"Mondoweiss": اتفاق مكة يكشف تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة
"اتفاق مكة" يفتح الباب أمام نظام أمني إقليمي أقل اعتماداً على واشنطن، يجمع القدرات العسكرية التركية والباكستانية مع الموارد السعودية، بما قد يحدّ من التفوق الإسرائيلي في المنطقة.
-
"Mondoweiss": اتفاق مكة يكشف تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة
نشر موقع "Mondoweiss" تقريراً تناول فيه أبعاد الاتفاقية الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفها مؤشراً إلى تراجع النفوذ الأميركي وإعادة تشكّل التحالفات الأمنية في المنطقة في مواجهة تصاعد العدوان الإسرائيلي.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية
تكشف الاتفاقية الدفاعية الجديدة بين السعودية وتركيا وباكستان، كيف يجبر العدوان الإسرائيلي المنطقة على إعادة تشكيل تحالفاتها، في أحدث دليل على تراجع النفوذ العالمي للولايات المتحدة.
في الأسبوع الماضي، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع أثارت التكهنات في الساحة الدولية. وعلى الرغم من أن الاتفاقية المذكورة قد نوقشت علناً منذ فترة، فإنها أثارت تساؤلات حول تداعياتها على الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وعلى الأمن طويل الأمد في المنطقة.
وبينما أعربت "إسرائيل" وحلفاؤها عن استياء شديد من الاتفاق، قللت كل من إيران والولايات المتحدة من شأنه. فما سيعنيه الاتفاق عملياً ما يزال سؤالاً مفتوحاً، رغم أن بعض التصريحات الضخمة بأنها اتفاقية شبيهة باتفاقية حلف "الناتو". من المرجح ألا تحدث الاتفاقية تغييرات كبيرة على المدى القريب. ولا تتوفر تفاصيل كافية حول ما سيتم تفعيله في الدفاع المشترك، وما هو المطلوب من كل عضو في التحالف في حال تفعيل هذا الأمر.
كل ذلك، يعكس شعوراً متزايداً بأن الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها كضامن للأمن، وأن الدول الصغيرة والمتوسطة ستضطر إلى تولي زمام الأمور الأمنية بشكل أكبر. وإذ لن يتم تجاهل مخاوف ومصالح الولايات المتحدة في المستقبل المنظور، فإن دورها سيتحول تدريجياً من شريك استراتيجي إلى تاجر أسلحة لا أكثر. لا تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن تراجعها بسبب ضعف مصداقيتها فحسب، باتخاذ قرارات سيئة للغاية، بل ساهمت أيضاً في جعل "إسرائيل" تشكل تهديداً أكبر للأمن الإقليمي، مما كانت عليه تاريخياً، متجاهلة جميع حلفائها الآخرين لصالح حماية عدوان "الدولة" الصهيونية.
لا ثقة بالولايات المتحدة
كان من المتوقع أن تكون الفترة الثانية لرئاسة دونالد ترامب أكثر كارثية من الأولى، في السياسة الخارجية على وجه الخصوص بقرارات حمقاء وفساد هائل وأخطاء ستترك آثاراً لسنوات عديدة بعد مغادرته المنصب الرئاسي. لقد عرض ترامب كل حلفائه في السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين للخطر بشكل مباشر بهجماته المتهورة على إيران، وأثارت أفعاله كارثة حقيقية في تلك الدول، في حين تعرضت للرد الإيراني الشديد.
وفي أسوأ الأحوال، قد تُدمر الهجمات الإيرانية صناعة النفط وأنظمة تحلية المياه في المنطقة، ما يجعل تلك الدول غير صالحة للسكن. وفي حين ردت الإمارات على ذلك بتعزيز شراكاتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ابتعدت الدول الأخرى ببطء عن النفوذ الأميركي. إن تسليح ترامب لـ"إسرائيل" وتشجيع أكثر متطرفيها، أدى إلى توسيع الدولة الصهيونية مناطق احتلالاتها إلى لبنان وأبعد من أي وقت مضى في سوريا أيضاً، مع تغطية إدارته لتصاعد الفظائع ضد الفلسطينيين والتي تعد أبشع جرائم في تاريخ البشرية.
