"Counterpunch": عندما تسير الوحوش بيننا

تكمن المشكلة في اختزال ترامب وميلر وهيغسيث وبن غفير ونتنياهو وغيرهم في صورة "وحوش"، لأن ذلك يفصل قسوتهم عن السياقات والمؤسسات والمجتمعات التي أنتجتها.

  • "Counterpunch": عندما تسير الوحوش بيننا

موقع "Counterpunch" الأميركي ينشر مقالاً يتناول كيف تتحول الوحشية والفاشية من ممارسات صادمة إلى ظواهر مألوفة ومقبولة اجتماعياً وسياسياً، عندما تتطبع المجتمعات مع العنف وتتآكل قدرتها على رفضه ومقاومته.

ويرى الكاتب أنّ المشكلة لا تكمن فقط في صعود قادة يصفهم بـ"الوحوش"، بل في المؤسسات والأنظمة الاقتصادية والإعلامية والثقافية والتربوية التي تنتجهم وتمنحهم الشرعية وتُعوّد الجمهور على القسوة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

قبل أكثر من 4 عقود، أطلق المؤلف الموسيقي والمفكر اليوناني مانوس هادغيداكيس تحذيراً يبدو أقرب إلى نبوءة عن عصرنا منه إلى تأمل في الفاشية. كتب أنّ "الخطر الأكبر يأتي حين نعتاد العيش مع الوحوش"، فلا يعود وجودهم يصدم ضميرنا، ويندمج عنفهم في روتين الحياة اليومية. فالتسامح لا يقلّل من وحشيتهم، بل يضاعف الظروف التي تسمح لهم بالازدهار وترسيخ حضورهم في الحياة العامة، ثم يفوز الوحوش أنفسهم بسلطة الحكم. وفي هذه الحالة، لا ينفصل انهيار الضمير عن فقدان "الإيمان بالحكم، والقعود عن الفعل".

لقد وصلنا إلى هذه اللحظة التي لم تعد فيها الوحوش تختبئ في الظلال؛ فهي تحتل أعلى المناصب والوزارات الرئاسية، وتقود الجيوش وقوات الشرطة، وتسيطر على المنصات الرقمية، وتهيمن على شاشات التلفزيون، وتدير الحدود، وتبني مراكز الاحتجاز، وتحول معاناة الآخرين إلى مسرح سياسي.

تُستخدم لغة التطهير العرقي وسياسات الترحيل الجماعي والإبادة والانتقام والاستغناء عن البشر، من دون أن تثير الغضب الذي ربما كانت تثيره في السابق. ويُقدَّم بذلك إظهار القسوة بوصفه قوة، والإذلال بوصفه ترفيهاً، فيما يصبح مشهد المعاناة مصدراً للمتعة السياسية. وما ينبغي أن يكون غير محتمل يصبح مألوفاً، وما يجب أن يدفع إلى المقاومة يُحتوى تحت ضغط إيقاعات الحياة اليومية.

لا ينتصر الوحوش بارتكابهم الفظائع فحسب، بل حين تصبح لغتهم معتادة وعنفهم مقبولاً، ويمر تسليحهم للانقسامات العرقية والطبقية من دون أن يثير الانتباه، فلا يعود وجود الوحوش يزعج أخلاقيات المجتمع.

وقد منحتنا الروائية والمناضلة توني موريسون لغة أخرى لفهم كيف يصبح الوحش عادياً؛ إذ إن "اللغة الميتة"، كما أسمتها، مجردة من المسؤولية الأخلاقية ومُجنّدة في خدمة الهيمنة. وكتبت موريسون أن اللغة القمعية "لا تمثل العنف فحسب، بل هي عنف، وهي لغة تشرب الدم، وتستغل نقاط الضعف، وتُخفي أحذيتها الفاشية تحت عباءات الاحترام والوطنية، بينما تتحرك بلا هوادة نحو الهدف النهائي لإنهاك العقول".

وتتجاوز بصيرة موريسون البلاغة؛ فالوحوش تحتاج إلى لغة تمهّد الأرض لعنفها، وتجرّد ضحاياها من الإنسانية، وتعلّم الناس كيف يتقبلون ما لا يمكن تصوره. و"اللغة الميتة" واحدة من الشروط والظروف التي تسمح للوحشية بأن تتسلل إلى الحياة اليومية متنكرة في هيئة الحس السليم.

