متوقفة في الأسفل، كان النائب واحداً من 4 أعضاء في الحزب الحاكم ذكرتهم وسائل الإعلام المحلية، واتهمهم النيباليون بالتعامل مع موقع الدمار وكأنه وجهة سياحية.
كما ازداد استياء الرأي العام من التدفق المستمر لصور السلفي التي ينشرها أشخاص مثل داكال لدرجة أنه أجبر رئيس الحزب رابي لاميتشاني على مطالبة زملائه رسمياً بالتوقف عن الانخراط في "سياحة الكوارث"، متوسلاً إلى أعضاء الحزب في مناقشة خاصة لخّصها متحدث باسم الحزب لاحقاً على النحو الآتي، "مهمتنا هي تقديم الإغاثة للمجتمعات المتضررة، لا أن نصبح عبئاً عليها". كما كان لاميتشاني نفسه قد أصبح موضع سخرية عامة بسبب ما اعتُبر عدم اكتراثه. فلم يبدأ مناقشاته مع القادة المحليين المشرفين على المناطق المتضررة إلا بعد 4 أيام من وقوع الكارثة. ولفهم كيف يمكن لحكومة تقضي الكثير من وقتها على وسائل التواصل الاجتماعي أن تنتهي إلى هذا الحد من الانفصال عن ناخبيها، من المهم دراسة تاريخ الحزب نفسه.
الحزب الحاكم نشأ برعاية أميركية كاملة
تأسس حزب "آر سي بي" الحاكم في نيبال عام 2022، عندما دخل رابي لاميتشاني معترك السياسة بعد مسيرة طويلة كإعلامي معروف حائز على أرقام قياسية في موسوعة غينيس. وقد أطلق لاميتشاني الحزب الذي ما يزال رئيساً له حتى اليوم، في وقت تزامن تماماً مع نهاية فترة التمويل الأولية لمنظمة "نيتي سامباد". وسرعان ما أصبح لاميتشاني نائب رئيس وزراء نيبال، ثم أُجبر على الاستقالة بعد وقت قصير، ومغادرة الحكومة عندما جرى الكشف عن أنه فشل في التخلّي عن جنسيته الأميركية، وهو أمر غير قانوني بموجب دستور نيبال، لكن حزبه وجد حياة جديدة بعد إطاحة حكومة أولي، عندما انضم إلى أبرز وجوه حركة الاحتجاج المشبوهة.
كذلك كان شاه المهندس ومغني الراب من أبرز هؤلاء، وقد حقق شهرة واسعة على المستوى الوطني، وأصبح عمدة كاتماندو عام 2022، بعد 3 سنوات فقط من ورود اسمه في ملفات لجنة التحقيق في الجرائم الاقتصادية والاجتماعية "سيبس". وبينما كانت مدينته تحترق في العام الماضي، لجأ شاه إلى وسائل التواصل الاجتماعي معلناً تضامنه مع المتظاهرين. ويقول منتقدوه إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث زعم طلاب موالون للحكومة أنه تعمّد منع سيارات الإطفاء من إخماد الحرائق في المباني الفيدرالية. وعندما انضم شاه إلى حزب "آر سي بي" بعد الانقلاب بفترة وجيزة، كان الحزب بدأ يظهر أنه "القوة السياسية الجبارة"، ولاحقاً أصبح فوراً مرشح الحزب لأعلى منصب في البلاد.
يمثل دعم مركز دراسات السياسات العامة "سيبس" لشاه خامس حالة معروفة لدعم الصندوق الوطني للديمقراطية "إن إيه دي" لمغني الراب في محاولة لإسقاط نظام يُفترض أنه معادٍ. وشملت الجهات التي تلقّت تمويلاً سابقاً فرق هيب هوب في فنزويلا والسنغال، وكما كشف موقع "ذا غرايزون"، أن من ضمن هؤلاء مغنّو الراب المناهضون للشيوعية في كوبا، ومغني الراب الاحتجاجي في بنغلادش.
