"Il Manifesto": الاتحاد الأوروبي يتراجع نحو الهاوية
لقد عجز الاتحاد الأوروبي تماماً عن التعامل مع أميركا في عهد ترامب، بل وأبدى أدنى قدر من الجرأة. ما الأسباب؟
-
"Il Manifesto": الاتحاد الأوروبي يتراجع نحو الهاوية
صحيفة "il manifesto" الإيطالية تنشر مقالاً يتناول أزمة العجز السياسي البنيوي داخل الاتحاد الأوروبي في مواجهة التحولات الدولية، ولا سيما هيمنة الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، وصعود اليمين المتطرف الأوروبي، وانعكاس ذلك على وحدة القرار الأوروبي ومستقبله.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
مع كل حدث أو أزمة تلوح في الأفق، يتكشف في الاتحاد الأوروبي مزيد من التشققات، وتبرز أدلة جديدة على افتقاره إلى جوهر سياسي فعلي. وردود فعل الاتحاد الضعيفة على العدوان الأميركي على فنزويلا، ضمن سلسلة التهديدات والتحذيرات والترهيب الموجهة إلى دول أخرى، ليست استثناءً. فقد فشلت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي أسهبت في إصدار بيانات فارغة وتقديم مقترحات بلا متابعة، في قول كلمة واحدة عن هذا العدوان الذي احتفت به إدارة ترامب، واكتفت بتصريح "جاد" مفاده أنّ هناك "فرصة للانتقال الديمقراطي في فنزويلا".
وحتى حين يتعلق الأمر بجزيرة غرينلاند الأوروبية، التي تهدد الولايات المتحدة بضمّها الآن، لم تُبدِ "الحكومة الأوروبية" الرمزية في بروكسل أي قدرة على إظهار حدّ أدنى من الحزم المعقول. وجاء رد بعض الدول الأعضاء في بيان مشترك ليُلمح إلى الانزعاج، فيما أُلقيت المشكلة وحلّها على عاتق حلف "الناتو" والبروتوكولات التي تحكم العلاقات بين أعضائه، مع ضمان مصالح واشنطن أولاً، على اعتبار أنها ستحمي أوروبا بحذر أيضاً. ولا يبدو أن هذا النهج كفيل بإشباع شهية ترامب، ولا أنه ينفي بشكل كامل شرعية مزاعمه.
تكاد فون دير لاين تنشغل حصراً بالحفاظ على أغلبية أكثر هشاشة داخل السلطة التي تترأسها في المفوضية، وتلجأ إلى غموض سياسي جبان وانتهازي. ولم يتبقَّ مما يُسمّى "أغلبية أورسولا"، المكوّنة من "الديمقراطيين المسيحيين" و"الاشتراكيين الديمقراطيين" و"الليبراليين"، سوى قاسم مشترك واحد: ميل جماعي إلى التراجع، والخشية من استيلاء اليمين المتطرف على المؤسسات الأوروبية. كما أن فون دير لاين لا تشكّل سداً منيعاً في وجه هذا السيناريو، كما يتضح من تبادلها المتكرر للمجاملات والامتيازات مع الأحزاب القومية اليمينية الأوروبية.
ثمة تفسير بسيط ومقلق في آنٍ واحد لعجز الاتحاد الأوروبي التام عن التعامل مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، حتى بأدنى درجات الجرأة؛ إذ يبدو وكأن هذا العجز يقوم على التسليم المسبق بأن نظاماً على شاكلة ترامب سيظل قائماً عبر الأطلسي إلى الأبد. ولم نسمع همسة واحدة داعمة للمعارضة الأميركية في مواجهة الدعم العلني الذي تقدمه واشنطن لليمين الأوروبي المتطرف. ولا يتعلق الأمر هنا بصدمة نهاية النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية، أو بما يُسمّى "إدمان الحلف الأطلسي"، بقدر ما يتعلق بالحيز والوزن السياسيين اللذين يحتلهما اليمين المتطرف اليوم في القارة العجوز، وقدرته على التأثير الحاد في مجمل القوى السياسية الأوروبية.
كذلك، فإن حقيقة تصرّف الولايات المتحدة، أولاً وأخيراً، وبصورة حصرية، انطلاقاً من مصلحتها الوطنية، هي فكرة يتشاركها هؤلاء، وتشكّل في الوقت نفسه نوعاً من الإذن المسبق لهم بالتصرف بالمثل في الهوامش التي تتركها القوة الكبرى شاغرة. وفي موازاة ذلك، تتلاشى هيبة الليبرالية الجديدة المعولمة بوصفها النظام الاقتصادي الذي جرى الترويج له باعتباره "الطريق الجديد للعالم"، فيما يتجه كل شيء أكثر فأكثر نحو تفكك الاتحاد الأوروبي، عبر كل كلمة غير معلنة، وكل تلطيف، وكل تبرير منافق للعنف والقمع على حساب الأضعف.
لا شك في أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتقن فن الحذف والغموض الخبيث، بقدر ما يتقن ماكرون وستارمر الخطاب العدواني المُنمّق. ويُفترض بهؤلاء جميعاً أنهم يتحدثون باسم أوروبا، غير أنّ الخلفية، التي لا تزال صامتة، يُسمع فيها نداء صفارات الإنذار، إن لم يكن عبر القومية الصريحة، فعبر الدعوة إلى "الأولوية الوطنية".
إنها مسألة وقت لا أكثر قبل أن تنهار "أغلبية أورسولا" بشكل نهائي. فقد كان حزب الشعب الأوروبي، بقيادة الألماني المتطرف مانفريد ويبر، يستعد منذ فترة طويلة لهذا الاحتمال، وللتعاون مع اليمين المتطرف، فيما كان في الوقت نفسه يقلّل من شأن المأزق غير المواتي الذي يُرجّح أن يجد نفسه فيه. لذلك، يبدو من العبث توقّع صوت أوروبي موحّد، حتى في إطار تسويات هشة، أو في مواجهة التقلبات والمنعطفات الصادمة على الساحة الدولية.
وعليه، يصبح من العبث مجدداً أن ننتظر من أوروبا صوتاً واحداً، ولو كان هشاً، في مواجهة هذه التحولات الدولية العنيفة. فاللعبة الأهم تُدار بالكامل داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، بين يمين متطرف واعٍ بذاته، وكوكبة ممزقة من قوى تدّعي الديمقراطية، فيما كان الأجدر بها، لو كانت كذلك فعلاً، أن تشكك في منطق "الأغلبية الأوروبية" قبل أن ينتهي بها الأمر مطرودة، مثقلة بذيول الخيبة.
وتتوقف طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة على مآلات هذا الصراع الداخلي، الذي يعتمد بدوره على القدرة على إعادة إطلاق المشروع الأوروبي، بوصفه مشروعاً مناهضاً للنخبوية والبيروقراطية. وفي المرحلة الراهنة، يُرجَّح أن يأتي هذا الدفع من القاعدة الشعبية، لا من التكتلات السياسية داخل برلمان ستراسبورغ.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.