كان الكاتب بريمو ليفي قد لاحظ ذات مرة أن "الوحوش موجودة، لكنها قليلة جداً لتكون خطيرة حقاً. والأخطر من ذلك هم المواطنون العاديون، والموظفون المستعدون للإيمان والفعل من دون طرح أي سؤال". وما يزال ليفي محقاً فيما قاله عن الموظفين الذين يعملون بلا تفكير، لكن الوحوش أنفسهم اكتسبوا اليوم سلطة مؤسسية وشرعية عامة. وبعد أن استفادوا من النقمة على التفاوتات الاقتصادية الصارخة ومن آليات الاستبداد التقني المتقدم، رسخوا شرعيتهم في سياق ثقافة متنامية لعنف الدولة، وانتقلوا من هوامش السياسة إلى أعلى مناصب السلطة في المجتمع الأميركي.

ولا بد هنا من استعادة تحذير المفكرة الألمانية هانا أرندت لما ينطوي عليه من راهنية وضرورة. فقد عاشت الكاتبة بنفسها ويلات النازية، ووصفت بدقة أصل الاستبداد وجذوره، وحذرت من أن الوحشية تزدهر حين يتخلى الناس عن الحكم على الأمور، وحين يتحول واجب التفكير إلى عبء يتجنبه المرء، وحين يتحول الجهل من مجرد غياب للمعرفة إلى رفض متعمد لها.

ويمكن أن نسمي ذلك "ابتذال الجهل"، حيث يتيح الصمت للناس أن يروا المعاناة من دون مواجهتها، وأن يسمعوا الأكاذيب من دون أن يرفضوها. فالوحوش لا تكتفي بطلب الطاعة، بل تحتاج إلى رعايا تعلّموا ألّا يفكروا في ما تجعله طاعتهم ممكناً.

ومع ذلك، يطرح تحذير مانوس هادغيداكيس أسئلة أكثر إزعاجاً من مجرد التساؤل عما إذا كانت الوحوش تحكمنا الآن: ماذا يعني أن يبدأ مجتمع ما في التماهي مع وحوشه؟ وما القوى التربوية التي تعمل على صناعة هذا التماهي وتطبيعه؟

فالتماهي لا يعني أن الجميع يصبحون قتلة أو فاشيين، بل يعني أن عادات التفكير، وأسس المشاعر، وأشكال اللامبالاة التي تتكئ عليها الوحشية، تصبح راسخة في الحياة اليومية. وعندها يتحول ابتذال الجهل إلى حالة اجتماعية، وإلى شكل مُصنَّع من العمى الأخلاقي، ويصبح عدم المعرفة ملاذاً للهروب من المسؤولية، فيما يصبح الامتناع عن التفكير ورفضه شرطاً للانتماء.

لكن هذا الجهل لا يسكن خارج نطاق الرغبة؛ فهو ليس فراغاً بارداً في العقل، بل شغف مظلم له سجله العاطفي والنفسي في تقبل الاستبداد، وتربية قائمة على الرعب. ومن خلالها يتعلم الناس ألّا يكتفوا بالتعايش مع القسوة، بل أن ينغمسوا في شحنتها العاطفية، وأن يجدوا لذتهم وانتماءهم في أنماط من الهيمنة والخضوع تتجمع حتى تصبح متلازمة واحدة، وتكرّس الاعتقاد بأن البشر ليسوا متساوين، بل مرتّبون في هرم تسلسلي؛ من في القمة له حق القيادة، ومن هو أدنى منه واجبه الطاعة. ويفرض هذا الترتيب أدواراً محددة على الرجل والمرأة في مجالات العيش، تحت ذريعة أن آباءنا عاشوا بهذه الطريقة.

للوحش تاريخ طويل، وقد وُلد في أشد مناطق المخيلة الاجتماعية ظلمة، حيث يتلاقى الخوف والاختلاف والسلطة. وكما لاحظ الباحث الأنثروبولوجي مانفير سينغ، لطالما سكنت الوحوش الحدود الفاصلة بين الإنساني واللاإنساني، وبين المألوف والمُرعب، وبين ما يُحافَظ عليه وما يُرمى خارج البوابة.

لكن الوحوش ليست مجرد مخلوقات خيالية، بل هي تحذيرات وإسقاطات وتجسيد لمخاوف جماعية، وغالباً ما تكون أدوات لتحديد من ينتمي إلى دائرة الإنسانية ومن يُطرد منها. والمهم سياسياً هو ما يحدث عندما يخرج الوحش من دائرة الأسطورة والخيال، ويستولي على مؤسسات السلطة، ويكتسب القدرة على تحديد من يعيش، ومن يجب أن يعاني، ومن يمكن التخلص منه.