ولزيادة الطين بلة، لم يفعل ترامب هذه الأمور بمفرده. فقد بنى في فترته الأولى في المنصب وسياسات جو بايدن المتهورة غير الأخلاقية، لتضخيم انعدام الثقة بالولايات المتحدة. ويمكن تتبع الكثير من فقدان ثقة السعودية في الولايات المتحدة إلى رفض ترامب اتخاذ إجراء بعد هجوم أنصار الله على حقول النفط في المملكة. بالنسبة إلى الرياض، كان ذلك أول مؤشر كبير على أن الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها في التزامها بجانب "النفط مقابل الأمن"، الذي بنيت عليه العلاقات الاستراتيجية الأميركية- السعودية.
لقد كان دعم بايدن للإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة، وهجماتها على لبنان، وغزوها لسوريا قد عزز المخاوف بشأن عدم اتخاذ إجراءات لاستعادة الاتفاق النووي مع إيران، الذي كان من الممكن في ذلك الوقت أن يمر بجهود وساطة العراق والصين التي نجحت في خفض التوترات بين الرياض وطهران. وكان ذلك دليلاً على أن الولايات المتحدة وليس فقط دونالد ترامب، كانت مستعدة للتضحية باستقرار الخليج لدعم العدوان الإسرائيلي. كذلك، زادت الحرب على إيران من تقويض ثقة العرب في الولايات المتحدة، حيث ضغط حلفاء واشنطن لأجل التوصل إلى حل دبلوماسي للتوترات مع طهران، رغم بعض التقارير التي تشير إلى العكس. كانت الرياض وعواصم عربية أخرى قلقة من أن الهجوم على إيران خُطط له من دون أخذ احتياجاتهم الأمنية في الاعتبار أو أي مشاورات معهم.
وهذا الفقدان للثقة بواشنطن أمر خطير. فالأمر لا يتعلق فقط بترامب أو بايدن، بل يخرج من الطبيعة المتقلبة للسياسة الأميركية وعدم قدرة الرئيس على الوعد بأن الرئيس التالي سيلتزم بالاتفاقيات التي وقعها سلفه، في حين هذا الفقدان للثقة لن يُتراجع عنه بسهولة من قبل الإدارات المستقبلية.
إيران و"إسرائيل"
تُصر كل من تركيا وباكستان والسعودية على أن هذا الاتفاق الجديد ليس موجهاً ضد دولة أو جهة معينة. ورغم أن هذا صحيح من الناحية التقنية، فإن الاتفاق يهدف إلى ردع هجمات محتملة من أعداء وخصوم، والدولتان الأكثر احتمالاً لهذا هما إيران و"إسرائيل". في العلن لم تبد إيران قلقاً من الاتفاقية المذكورة. وقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي إن "أي خطة تستند إلى الواقع الجيوسياسي والتاريخي للمنطقة، وشاملة، وتحدد العدو والتهديد بشكل صحيح، لا شك في أن لديها فرصة للمساعدة على تعزيز الأمن ومنع عدم الاستقرار والانتهاكات من قبل العدو الصهيوني وحلفائه.
لقد فكرت إيران بالتأكيد في ما قد يعنيه الاتفاق لاستراتيجيتها في الانتقام من جيرانها في الخليج في حال وقوع هجوم من الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الهدوء الذي عبّر عنه بقائي على الأرجح حقيقي غير موارب. وذلك لأن إيران تستطيع استيعاب التداعيات. فأولاً بمجرد وجود ضمان على غرار حلف "الناتو" في الاتفاقية لا يعني بالضرورة أن هناك استجابة جماعية فورية لأي هجوم إيراني. ولقد هاجم أنصار الله حقول النفط السعودية بعد توقيع الاتفاق، لكن إسلام آباد وأنقرة لم تحركا ساكناً.
والأهم من ذلك، أن الاتفاق يزيد خطورة أي هجوم أميركي على إيران. فإذا ما أقدمت واشنطن على مهاجمة البنية التحتية الإيرانية في تصعيد للنزاع القائم، فعليها أن تأخذ في الحسبان احتمال رد تركيا وباكستان على أي رد إيراني، حتى وإن كان بوسائل غير عسكرية. وهذا من شأنه أن يُنذر بتوسع الحرب على نطاق واسع، وليس من الواضح على الإطلاق من سيتحمل المسؤولية، لا سيما إذا رأت الصين أن هذا التوسع يستدعي تدخلها.