ويبلغ شاه من العمر 35 عاماً، ويحظى بشعبية هائلة بين الشباب النيباليين، وقد انتُخب عضواً في مجلس النواب في آذار/ مارس وعُيّن رئيساً للوزراء مباشرة. برز سودان غورونغ، أحد أبرز أعضاء النخبة السياسية الجديدة، على الساحة السياسية عام 2020 بتأسيسه منظمة "حامي نيبال" غير الحكومية. وبعد سنوات من النشاط السياسي المحدود، أصبحت المنظمة محورية في تنظيم احتجاجات أيلول/ سبتمبر 2025، التي أطاحت حكومة أولي.
ورغم أن خادم "حامي نيبال" على منصة "ديسكورد" كان يعجّ برسائل تعبر عن نيّات عنيفة في الأيام التي سبقت الاحتجاجات، إلا أن المنظمات غير الحكومية التي قادت الاحتجاجات نأت بنفسها لاحقاً عن الدمار الذي حل بالبلاد. وبعد إطاحة أولي، اختارت المنظمة لاحقاً أفراداً للعمل في الحكومة المؤقتة للبلاد، بالتنسيق مع الجيش القوي في كاتماندو. وكان غورنغ قد انضم إلى حزب "آر سي بي" بعد فترة وجيزة من انضمام شاه، ودخل إلى مجلس النواب لأول مرة مع شاه.
تدريب الشباب ليكونوا "أداة تغيير" أميركية
في إطار مهمتها المتمثلة في استخدام الهندسة الاجتماعية لإحداث تغيير في الأنظمة حول العالم، سعت مؤسسة الديمقراطية الوطنية "إن إيه دي" منذ فترة طويلة إلى استهداف الفئات التي تعتبرها الأكثر ضعفاً في أي بلد. وفي حالة نيبال، ظهر ذلك في استهداف الشباب والأقليات. وفي قسم يوضح جهود "إن إيه دي" الرامية إلى توليد ودعم وبناء قدرات قادة الجيل المقبل في البرلمان، أشار مُعدّو الوثيقة إلى أن منظمة "سيبس" قد حددت مع قادة ناشئين محتملين من مختلف الأطياف السياسية، والذين يمكنهم أيضاً أن يكونوا عوامل تغيير في البرلمان". وسيحظى السياسيون الذين اختارتهم الولايات المتحدة بدعم سخي من "إن إيه دي" و"سيبس" معاً.
ويبدو أن هؤلاء "القادة الناشئين المحتملين" يشملون شاه، وغورنغ، ولاميتشاني، وداكال، الذين ذُكروا تحديداً كـ "قادة مدنيين محفّزين" خططت "سيبس" لمساعدتهم بإطار جهودها للتواصل مع الشباب. ويقود عمل واشنطن في نيبال منتدى سياسات الشباب الذي يهدف إلى ربط العشرات من القادة المستقبليين المحتملين الذين وافقت عليهم منظمة "إن إيه دي" من فئات سكانية مختارة بممثلي منظمات المجتمع المدني المحلية البارزة المموّلة من الغرب.
وقد خططت مؤسسة الديمقراطية الوطنية "إن إيه دي" للتواصل مع مجموعة من 25 إلى 30 نائباً شاباً واعداً، لإنشاء منتدى الجيل المقبل البرلماني. وسيمثل هذا المنتدى التنوع في نيبال من حيث الجنس والمنطقة والعرق، بهدف تسخير حماستهم وتوجيه طاقاتهم نحو تعزيز قدراتهم القيادية كصنّاع تغيير داخل الآلية السياسية لمجلس النواب. فلقد كان هدف كل من منظمة "سيبس" و "إن إيه دي" تقديم دعم مكثف لقادة المستقبل المختارين، وتعليمهم كيفية تسويق أنفسهم لجمهور محدد. وقد وعدت آليات التمويل الحكومية الأميركية بخطط طموحة لتعزيز حضورهم الإعلامي وتزويدهم بسلسلة من الدورات التدريبية في وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات العامة والخطابة وتطوير مهارات القيادة بشكل عام.