غير أن في استعارة الوحشية نفسها مشكلة أخرى. فتصوير دونالد ترامب، وستيفن ميلر، وبيت هيغسيث، وإيتامار بن غفير، وبنيامين نتنياهو، أو غيرهم من مهندسي العنف الاستبدادي المعاصر، على أنهم مجرد وحوش، ينطوي على خطر إخراجهم من سياقهم، وكأن قسوتهم نابعة من مرض خاص منفصل عن المجتمع الذي أنتجهم.

وهنا يتحول الوحش إلى عذر للمجتمع الذي صنعه. فيصبح الغضب الأخلاقي غضباً موجهاً إلى أفراد، بينما تختفي المؤسسات والمصالح الاقتصادية والهرميات العرقية والأجهزة الثقافية والقوى السياسية التي تجعل القسوة المنظمة ممكنة.

وهذا هو جوهر حجة المفكر الكوبي خورخي غونزاليس أروتشا، الذي يرى أن تحويل الجناة إلى وحوش قد يصبح، في حد ذاته، طريقة للنظر في الاتجاه الآخر. يقول أروتشا إن "اختزال الجاني إلى مجرد وحش يحمينا من الاعتراف بأننا قد نكون نحن أنفسنا جناة، ويبعدنا عما يحدث في الواقع، ويضعنا في موقع التفوق الأخلاقي، ويوفر طريقة لإنكار أن القدرة على التدمير تخصنا نحن أيضاً، وأنها جزء من الحالة الإنسانية".

المشكلة ليست في أن الوحوش غير موجودة. المشكلة تبدأ حين تتحول الوحشية من سؤال إلى تفسير. فالوحوش لا تهبط على المجتمع من مكان خارج التاريخ، بل تُنتج داخله، وتُزرع عبر المؤسسات، وتحميها البيروقراطيات، وتشرّع لها القوانين، وتمولها مصالح اقتصادية نافذة، وتضخمها وسائل الإعلام، وتطبّعها الثقافة.

ولا تكمن الأهمية السياسية للوحوش في الفظائع التي يرتكبونها فحسب، بل في النظام الاجتماعي الذي يجعل هذه الفظائع ممكنة ومفيدة ومشروعة، ومألوفة في نهاية المطاف. فالتركيز الأحادي على الوحوش قد يحجب البنية الأعمق لنظام "رأسمالية العصابات"، وهو النظام الذي يمنح الأولوية لأشكال معينة من السلطة على الصالح العام، ويمكّنه من نزع الإنسانية تدريجياً عن مجتمعاتنا.

لذلك، يجب أن يتغير السؤال. علينا أن ننتقل من الوحش إلى الآلة، ومن مرض الفرد إلى الاقتصاد السياسي للقسوة المنظمة، ومن هناك إلى القوى الثقافية والتربوية التي تعلّم الناس كيف يتعايشون مع المعاناة التي تنتجها هذه الآلة.

فالوحوش لا تعمل وحدها، وقوتها تصبح مرئية في المؤسسات التي تحميها، والثروة التي تغذيها، والقوانين التي تجيزها، والعنف الذي يسير في أعقابها. ونرى آثارها في الصمت الذي يخيّم على شوارع ملطخة بالدماء، وبين المهاجرين الذين تتركهم الوحشية عرضة للموت في مراكز الاحتجاز، وفي التعذيب الموثق في السجون الإسرائيلية، وفي جثث الأطفال والعائلات التي مزقتها القنابل الإسرائيلية والأميركية في غزة، وفي العائلات التي تُحرق وتُدفن تحت أنقاض بيوتها، وفي بشر اختُزلوا إلى بقايا جثامين على يد دول نُظّم فيها العنف وأُذن به مراراً، حتى كادت أرعب أشكال العنف تفقد قدرتها على الصدمة.

المشكلة ليست في أن الوحوش غير موجودة؛ المشكلة تبدأ عندما تصبح الوحشية تفسيراً بدلاً من أن تكون سؤالاً. فالوحوش لا تهبط على المجتمع من مكان خارج التاريخ، بل تنتجها هذه المسارات التاريخية، وتُزرع من خلال المؤسسات، وتحميها البيروقراطيات، وتشرعها القوانين، وتمولها مصالح اقتصادية قوية، وتضخمها وسائل الإعلام، وتطبّعها الثقافة.

