"il manifesto": حيلة إسرائيلية جديدة تخرق اتفاقيات جنيف للاستيلاء على أراضي الضفة الغربية
لطالما استخدمت "إسرائيل" التشريعات كغطاءٍ لأغراضٍ استعماريةٍ، وهي تصدر "قوانين" جديدة على أنَّ جميع الأراضي الفلسطينية هي أراضي الدولة ما لم يُثبت الملّاك الفلسطينيون خلاف ذلك.
-
رجل فلسطيني يسير على طول جدار الفصل العنصري الذي بنته "إسرائيل" في الرام بالضفة الغربية المحتلة - 24 شباط/فبراير 2026 (أ ف ب)
تحدث موقع "global il manifesto" الإيطالي، في مقال، عن عملية استيلاء جديدة أطلقتها "إسرائيل" على أراضٍ في الضفة الغربية، ومنحها مظهراً من "الشرعية" لما يُعدّ جريمة حربٍ بموجب اتفاقيات جنيف، وذلك ضمن نيّاتها السيطرة على كامل فلسطين التاريخية.
وفي ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
لطالما كانت "إسرائيل" واضحةً بشأن نياتها في السيطرة على كامل فلسطين التاريخية، وهو هدف تسعى إليه بوسائل مختلفةٍ، جَميعُها تَصُبُّ في غايةٍ واحدةٍ. وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تسارعت هذه العملية، بينما كانت تتقدَّم بوتيرةٍ متفاوتةٍ على مدى عقودٍ، تبعاً للظروف الداخلية والدولية بمستوىً لم تشهده إلا مرتين من قبل في تاريخها في عامي 1948 و1967.
وكما في الماضي، يجري هذا اليوم تحت نظر المجتمع الدولي، إما بتجاهل أو بتواطؤ. ففي غزة، اتّخذ الأمر اسم "مجلس السلام"، وهو انتداب استعماري جديد، سارعت إيطاليا بالانضمام إليه مُظهرة انتهازيَّتها المعهودة. أما في الضفة الغربية، فيطلق عليه اسم الضمّ، الذي ينفذُ عبر إجراءاتٍ غير مسبوقةٍ، إما أنَّها موضع انتقاداتٍ خافتةٍ، أو تتجاهلُها عمداً دوافع الدول الغربية، التي تختبئ وراء فكرةٍ "حلّ الدولتين" المُطمئنة مع أنَّها غير قابلة للتحقق.
في نهاية الأسبوع الماضي، أطلقت الحكومة الإسرائيلية بميزانية أولية قدرها 79 مليون دولار، عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، بهدف معلن وهو مُصادرة ما لا يقل عن 15% من المنطقة "ج"، التي تمثل 60% من الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة المدنية والعسكرية الإسرائيلية الكاملة منذ اتفاقيات أوسلو بحلول عام 2030، وإعلانها "أرضاً للدولة"، وبالتالي قابلة للاستخدام في التوسع الاستعماري.
قد تبدو المسألة تقنيةً، لكنَّها ذات بعد سياسي عميق. يقول جمال جمعة لصحيفة "آلمانيفيستو"، إنّ "القانون الجديد ينصُّ على أنَّ جميع الأراضي الفلسطينية هي أراضي الدولة ما لم يثبت أصحابها الفلسطينيون خلاف ذلك". وجمعة هو ناشط فلسطيني لديه تاريخ نضالي طويل في تنسيق حملة مناهضة جدار الفصل العنصري منذ عام 2002، ومُنسّق ائتلاف الدفاع عن الأرض منذ عام 2012.
ولطالما استخدمت "إسرائيل" التشريعات كغطاءٍ لأغراض استعمارية، مانحةً مظهراً من "الشرعية" لما يُعد جريمة حربٍ بموجب اتفاقيات جنيف. وبصفتها قوة احتلال، لا يحقُّ لها مصادرة الأراضي، أو طرد السُكّان، أو نقل سُكّانها إلى الأراضي المحتلَّة. لكنَّها تفعل ذلك، مُتَستّرةً على انتهاكها بغطاء "الشرعية" بادّعاء أنَّها تلتزم بالقانون المحلّي فقط.
كذلك، يتطلَّب الإجراء الأخير من الفلسطينيين إثبات ملكيتهم لأراضيهم أمام لجنة إسرائيلية مُشكلةٍ لهذا الغرض. وهذه مُهمَّة ليست سهلةً، حيث لا تملكُ العديد من العائلات هذه الوثائق لأسباب عديدة منها، أنَّ فلسطين خضعت لحكم دول مختلفة على مرّ القرون، بدءاً من الإمبراطورية العثمانية، مروراً بالانتداب البريطاني وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي ذاته.
ولأنَّ سندات الملكية الأصلية الوحيدة صادرة من المرجعية العثمانية التي تعود إلى قرون مضت، كثيراً ما فُقدت في الحروب، والشتات الذي تعرض له الفلسطينيون. ويُوضّح جمعة أنَّ هذا الأمر يزداد صعوبةً أيضاً "بسبب قانون أملاك الغائبين، الذي استخدمته إسرائيل منذ تأسيسها لمصادرة الأصول العقارية للاجئين الفلسطينيين". وبسبب طبيعة الملكية العائلية، التي غالباً ما تُسجَّل باسم فردٍ واحدٍ وفقاً للعادات التقليدية، وبسبب عمليات نقل الأراضي التي في غياب السجلّ، نُفّذت على أساس اتفاقيات شفهيةٍ.