مع ذلك، التركيز الرئيسي للاتفاق لا ينصب على المخاوف بشأن إيران بقدر ما يهتم بإرساء نظام أمني إقليمي. وقد أوضحت الدول الثلاث بجلاء تام أنها تترك الباب مفتوحاً أمام انضمام دول أخرى إلى الميثاق الدفاعي، وهي تأمل تغيير جوهر الاستراتيجية الأمنية في المنطقة بأسرها. كذلك فإن "إسرائيل" وليست إيران، من يحتاج من المنطقة إعادة التفكير في هيكلها الأمني بالكامل. ويُذكر أن تركيا كانت مترددة في الدخول في اتفاق دفاع رسمي مع السعوديين والباكستانيين، خوفاً من التعقيدات الدولية مع تزايد طموحاتها الإقليمية، لكن التقلب الأميري وتزايد عدوانية "إسرائيل" تجاه تركيا غير رأي وتوجه أنقرة.
وبإدراكها الصحيح أن مصدر القلق على الاستقرار الإقليمي يأتي من "إسرائيل" وليس من إيران، اجتمعت الدول الثلاث معاً لوضع استراتيجية دفاعية تركز على "إسرائيل"، الدولة الوحيدة التي لا تستطيع الولايات المتحدة حتى التفكير في الدفاع عنها بمقابلها. بالنسبة إلى السعودية، تعتبر هذه رسالة واضحة مفادها أن على "إسرائيل" أن تتخلى عن أي فكرة لتطبيع العلاقات مع الرياض من دون إنهاء إنكار الحقوق الفلسطينية. ولدى كل من تركيا بسبب طموحاتها الإقليمية، وباكستان بسبب تنافسها مع الهند التي تتقارب أكثر فأكثر مع "إسرائيل"، مصلحة في دعم السعودية في هذا الشأن.
تجمع هذه الاتفاقية 3 قوى ذات قدرات فريدة، من القدرات العسكرية التركية وإنتاجها الضخم للأسلحة، والمظلة النووية الباكستانية، والموارد السعودية الهائلة. وهذا ما يجعل التحالف قوة إقليمية مؤثرة، قادرة على مواجهة "إسرائيل" عسكرياً. الهدف الواضح هو ردع "إسرائيل" عن تصعيد عدوانها تجاه تركيا، التي وصفها مسؤولون إسرائيليون بشكل مثير بأنها "إيران القادمة". لكن أكثر من ذلك، فإن التحالف خاصة إذا نمى سيولد هيكلاً دفاعياً ليس فقط مستقلاً عن الولايات المتحدة، بل بعيداً عن أي اهتمام بمصالح "إسرائيل" في الإقليم، أو في العالم.
وهذا ليس أمراً بسيطاً، وهو كاف لتحسب مصر من الانضمام إلى الاتفاق، رغم أنها كانت الضيفة الرابعة في العديد من التجمعات للدول الثلاثة الأخرى في الاجتماعات الاستراتيجية والقمم خلال العام الماضي. لقد طورت مصر اعتماداً عميقاً على الولايات المتحدة، وهي تتلقى ثاني أكبر عدد من المساعدات العسكرية سنويا من واشنطن بعد "إسرائيل"، كما تعتمد مصر في مستوى كبير من إمداداتها على "الغاز الطبيعي الإسرائيلي". ونظراً لأن اقتصاد مصر في أزمة دائمة، سيحتاج الأمر إلى موارد ووقت كبيرين ليصل إلى موقع يمكنه فيه التخلي عن مصادر الطاقة الإسرائيلية، وعن إثارة غضب واشنطن بهذه الطريقة. فقد يأتي هذا اليوم، لكن ليس قريباً.