فالأهمية السياسية للوحوش لا تكمن فقط في الفظائع التي ترتكبها، بل في النظام الاجتماعي الذي يجعل تلك الفظائع ممكنة ومفيدة وشرعية، وفي النهاية عادية.

كذلك، يمكن أن يحجب التركيز وحده على الوحوش البنية الأعمق لـ"رأسمالية العصابات"، وهو نظام يعطي الأولوية لأشكال معينة من السلطة على الصالح العام، ويتيح تجريد مجتمعاتنا تدريجياً من إنسانيتها.

ولذلك، يجب أن يتغير السؤال، وأن ننتقل من الوحش إلى الآلات، ومن مرض الفرد إلى الاقتصاد السياسي للقسوة المنظمة، ومن هناك إلى القوى الثقافية والتعليمية التي تعلّم الناس كيف يعيشون مع المعاناة التي تسببها هذه الآلات.

والوحوش لا تتصرف بمفردها. وتظهر قوتها في المؤسسات التي تحميها، والثروة التي تدعمها، والقوانين التي تخوّلها، والعنف الذي يتبعها. ونرى آثارها في الشوارع الملطخة بالدماء، وفي المهاجرين الذين تعرضوا للوحشية وتُركوا ليموتوا في مراكز الاحتجاز، وفي التعذيب الموثق في السجون الإسرائيلية، وفي أجساد الأطفال والعائلات التي مزقتها القنابل الإسرائيلية والأميركية في غزة، حيث تحولت جثامين البشر إلى نثرات من لحم وعظام، وأصبحت هذه المشاهد مألوفة وفقدت قدرتها على الصدمة.

والرعب الحقيقي لا يكمن في الوحوش بحد ذاتها، بل في تكيف المجتمع المتزايد معها، وفي الصمت الذي يحيط بجرائمها، وفي تآكل الحدود الأخلاقية والسياسية التي كانت تجعل أفعالها يوماً ما غير محتملة. وهذا الصمت ليس بريئاً قط؛ إنه التصلب النهائي للانحلال الأخلاقي والسياسي، والنقطة التي تبدأ فيها سياسة منظمة حول القتل بالمرور بوصفها مسألة عادية.

والكابوس لم يعد يتربص في الظلال، بل يشق طريقه إلى ضوء النهار، ويُستقبل باللامبالاة أو الاستسلام أو التصفيق.

والسؤال هو: كيف يتعلم الناس العيش وسط معاناة جماعية، ثم ينظرون في الاتجاه الآخر؟ وما أشكال السلطة التي تحتاج إلى هذا الصمت؟ وما المؤسسات التي تصنعه؟ وما الثقافة التي تعلّم الناس أن يُعرضوا عن الجثث المتروكة خلفهم؟ والأهم من ذلك كله، ما الآلة التربوية التي تعلّم الملايين ألّا يكتفوا بتحمّل القسوة، بل أن يتماهوا مع من يرتكبونها، وأن يرغبوا في السلطة التي يجسدونها، وأن يختبروا معاناة الآخرين بوصفها ثمن تحررهم المرتجى؟

هنا يتلاقى الاقتصاد السياسي والثقافة والتربية. فيصبح الوحش غير قابل للفصل عن رأسمالية العصابات، والإرهاب التربوي، وثقافة القسوة. فرأسمالية العصابات لا تنتج الوحوش بالمصادفة، بل تحتاج إليهم بصورة متزايدة، وتحتاج أيضاً إلى جماهير قادرة على ودّهم.

ومفهوم "الشر الجذري" عند أرندت يدفع هذا الطرح خطوة إلى الأمام، وينقلنا من فهم فشل الحكم إلى الآلة السياسية التي تجعل أعداداً من البشر فائضاً لا حاجة إليه. ويظهر الشر الجذري في نظام سياسي قادر على نزع الحقوق والتاريخ والفردية عن البشر، ثم نزع انتمائهم إلى الجماعة الإنسانية نفسها.

وقد مثّلت معسكرات الاعتقال التطبيق الأقصى لهذا المنطق، لكن دلالتها السياسية تجاوزت المعسكر نفسه، لأن التوتاليتارية احتاجت إلى مؤسسات قادرة على تحويل البشر إلى مادة يمكن الاستغناء عنها.