وأوضحت الوثيقة أن الفكرة تكمن في "بناء مجتمع من البرلمانيين الشباب الذين يعملون كعوامل تغيير يومياً، سواء على الصعيد الخارجي أم ضمن أدوارهم البرلمانية". وأضافت، "سيؤدي ذلك أيضاً إلى خلق جو من الصداقة والتضامن بين أعضاء المجموعة، ودعم البرلمانيين الشباب"، الذين سيعملون على تنفيذ ما سمّته "إن إيه دي" بـ "الأجندات التقدمية والديمقراطية.
كان السخط بشأن بطالة الشباب محورياً لانقلاب كاتماندو في أيلول/ سبتمبر 2025، على الرغم من أنه بعد تغيير السلطة، ظلت البطالة بين الشباب النيباليين من دون تغيير تقريباً بعد مرور عام. لكن شباب البلاد لم يكونوا الفئة الوحيدة المهمشة التي استُهدفت. ومنظمة "إن إيه دي" تسعى إلى استغلال النساء وذوي الاحتياجات الخاصة والأقليات العرقية النيبالية. ومن بين الأولويات الأخرى المذكورة في ملفات "سيبس" المسربة، تمكين "زيادة فرص وصول الأقليات العرقية، بما في ذلك الداليت والجانجاتي والمسلمون والمديشي، إلى النظام السياسي" كهدف أساسي في نيبال. وقد خططت المنظمة "للتواصل مع الأقليات العرقية، وستنفذ برامج تثقيفية مدنية وانتخابية موجهة باستخدام مواد بلغات عرقية متنوعة". وفي الوقت نفسه، سيتواصل شركاء "سيبس" مع ممثلي الأقليات "لتنفيذ أعمال موجهة".
وباعتبارهم مجتمعاً مهمّشاً تاريخياً في نيبال، بدا أن المنظمتين المذكورتين تنظران إلى الماديشيين كجنود مثاليين لتنفيذ تغيير النظام. وقد تم إنشاء "منتدى مخصص للجماعات المهمّشة"، على غرار الهيئة الشبابية لـمنظمة "سيبس"، لاستغلال "التمييز الطبقي" كقضية سياسية مثيرة للجدل. كما حظي النيباليون ذوو الاحتياجات الخاصة باهتمام كبير، حيث سعت منظمة "سيبس" إلى زيادة وصولهم "إلى العملية السياسية من خلال التثقيف المدني والمناصرة". وشُجع إشراك النساء ولا سيما في المناصب القيادية ومناصب صنع القرار.
إلى جانب التعاون مع التحالف النسائي بين الأحزاب في البرلمان النيبالي والحملة التي تدعو إلى أن يتألف ثلث المجلس التشريعي من النساء على الأقل، قدّم مركز "سيبس" أيضاً دورة تدريبية حول مهارات القيادة والمناصرة، إضافة إلى جلسات فنية حول النظام الفيدرالي النيبالي والانتخابات والعمليات السياسية. وفي محاولة لتحسين البيئة الاجتماعية الملائمة للمرأة في نيبال، تعهدت منظمة "سيبس" بتقديم الدعم الفعّال للناشطات في مجال حقوق المرأة مثل رانجو دارشانا. وكما هو متوقع، انتخبت دارشانا لعضوية البرلمان لأول مرة في آذار/ مارس الماضي.
منظمة أميركية تحلل "سلوكيات وتفكير" النيباليين لصياغة الرسائل
لم تكتفِ منظمة "إن إيه دي" بمجرد السعي لاختيار قادة نيبال المستقبليين، بل أكملت مناوراتها السياسية باستطلاعات الرأي العام التي استُخدمت لقياس نجاح جهودهم. كما أعلن عن أن منظمة "سيبس" وعدت بإجراء استطلاعات رأي عامة وطنية منسقة و"أبحاث رأي عام مصغّرة" للأحزاب السياسية التي تفضّلها. وذكرت الجهة الحكومية الأميركية أن استطلاعات الرأي ومجموعات التركيز التي يجريها المركز تُعد "أداة قيّمة" لفهم ما يفكر فيه المواطنون، وإعطاء نظرة ثاقبة على سلوكياتهم وعمليات تفكيرهم.