كان احتمال انضمام مصر إلى التحالف قد أثار جدلاً. فقد رغبت تركيا بشدة في انضمام مصر، بسبب تحالفها مع القاهرة في العديد من ساحات شمال أفريقيا. في المقابل، عارضت السعودية ذلك بسبب تصاعد التوترات بين الرياض والقاهرة، لا سيما في ما يتعلق بعلاقة مصر مع الإمارات التي باتت تُشكل منافساً إقليمياً لدوداً للسعودية. وفي النهاية، كل هذا جعل المعاهدة بالنسبة إلى مصر غير ذات جدوى، ولذلك تجنبت الاختيار بين واشنطن و"تل أبيب" وأبو ظبي من جهة، وأنقرة والرياض من جهة أخرى. كما يسعى اتفاق مكة إلى جعل استمرار سيطرة "إسرائيل" على الفلسطينيين وغزواتها لجيرانها في لبنان وسوريا أمراً أكثر صعوبة. لقد سمح النظام الأمني الأميركي لـ"إسرائيل" الإفلات التام من العقاب. ولقد كان ذلك مقبولاً لدى البعض في المنطقة حين كان يعتقد أن الولايات المتحدة تمارس على الأقل قدراً من ضبط النفس على التجاوزات الإسرائيلية، وتحمي حلفاءها المسلمين والعرب من الهجمات، لكن هذه المعتقدات لم تعد قائمة الآن.
حتى إن الولايات المتحدة عاجزة عن إقناع "إسرائيل" بالموافقة على خطة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية المسلحة التي من شأنها إبقاء غزة تحت سيطرة أميركية فعالة وتهدئة الأوضاع فيها، وهي صفقة كانت في صالح "إسرائيل" بشكل واضح، بينما أثبتت الولايات المتحدة عجزها عن إخراج "إسرائيل" من احتلالها الدموي لجنوب لبنان أيضاً، ولم تحاول حتى إخراجها من سوريا، على الرغم من "دعم" واشنطن جهود الرئيس السوري أحمد الشرع لتوحيد البلاد.
على مدى 50 عاماً الماضية، شجع النظام الأمني الأميركي في المنطقة الشراكة مع "إسرائيل"، كما فعلت مصر والأردن في ثمانينيات القرن الماضي، باعتبارها السبيل إلى الاستقرار الإقليمي. وتبع ذلك "اتفاقيات أوسلو" الكارثية، في حين تزايدت التجارة والتعاون السري بين "إسرائيل" ودول عربية أخرى وصولاً إلى "اتفاقيات أبراهام". كل هذه الجهود الرامية إلى إيجاد "شركاء من أجل السلام"، لم تؤد إلا إلى تعزيز اعتقاد "إسرائيل" بأنها تستطيع تحقيق السلام والتكامل الإقليمي من دون المساس بحقوق الفلسطينيين.
ومع إعلان بنيامين نتنياهو رفض التعاون مع "مجلس السلام" الذي شكله ترامب والاتفاق على نزع سلاح الفلسطينيين وانسحاب "إسرائيل" من غزة قبل إعادة إعمارها، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" في أدنى مستوياتها، على الرغم من حقيقة أن العديد من القادة الأميركيين ما زالوا يصرون على دعمها بغض النظر عن عدد المرات التي تتحدى فيها "تل أبيب" واشنطن.
يمكن أن يكون ميثاق مكة بمنزلة وسيلة لزيادة الضغط على "إسرائيل"، حتى مع استمرار قلق الولايات المتحدة منه، لا سيما إذا انضمت إليه المزيد من الدول. ويمكن للمعاهدة التأثير في الحرب على إيران، وغزو لبنان، وإغلاق مضيق هرمز، والاحتلال المستمر لسوريا، والتهديد الذي يطال الأماكن الدينية في مدينة القدس، إلى هيمنة "إسرائيل" على الفلسطينيين.
ومع أن ليس كل مشكلة في "الشرق الأوسط" بأي حال من الأحوال، ناتجة عن نظام الفصل العنصري والعدوان الإسرائيلي، إلا أن العديد منها كذلك، بينما لا يمكن حل بعضها الآخر بسببه أيضاً. يمثل ميثاق مكة خطوة أولى نحو قوة إقليمية قادرة على التصدي لـ"إسرائيل"، ليس بدافع الاهتمام بالشعب الفلسطيني، وهو أمر للأسف لا يبدو أن هناك دولاً كثيرة تهتم به إن وجدت أصلاً، بل بدافع مصلحتها الخاصة في الاستقرار الإقليمي. فإذا توسع الميثاق سيزداد الضغط، وستتسع آفاق العمل، وإذا تزامن ذلك مع التحول المنشود في السياسة الأميركية، فستكون هناك إمكانية حقيقية لحدوث تغيير جوهري، فهذه قوة لا يستطيع حتى التطرف الإسرائيلي العنيد مقاومتها.