وتقول أرندت عن أدولف أيخمان، الضابط النازي الذي نظم ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة وأعدمته إسرائيل عام 1961، إن أيخمان لم يظهر أمامها كشخصية شيطانية تمتلك عمقاً غامضاً من الشر، بل ظهر عادياً إلى حد مرعب؛ بيروقراطياً طموحاً ومطيعاً، وعاجزاً عن التفكير بجدية في عواقب أفعاله.

وإن "ابتذال الشر" لديه لا يعني أن جرائمه كانت مبتذلة، بل أن جرائم استثنائية يمكن أن تُدار عبر روتين بيروقراطي عادي، من دون أي تفكير يُذكر.

أما رينهارد هايدريتش، الضابط النازي الرفيع وأحد أبرز مهندسي "الحل النهائي" ورئيس مكتب الأمن الرئيسي للرايخ، فيمثل تشكيلاً آخر للوحش السياسي، حيث يتلاقى التعصب الأيديولوجي والذكاء الإداري والسلطة المؤسسية الهائلة.

ولا ينبغي اختزال أيخمان وهايدريتش في النمط النفسي نفسه، لكن كليهما يكشف قصور التعامل مع الفظائع باعتبارها مجرد أفعال وحوش. فالأنظمة الحديثة للإرهاب تحتاج إلى إداريين ومحامين وتقنيين وضباط شرطة ودعاة ومثقفين وصحافيين وموظفين. ويصبح الشر أخطر سياسياً حين يتمأسس، ويصبح له ميزانية ولغة وجمهور مستعد لقبول مسلّماته.

وفهم بريمو ليفي هذا الخطر من زاوية أخرى، فرفض الإغراء الموازي بتقسيم العالم ببساطة بين إنسانية بريئة ووحوش لا نفهمها. وكما قال: "من الخطأ والغباء أن نرى الشياطين جميعهم في جانب، والقديسين جميعهم في الجانب الآخر".

فالتقسيم إلى أبيض وأسود يعني أننا لا نفهم الطبيعة البشرية، بينما يستمد مفهوم "المنطقة الرمادية" في هذا السياق قوته السياسية الأكثر إزعاجاً. فالمنطقة الرمادية لا تلغي الفوارق بين الضحية والجاني، بل تكشف الطرق التي يُفسد بها نظام الهيمنة الحياة الأخلاقية نفسها.

والدرس السياسي مزعج تحديداً لأنه ينزع عنا راحة الاعتقاد بأن الفظائع تنتمي إلى نوع آخر من البشر. فالهمجية الحديثة لا تنشأ خارج الحضارة، بل تُنظّم عبر مؤسسات الحضارة وتقنياتها وأشكال خبرتها وبنى الطاعة فيها.

كذلك، قدّم الروائي أمبرتو إيكو ملاحظة متصلة بشأن الفاشية، فرأى أنها لا تمتلك زياً واحداً ثابتاً، بل تغيّر لغتها ورموزها وتقنياتها وأشكالها المؤسسية. كما حذر من أن "الفاشية البدائية يمكن أن تعود بلباس يبدو أكثر براءة".

فالبحث فقط عن القمصان السوداء لموسوليني أو القمصان البنية لهتلر يعني المخاطرة بألّا نرى الفاشية حين تعود مرتدية بدلة عمل وربطة عنق، حاملة إنجيلاً، ومتحدثة بلغة الحرية والنهضة الوطنية وأمن الحدود والسيادة الشعبية. فالفاشية تبقى على قيد الحياة تحديداً لأنها تتعلم كيف تسكن الظروف التاريخية لعصرها.

ووحشية الحاضر لم تظهر فجأة مع ترامب، بل تمتد عبر التاريخ الطويل للإمبراطورية الأميركية، وازدادت بقوة من خلال ما سُمي "الحرب على الإرهاب"، حيث أطلقت الولايات المتحدة حروباً تجاوزت حصيلتها 600 ألف ضحية في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن.

أما الوفيات غير المباشرة الناتجة عن تدمير البنية التحتية والمرض والتشريد وسوء التغذية، فتُقدّر بالملايين. وهذا الخراب لا يمكن اختزاله في لغة "فشل سياسي كارثي". لقد كان آلة هائلة للقابلية لغض النظر مبنية على خلفية عنصرية، بحيث يمكن قصف جماعات بشرية كاملة وتعذيبها وتشريدها وسجنها، فيما تمر معاناة الآخرين من دون أن تُسجّل في المعجم الأخلاقي للحياة السياسية الأميركية.