وفي عام 1967، سيطرت "إسرائيل فوراً على 900 ألف دونم من الأراضي، أي 900 كيلومترٍ مُربّعٍ كانت مُسجَّلةً كأراضٍ تابعةٍ للدولة في ظلّ الإمبراطورية العثمانية. كما صادرت 450 ألف دونم أخرى، رغم أنَّها كانت مُسجَّلةً بأسماء فلسطينيين، من خلال إحدى طريقتين، الأولى، حين وسَّعت نطاق قوانينها المحلّية لتشمل الأراضي المحتلة، مُدَّعيةً ملكية الأراضي الخاصَّة لنفسها بدعوى "المصلحة العامَّة" أو بحجة "الأسباب الأمنية.
وفي الطريقة الثانية، لجأت "إسرائيل" إلى قانون أملاك الغائبين للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين الذين أُجْبروا على النزوح إلى الخارج عام 1967، أو الذين لم تعترف بهم قوات الاحتلال رغم وجودهم في البلاد، لأنَّهم كانوا وقت إجراء "الإحصاء" في مدينة أخرى غير المدينة التي يملكون فيها أراضيهم ومنازلهم. كما كان لدى "إسرائيل" خدعة أخيرة، بإيقاف جميع عمليات التسجيل فوراً.
يقول جمعة: "في عام 1968، أوقفت إسرائيل الإجراءات التي بدأتها السلطات الأردنية، ومنذ ذلك الحين لم يعد من الممكن تسجيل أي عقارٍ أو نقله إلى الورثة. وقبل بضع سنواتٍ، حاولت السلطة الوطنية الفلسطينية استئناف التسجيل، لا سيما في "المنطقة ج"، لكنَّ "الجيش" الإسرائيلي منع المهندسين والمسّاحين بالقوَّة من الوصول إلى قطع الأراضي.
والمنطقة ج ليست الهدف الوحيد، لأنَّ "أي قطعة أرض فلسطينية، أينما كانت، يُمكن إعلانها أرضاً للدولة، ولن تتوقف إسرائيل عند هذا الحدّ، بل ستتوسع لتشمل المنطقتين أ وب". وستقوم لجنة إسرائيلية بتحديد الوثائق التي تعد صالحةً، أو لا. وهذا نظام متروك لتفسير المُحتلّ سرقته السافرة بضراوة.
ويأتي هذا التنظيم الجديد بعد أيامٍ قليلةٍ من تدخُّلين تشريعيين الأول، حين ألغت "إسرائيل" من جانب واحد القانون الأردني الذي كان يحظرُ بيع الأراضي في الضفة الغربية إلا إذا كان المشتري فلسطينياً، أو شركات مملوكة لفلسطينيين، ثم حُرمت السلطة الفلسطينية من أي سلطة إدارية مدنية في "المنطقتين أ وب"، وعلى المواقع الأثرية أينما كانت.
وهذا يعني أنَّ "قواعد" التخطيط العمراني التي كانت تُطبّق حتى الآن على "المنطقة ج" فقط، حيث تُقرّر "إسرائيل" بالفعل ما يُمكن بناؤه وما لا يُمكن، "ستمتدُّ إلى بقية الضفة الغربية، حيث يتمُّ تفكيك فعلي للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتستحوذ على السلطة المدنية في كل بلديةٍ، ثم تفتح مكباً للنفايات أمام التخطيط العمراني، وصولاً إلى إصدار تراخيص بناء منازل جديدةٍ، واستبدال الحكم العسكري بالحكم المدني حيث تضمُّ "إسرائيل" فعليّاً الضفة الغربية.
ويحدث هذا التسارع في لحظةٍ مناسبةٍ للغاية للاحتلال الإسرائيلي. فالعالم غائبٌ عن الأنظار، وفي العامين والنصف الماضيين، أخلى "الجيش" 980 كيلومتراً مُربَّعاً، أي 3 أضعاف مساحة قطاع غزة من الوجود الفلسطيني عبر عمليات إخلاءٍ قسريةٍ للمجتمعات الزراعية والبدوية، وأعلن أنَّ أكثر من 25 ألف دونم أصبحت أراضي للدولة، بوتيرةٍ غير مسبوقةٍ، حيث تجاوزت هذه المصادرات بحجمها المصادرات جميعها التي نُفذت خلال 25 سنة الأخيرة مُجتمعةً.
ويضيف جمعة، "إنَّنا نشهد استمرار عملية تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة الكاملة على الأرض، التي تُعدُّ جوهر أي مشروع استيطاني استعماري، حيث يحشرُ الفلسطينيون في قطع أراضٍ أصغر فأصغر، وفي أحياءٍ معزولةٍ محاطة بالجدران والمستوطنات والقوانين الجديدة والمصادرات اليومية.