"Responsible Statecraft": بعد عقدين من العراق.. متى تتعلم أميركا درس الحروب؟

الولايات المتحدة بارعة في إشعال الحروب، لكن سجلها في إيقافها سيئ للغاية. العراق وأفغانستان وليبيا، والآن إيران، كلها أمثلة على ذلك.

0:00
  • القوات الأميركية تغادر العراق
    القوات الأميركية تغادر العراق

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تجربة جندي أميركي سابق شارك في حرب العراق، وتأمله، بعد نحو عقدين، في جدوى تلك الحرب، ويدعو من خلاله الإدارة الأميركية إلى عدم تكرار أخطاء الحروب السابقة، معتبراً أنّ أفضل طريقة لتجنّب مأزق إنهاء الحروب هي عدم إشعالها من الأساس.
 
 أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

كانت حرب العراق قد مضى عليها أربع سنوات حين هبطت بنا الطائرة العسكرية في "قاعدة التقدم الجوية" وسط العراق عام 2007. وحقيقة أنني أكتب هذه الكلمات اليوم دليل على أنني نجوت من تلك المهمة، ومن مهمات لاحقة في أفغانستان عام 2013.

بعد ذلك، عدت إلى الحياة المدنية، وأسست مسيرة مهنية جديدة، ورأيت أطفالي يكبرون ويغادرون المنزل العائلي. وخلال معظم تلك الفترة، كانت قوات أميركية لا تزال موجودة على الأرض في العراق.

لديّ ابن يخدم في الجيش اليوم، وهو لم يذهب إلى العراق قط، لكنني أتفهم تماماً معاناة قدامى المحاربين في العراق الذين عادوا من الحرب ليجدوا أبناءهم أو بناتهم يُرسلون إلى منطقة الحرب ذاتها. ولأن الخدمة العسكرية الأميركية أصبحت شأناً عائلياً بصورة متزايدة، فلا بد من وجود كثير من الأحاديث التي يستمع فيها الأب إلى قصص ابنه عن العراق، وإلى مغامراته الخاصة التي تبدأ بعبارة: "في أيامي في العراق".

لو أخبرني أحد، وأنا أتفادى العبوات الناسفة في صيف عام 2007، بأنني سأكتب في سن 48 عاماً مقالاً عن مغادرة آخر القوات الأميركية العراق اليوم، لكنت تساءلت منذ ذلك الحين عن مغزى وجود الولايات المتحدة هناك. فقد كنت أعتقد آنذاك أننا نحارب "الإرهابيين" ونسهم في بناء عراق حر، لكن بعد عقدين من الزمن، لا أدري لماذا كنا نقاتل هناك فعلاً.

أعلم أنني ورفاقي من مشاة البحرية نجونا من مواقف خطيرة، لكن نحو 5000 أميركي لم ينجوا من خدمتهم في العراق منذ الغزو عام 2003، إلى جانب مئات الآلاف من الضحايا الآخرين، من المتعاقدين الأميركيين وحلفائنا والشعب العراقي.

السؤال الذي يؤرقني الآن هو: ماذا لو قُتلت في العراق؟ ما الغاية من موتي؟ لا أملك إجابة شافية عن هذا السؤال، ومجرد عودة آخر الأميركيين من العراق بعد 19 عاماً يدفعني إلى الاعتقاد بأنني لن أجد هذه الإجابة أبداً.

لقد حارب جدي في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، وكان بإمكانه القول إنه أسهم في دحر الأنظمة الشمولية، لأن الحرب انتهت فيما كان لا يزال شاباً. أما أنا، فما زلت أرى الجنود يلتحقون بوحداتهم القتالية بعد أن بلغت منتصف العمر.

في هذه المرحلة، لا أرغب حقاً في الحصول على إجابة عن سؤالي. لكنني أتمنى أن أرى كل ما فُقد في العراق، من الأرواح التي قُتلت، والحيوات التي تحطمت لدى من عادوا، والموارد، وحتى جزء من براءتنا الجماعية، يتحول من هدر إلى تضحية؛ أي إلى شيء يتخلى فيه الأفراد والمجتمعات عن أمر ذي قيمة من أجل غاية نبيلة.

وأفضل طريقة لتحويل كل ما فُقد في العراق إلى تضحية هي استخلاص العبر الصحيحة من التجربة وتطبيقها بصورة سليمة في المستقبل.

ومن بين هذه الدروس حدود العمل العسكري. وإذا أردنا أن نكون منصفين، فلا بد من القول إن أسباب الحرب على العراق كانت موضع شك، ومتفرعة من خليط من الاستراتيجيات المتنوعة التي تشترك جميعها في هدف غامض واحد هو إقامة حكومة مستقرة وديمقراطية في بغداد.

وقد استطاعت الولايات المتحدة القضاء على القوة العسكرية لحكومة صدام حسين في غضون شهر واحد، لكن الجيش الأميركي احتاج بعد ذلك إلى أكثر من عقدين ليقترب حتى من تحقيق ذلك الهدف.

ففي عراق اليوم، لم يعد الطاغية موجوداً، لكن البلاد لا تزال تعاني قمعاً في جوانب عديدة، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وأصبحت أكثر ميلاً إلى إيران. كما تبدو الفصائل سعيدة إلى حد كبير برؤيتنا نغادر بموجب الاتفاقية الأميركية - العراقية، فيما أطلقت بغداد احتفالات بـ"السيادة" استمرت أربعة أيام.

العراق وأفغانستان وليبيا، والآن إيران، كلها أمثلة تحذيرية. وليس جديداً القول إن إشعال الحروب أمر سهل، أما إنهاؤها فمسألة أخرى تماماً.

الولايات المتحدة بارعة في إشعال الحروب، لكن سجلها في إنهائها سيئ للغاية. ولعل من أفضل ما يمكننا فعله، كمجتمع، لإحياء ذكرى من فقدناهم في حروبنا الأخيرة، أن نتجنب متاعب إنهاء الحروب عبر عدم إضرام نيرانها من الأساس.

خلال نزهة في أرلينغتون، حيث أسكن، الأسبوع الماضي، مررت بجانب نصب مشاة البحرية التذكاري، حيث نُقشت أسماء وسنوات جميع الحملات الحربية التي خاضها جنود المارينز حول قاعدة النصب المصنوعة من الغرانيت الأسود.

وقد نُقش اسما أفغانستان والعراق وتاريخا بدء الحربين، من دون تاريخ انتهاء أي منهما. ويحيط بالنصب حالياً سياج شبكي، فيما يعمل العمال على ترميمه، وآمل أن يشمل ذلك إضافة تاريخ انتهاء هاتين الحربين، بوصفه دليلاً مادياً لا يمكن دحضه.

وأدعو الله بصدق أن يمر وقت طويل قبل إطلاق حملة حربية أخرى.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.