وقد فهم ذلك أيضاً، منذ زمن بعيد، الشاعر والمناضل المناهض للاستعمار إيميه سيزير، الذي قال إن "العنف الإمبراطوري لا يبقى أبداً حبيساً في مواجهة ضحاياه الأوائل".

وحذر من أن الوحشية الاستعمارية تنتج "أثر الارتداد المرعب"، لأن عادات نزع الإنسانية والهرمية العرقية والانفلات من القانون والعنف المنظم، التي تُزرع في الخارج، تعود في النهاية إلى الداخل.

وتقدم "الحرب على الإرهاب" توضيحاً معاصراً مرعباً لتحذير سيزير. فغرف التعذيب في سجن أبو غريب في العراق، والاعتقال المفتوح في غوانتانامو، والتسليم الاستثنائي للمتهمين بين الضعيف والقوي، والاغتيال بالطائرات المسيّرة، والمراقبة الجماعية، وتطبيع الحرب الدائمة، كلها لم تكتف بتدمير مجتمعات أخرى، بل ساعدت أيضاً على تربية الجمهور الأميركي على قبول التعذيب والمراقبة والشرطة المعسكرة والسلطة التنفيذية المنفلتة من القانون وتصنيف جماعات بشرية كاملة بوصفها تهديدات.

وترامب لم يخترع هذه الثقافة السياسية، بل ورثها وصعّدها وحولها إلى أمر مقبول ممارسته داخل الإمبراطورية. وبهذا المعنى، عاد الوحش إلى البيت، لأن الآلة التي أنتجته كانت تؤسس لذلك منذ عقود.

وفي ظل حكم رأسمالية العصابات، تنقلب آلة الاستغلال الإمبريالية نحو الداخل، متخذة شكلاً محلياً فتاكاً؛ إذ تتركز الثروة، وتُنهب الخدمات العامة لتحقيق الربح الخاص، وتُخضع المؤسسات الديمقراطية لسلطة المليارديرات. وفيما تتوسع الدولة القمعية، يتقلص نظام الرعاية الاجتماعية، ويصبح غض النظر والقمع عملة واحدة بوجهين في بنية النظام السياسي.

كما أن "الإرهاب التربوي" هو الاسم المعبّر عن هذه العملية. وهو يعمل عبر المدارس والكنائس والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست والتجمعات السياسية والمنصات الرقمية والإعلانات، وكلها تسهم في مسرحة مبهرة تغطي عنف الدولة.

وهذه الأجهزة الثقافية لا تنقل الأفكار فحسب، بل تنظم الانتباه، وتشكل الوعي، وتعبئ الرغبة، وتعلّم عادات الشعور، وتولّد الظروف العاطفية والأيديولوجية التي تصبح فيها القابلية للاستغناء عن البشر أمراً بديهياً. فتُمنح المخاوف الشخصية أعداء عامين، وتتحول الوحدة إلى تضامن زائف للقبيلة، ويُعاد توجيه العجز نحو العدوان، ويُرفع الاستياء إلى مرتبة الفضيلة الأخلاقية، ويتحول الخوف إلى كراهية، والإذلال إلى رغبة في إذلال الآخرين.

وتنتشر الفاشية عبر هذا الاقتصاد العاطفي؛ لأنها تمنح المعاناة الشخصية هدفاً عاماً، وتحوّل الجراح التي يسببها نظام اجتماعي تتزايد وحشيته بعيداً عن البنى التي تنتجها، ونحو المهاجرين، والسود، والفلسطينيين، والنسويات، والمثقفين، والمثليين، والمعارضين، وأي جهة أخرى تُصنّف عدواً.

وتترسخ ثقافة الوحشية عندما لا يقتصر العنف على الدولة أو قادتها الأكثر تعصباً، بل يتغلغل في الحياة اليومية، مشكلاً الوعي العام والرغبة السياسية وحدود مفهوم الإنسانية. وتصبح الوحشية ثقافة عندما يؤيد عدد كبير من الناس التهجير القسري والعقاب الجماعي والتجويع والعنف الإبادي وتدمير حياة المدنيين، من دون أن يعتبروا هذه السياسات كارثة أخلاقية.

وتقدم "إسرائيل" مثالاً مرعباً على هذه الوحشية. ففي أيار/مايو 2025، كشف استطلاع رأي أجراه البروفيسور تامير سوريك من جامعة ولاية بنسلفانيا أن 82% من اليهود الإسرائيليين الذين شملهم الاستطلاع يؤيدون طرد الفلسطينيين من غزة، فيما أعرب 54% منهم عن "تأييدهم الشديد".