ولقد أثرت النتائج على أنشطة المنظمة في البلاد، حيث استُخدمت "استطلاعات رأي وطنية" لـ"وضع أسئلة موحدة تغطي قضايا السياسة الوطنية ليجيب عنها المرشحون البرلمانيون" خلال المناظرات الانتخابية، من بين تطبيقات أخرى. ونتيجة لذلك، كان المشرّعون والناشطون والمرشحون المحتملون لمجلس النواب في نيبال مجهزين جيداً لنشر رسائل شعبية تلقى صدى لدى فئات مستهدفة محددة، بينما كانوا جميعاً يقرأون في نهاية المطاف نصاً معتمداً من واشنطن. ولم يكن المواطنون العاديون على دراية بدور "سيبس".
تبرئة مرتكبي انقلاب نيبال الأميركي
تولّت الحكومة النيبالية الجديدة مهامها رسمياً في الـ 27 من آذار/ مارس الماضي. ولكن بعد تولّي شاه السلطة مباشرة، بدأت وسائل الإعلام الرئيسية ذاتها التي هلّلت لمغني الراب المنشق وحزبه فجأة بالاهتمام بفضيحة كبيرة محتملة عن تورط كبار أعضاء الحزب فيها، بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه. وخلال الأشهر الستة التي حكمت فيها البلاد، شكلت الحكومة الانتقالية غير المنتخبة، التي نصّبها الجيش، لجنة رسمية للتحقيق في ملابسات انقلاب أيلول/ سبتمبر العنيف في العام الماضي. ولم يصدر شاه تقرير اللجنة علناً، لكن نسخاً مسرّبة منه وصلت إلى وسائل إعلام رئيسية. ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، طالب التقرير المسرّب بإجراء تحقيقات جنائية مع العديد من قادة الحكومة المخلوعة، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق أولي، الذي اعتُقل في آذار/ مارس الماضي بتهمة الإهمال، بزعم سماحه بسقوط متظاهرين. كما استجوبت اللجنة مسؤولين في الحكومة الجديدة، بمن فيهم شاه، حول تورطهم المحتمل في جرائم خطيرة ارتكبها المتظاهرون.
على الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية الرئيسية بدأت تعترف بأن الهجمات التي أشعلت النار في كاتماندو كانت "منسقة"، إلا أن المحققين امتنعوا حتى الآن عن ملاحقة قادة البلاد الجدد. ورغم أن العديد منهم مثل غورنغ ومنظمته غير الحكومية "حامي نيبال"، كانوا على صلة وثيقة بالمجتمع المدني والمنظمات السياسية التي دبرت الاضطرابات، فإن شاه وأعضاء حزبه لم يواجهوا أي اتهامات أو تحقيقات جنائية حتى الآن. ويثير هذا الأمر تساؤلات بديهية حول ما إذا كانت نتائج التقرير قد تأثرت بالحكومة النيبالية الحالية. فعلى أقل تقدير، يبدو أن العديد من الشهود قد كذبوا على اللجنة. ولقد ادعى شاه عمدة كاتماندو آنذاك، أنه أُرسلت سيارات الإطفاء فوراً لإخماد الحرائق التي أشعلها المتظاهرون. إلا أن التقرير الذي جرى تجاهله، يشير إلى أن هذه السيارات لم تصل بسرعة. وفي تطور غريب آخر، لم تتضرر أي من مباني الحكومة البلدية الخاضعة لسيطرة شاه الفعلية في كاتماندو خلال الاضطرابات.
إضافة إلى أن الجيش النيبالي ذا النفوذ السياسي، والذي لم يكن هدفاً واضحاً للمتظاهرين، استجاب ببطء شديد للهجمات على مجمع حكومي حيث كانت أضرار الحريق أشد، على الرغم من وجود ثكنات عسكرية في الموقع. كما لم تُجرَ أي تحقيقات مهنية في مواقع الجرائم إلا بعد أسابيع عديدة، حين كانت الأدلة قد تضررت بشدة. وبحسب التقارير الرئيسية، يُعد رابي لاميتشاني شخصية محورية في التقرير، بسبب مشاكله القانونية السابقة. وتثير قيادته للحزب تساؤلات جوهرية حول برنامج الحزب لمكافحة الفساد.