والأكثر إثارة للقلق أن 47% وافقوا على أنه عندما يستولي الجيش الإسرائيلي على مدينة معادية، عليه أن يتصرف كما فعل "بنو إسرائيل" حين غزوا أريحا، بحسب التوراة، أي "بقتل سكان المدينة جميعهم".

وتشير هذه الآراء إلى ما هو أشد رعباً من مجرد تأييد سياسة عسكرية محددة؛ فهي تكشف كيف يمكن لخطاب الطرد والإبادة أن ينتقل من هامش الحياة السياسية إلى صلب الخطاب الأخلاقي المعاش للمجتمع. فهكذا تبدو ثقافة الهمجية عندما يصبح التضحية بالآخرين أمراً بديهياً، ويُتصور تدمير شعب آخر على أنه أمر مشروع أو ضروري أو مبرر.

ويذهب المؤرخ الإسرائيلي المتخصص في تاريخ المحرقة، عمير بارتوف، إلى أبعد من ذلك، ويزعم أن الإسرائيليين أصبحوا متواطئين من خلال الصمت الواسع عن العنف والابتذال واللامبالاة، ويضعون بذلك على المحك ما يتجاوز جرائم نتنياهو وبن غفير والجيش الإسرائيلي، ليرتبط بإنتاج تربوي لنظام اجتماعي يصبح فيه خطاب الإبادة مقبولاً، والمعاناة الجماعية محتملة، ويمكن استيعاب العنف الإبادي ضمن إيقاعات الحياة العادية.

فغاية الإرهاب التربوي هي صناعة أفراد لم تعد الهمجية تبدو لهم همجية.

ولا تكتفي ثقافة الفاشية بالتسامح مع الوحوش، بل تحوّلهم إلى مشاهير وأقوياء ومنقذين ورموز للتماهي، مرسخة بذلك عبادة القيادة. وتصبح انتهاكاتهم للمعايير الأخلاقية والسياسية دليلاً على أصالتهم، وقسوتهم برهاناً على قوتهم. ويصبح ازدراؤهم للقيود الديمقراطية مصدر متعة لأتباعهم، الذين يرون في كل تجاوز تحرراً وهمياً من واجبات المساواة والرحمة والمسؤولية المتبادلة.

لقد قدم ترامب عرضاً مرعباً للمشاعر التعبوية للفاشية، حين دعا أتباعه إلى الغش في الانتخابات الأميركية النصفية في الشهر المقبل. وفي مؤتمر "الحزب الجمهوري" في دالاس، أوعز إلى آلاف المؤيدين برفع أيديهم اليمنى وترديد قسم ولاء شخصي تضمن إعلاناً: "لا أهتم إن كنت مسجلاً أم لا، سأحاول أن أغش كالجحيم كما يفعلون".

ولم يكن هذا مجرد هجوم آخر على المعايير الديمقراطية، بل كان طقساً سياسياً فاشياً اندمج فيه الولاء للزعيم والاحتقار للقانون وإثارة التجاوز الجماعي في مشهد شعبوي. لكن الحادث جرى تجاهله في دوامة الأخبار، كما يحدث مع كل أداء ترامبي غريب آخر.

ولا يمكن اختزال المهمة السياسية في إزاحة وحوش أو أفراد من السلطة. فخطاب الوحشية يضعف السياسة حين يختزل ما هو بنيوي ويشخصنه، موجهاً الانتباه نحو قادة استعراضيين، فيما يُبقي سلسلة المؤسسات والمصالح الاقتصادية والمنظومات الإعلامية ومفهوم الهرميات العرقية والقوى التعليمية التي تنتج الوعي الاستبدادي خارج دائرة المساءلة.

والسؤال السياسي المحدد لعصرنا ليس: هل عادت الوحوش؟ بل: ما نوع المجتمع الذي ينتجها؟ وما أشكال السلطة التي تحتاج إليها؟ وما الآلة التربوية التي تعلّم الناس اتباعها؟

فالوحش ليس نهاية التحليل، بل بدايته. ولا يمكن هزيمة الفاشية بإزاحة أكثر قادتها ظهوراً، بينما تبقى الآلة الاقتصادية والسياسية والثقافية التي أنتجتهم وأنتجت أمثالهم سليمة. والنضال ضد الفاشية يجب أن يواجه أيضاً رأسمالية العصابات، والتفوق الأبيض، والعسكرة، والدولة العقابية، والمؤسسات التي تحول البشر إلى جماعات قابلة للاستغناء عنها.

لكن المقاومة لا تستطيع أن تعيش على الغضب وحده. إنها تحتاج إلى لغة وإمكانية، وإلى سياسة قادرة على جعل الأمل ملموساً، لا إلى تفاؤل أو اعتقاد بأن التاريخ ينحني تلقائياً نحو العدالة.

والمقاومة ممارسة تولد حين يرفض الناس العزلة المصنّعة في الحياة النيوليبرالية، ويكتشفون بعضهم بعضاً في النضال، ويدركون أن ما يختبرونه كبؤس خاص هو غالباً جرح عام أنتجته بنى سلطات تكاد تكون واحدة.

وهذا يفرض أن تتشكل ثقافة المقاومة في النقابات، والفصول الدراسية، والمظاهرات، وشبكات المعونة المتبادلة، وحركات الاحتجاج، والنضالات من أجل حرية فلسطين، وحملات العدالة من أجل المهاجرين، وفي المنظمات القادرة على تحويل الغضب إلى قوة جماعية.

وهناك بالفعل علامات على أن هذه السياسة تكافح لكي تولد في الولايات المتحدة. فالنمو الاستثنائي لـ"الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا"، والانتصارات الانتخابية للمرشحين التقدميين، وتجدد النضال العمالي، تشير إلى أن أعداداً متزايدة من الناس لم تعد مستعدة لقبول طغيان السوق بوصفه أفق الإمكانية السياسية.

وهذا كله يعيد للرأسمالية اسمها مرة أخرى بوصفها مشكلة سياسية، ويؤشر إلى أن النضال الجماعي يخترق الادعاء المظلم بأنه لا يوجد بديل عما هو قائم.

والأمل خطير على الفاشية، لأن السلطة الاستبدادية تتغذى على العزلة والنسيان التاريخي والإنهاك السياسي والاقتناع بأنه لا يمكن تغيير شيء. أما الأمل النضالي، فيحطم هذا الاقتناع، ويحوّل المعاناة الخاصة إلى غضب عام، والمتفرجين إلى فاعلين سياسيين، والعزلة التي تتغذى عليها الفاشية إلى قوة جماعية.

وهو يقف ضد تربية الخوف، وينضوي في التربية على المقاومة والشجاعة المدنية، ويقف ضد ثقافة القسوة، ويجعل التضامن سلاحاً والعدالة مطلباً جماعياً، وضد مجتمع حوّل قابلية البشر للاستغناء عنهم إلى أمر مقبول، ويصر على أن قيمة البشر أكبر من قيمة الأسواق والربح.

فالنضال أكبر من الوحوش الذين يحتلون قمم السلطة. ويجب أن ندمّر الظروف التي تجعلهم ممكنين، من خلال بناء سياسة ديمقراطية جماهيرية قادرة على مواجهة الثروة المركزة، وتفكيك الهرميات العرقية والاقتصادية، والدفاع عن القضايا العامة، وكسر قبضة النزعة العسكرية، وإعادة السلطة الاقتصادية والسياسية إلى الناس العاديين.

فالديمقراطية لا يمكن أن تبقى قشرة سياسية للرأسمالية، مفرغة من مضمونها فيما تحكم السلطة الاقتصادية المركزة من الداخل، بل يجب أن تصبح طريقة لتنظيم الحياة الاجتماعية نفسها، قائمة على المساواة والقوة الجماعية والنضال من أجل مستقبل عادل.

قبل أكثر من 4 عقود، حذر مانوس هادغيداكيس قائلاً: "حين يتوقف وجه الوحش عن إخافتنا، عندها يجب أن نخاف، لأن ذلك يعني أننا بدأنا نشبهه".

ولم يكن تحذيره يوماً أكثر إلحاحاً مما نحتاج إلى وعيه الآن. لكن التشابه ليس قدراً. فالوحش يعتمد على استسلامنا وصمتنا وعزلتنا، وأخيراً على اعتقادنا بأن مقاومته عبثية، فيما يبدأ أكثر أشكال الأمل جذرية برفض هذه الكذبة.

الوحوش يصنعهم التاريخ، ويمكن للنضال الجماعي أن يحطمهم. وهذا النضال يجب أن يواجه الرأسمالية نفسها، ويبني سياسة تشاركية ديمقراطية قادرة على انتزاع السلطة من النخب الحاكمة، وإعادتها إلى الشعب، وتحويل الأمل إلى قوة لإعادة صنع العالم.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.