ولقد سجن لاميتشاني في نيسان/ أبريل2025، في أثناء التحقيق معه في العديد من الجرائم الخطِرة، بما في ذلك الاحتيال. وأُطلق سراحه خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أيلول/ سبتمبر العام الماضي، على أيدي حشد غاضب من آلاف من أنصاره، الذين اقتحموا سجنه، وأجبروا مدير السجن على توقيع وثيقة تجيز إطلاق سراحه. وفي اليوم نفسه، ظهر أحد قادة الحزب في مقطع فيديو يحتفل بإحراق مقر "كانتيبور" المجموعة الإعلامية المحلية التي كشفت عن مشاكله المتعلقة بالجنسية وأدت إلى فشله في ولايته الأولى في الحكومة. ولم يُدلِ لاميتشاني بأي تعليق علني على هجوم الحرق العمد على كانتيبور، والذي سبق أن أعلن محقق في اللجنة أنه مرتبط "بشكل واضح" بالحزب الحاكم. لكن الروابط الموثوقة العديدة بالعنف قد تمثل أدلة قوية محتملة للابتزاز لضمان ولاء قادة كاتماندو الجدد للإمبراطورية الأميركية، وإلا سيواجهون الملاحقة القضائية.
متلازمة الصين
إلى جانب الإشارات العديدة إلى كيفية خدمة كوادرها المدرّبة الموالية للمصالح الأميركية، تكشف الملفات المسرّبة أيضاً عن انشغال بتقويض النفوذ الإقليمي للصين. ومن غير الواضح مدى فعالية هذه الحملة المناهضة لبيجين، لكنها ربما تكون قد عرقلت تحديداً ذلك النوع من الحوار الذي كان من شأنه تحسين الاستجابة للانهيار الأخير. كما وعدت وثيقة مسرّبة منفصلة صادرة عن "سيبس" بأن المنظمة ستقود "مبادرة منسّقة ومتكاملة على مستوى الشبكة" بشأن ما سمّته" الآثار السلبية للصين في الخارج على الحوكمة والأعمال التجارية وحقوق الإنسان وتقنية المراقبة والانتهاكات البيئية وقمع الأقليات العرقية.
ومن أهم عناصر المبادرة تسليط الضوء على "الآثار السلبية المزعومة لاستثمارات الصين في الوقود الأحفوري والبنية التحتية والطاقة الكهرومائية" التي قُدمت كجزء من مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها بكين، حيث ذهبت "سيبس" إلى حد الدعوة إلى إنشاء "محكمة خاصة بمبادرة الحزام والطريق... لطلب الإنصاف" بشأن المخالفات المزعومة لبرنامج التنمية الصيني. كما أكد تقرير "سيبس" لعام 2019 أن عملها في نيبال يُنفذ "بما يتماشى مع أهداف استراتيجية واشنطن للمحيطين الهندي والهادئ، وهي استراتيجية تتكوّن إلى حد كبير من محاصرة بيجين بحكومات براغماتية ومنشآت عسكرية أميركية.
إذا كان الأمر كذلك، فقد تواجه واشنطن معركة أشد مما كان متوقعاً. ففي بيان نُشر بداية الشهر الجاري، انتقدت نسبة كبيرة من منظمات المجتمع المدني التي دعمت "ثورة جيل زد" علناً، وللمرة الأولى، انتقدت تعامل الحكومة مع عمليات الإنقاذ الجارية، في الوقت الذي تصدّت فيه للمشاعر المعادية للصين. وحمل البيان تواقيع 35 شخصية عامة، من بينهم 3 على الأقل من أبرز داعمي اضطرابات عام 2025 التي أوصلت الإدارة الحالية إلى السلطة، وانتقدت الرسالة الحكومة الفيدرالية بشدة لفشلها في "إظهار دور منسّق ومسؤول في عمليات البحث والإنقاذ وتوزيع الإغاثة" وسط الكارثة.
وبحسب وسائل الإعلام الإقليمية، فإنه إضافة إلى المطالبة بالشفافية المالية فيما يتعلق بالأموال والمواد المتبرَّع بها لبوابة المساعدات التابعة لرئيس الوزراء، "دعا الناشطون أيضاً إلى تعاون أقوى مع الصين بشأن أنظمة الإنذار المبكر.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.