"CGTN": زيارة شي لمصر تفتح فصلاً جديداً لعالم الجنوب
زيارة مرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر في الذكرى الـ70 للعلاقات تؤسس لشراكة تنموية متكاملة، وتعزز التنسيق الدولي لتمكين "الجنوب العالمي" وبناء نظام متعدد الأقطاب.
-
الرئيس الصيني شي جين بينغ
سلّطت شبكة "CGTN" الصينية الضوء على الأبعاد الاستراتيجية والآفاق التنموية للزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
هناك لحظات في العلاقات الدولية لا تكمن أهميتها في ذاتها فحسب، بل في المسار الذي ترسمه نحو المستقبل. وفي عام 2026، الذي يصادف الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، تقترب تلك اللحظة إذ من المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة دولة إلى مصر، ويلتقي خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وتُعدّ هذه الزيارة، الأولى منذ عقد، فرصة لإعادة تقييم الشراكة الصينية المصرية في ضوء التغيرات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، من صعود دول الجنوب العالمي، والحاجة المتزايدة إلى تنمية متوازنة، والسعي نحو نظام دولي أكثر تمثيلاً وعدلاً.
ويبلغ هذا الزخم ذروته بتبادل الرئيسين رسائل التهنئة في أيار/مايو بمناسبة الذكرى السبعين، وفي تموز/يوليو، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره المصري بدر عبد العاطي استعداد الصين لمواصلة التبادلات رفيعة المستوى وتعزيز التنسيق في القضايا متعددة الأطراف.
مسار تاريخي وتنسيق استراتيجي
تُعتبر مصر أول دولة أفريقية وعربية أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين في 30 أيار/مايو 1956. وقد تحولت هذه الروابط من علاقات دبلوماسية إلى تعاون استراتيجي، ثم ارتقت إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2014.
وفي الذكرى السبعين، وصف الرئيس شي جين بينغ العلاقات الصينية-المصرية بأنها نموذج للصداقة والتضامن والتعاون بين الدول النامية، في حين أعرب الرئيس السيسي عن تطلعه للعمل مع الصين نحو عالم متعدد الأقطاب أكثر استقراراً وقدرة على تمكين التنمية الشاملة.
ويُركز الرئيسان بشكل متزايد على العلاقة ليس فقط من منظور ثنائي، بل كجزء من جهد أوسع لتعزيز دور الدول النامية في صياغة أجندة التنمية العالمية، وهي رؤية من المتوقع أن تُعززها زيارة شي جين بينغ.
تحول نحو شراكة تنموية متكاملة
شهد التعاون بين الصين ومصر تطوراً هاماً تمثل في التحول من التعاون القائم على المشاريع المنفردة إلى بناء شراكة تنموية متكاملة. وتغطي استراتيجية التعاون التنموي الأولى بين الصين ومصر للفترة 2025-2029، التي وُقعت خلال زيارة رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ إلى مصر في يوليو 2025، نطاقاً واسعاً من المجالات، بدءاً من الرعاية الصحية والاتصالات وتغير المناخ، وصولاً إلى التنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي. وتقوم الفلسفة الأساسية على أن التنمية المستدامة لا تُقاس بحجم الاستثمارات أو أرقام التجارة فحسب، بل بقدرة الفرد على إنتاج المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء القدرات، ورفع القيمة المضافة المحلية.
وتتجلى هذه الرؤية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتحديداً منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية (TEDA) الواقعة على بعد 120 كم من العاصمة القاهرة، والتي تحولت بفضل موقع مصر الاستراتيجي إلى مركز صناعي ولوجستي حيوي، بفضل موقع مصر الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية.
وتتواجد في مصر أكثر من 3300 شركة صينية تعمل في قطاعات متنوعة تشمل النسيج، والألواح الشمسية، والكيماويات، وصناعة السيارات، والخدمات اللوجستية، مع وجود وحدة متخصصة مخصصة للاستثمارات الصينية، وفقًا للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر. ويعكس هذا تحولًا أوسع نطاقًا من التركيز على البنية التحتية والاستثمار نحو التصنيع، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج الموجه للتصدير. كما اكتسب دور مصر كبوابة إلى أفريقيا ثقلًا سياسيًا، حيث أكد عبد العاطي استعداد القاهرة لتكون بوابة الصين إلى القارة.
رؤية مشتركة لقضايا العالم والجنوب
ولا تقتصر قوة هذه الشراكة على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تتقارب مصر والصين بشكل كبير في قضايا التغير المناخي، الأمن الغذائي والمائي، التنمية المستدامة، وإصلاح المؤسسات الدولية لتعزيز صوت الدول النامية. وقد شدد البيان المشترك لعام 2024 لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة على الالتزام بميثاق الأمم المتحدة، ورفض ازدواجية المعايير، وإصلاح المنظمات الدولية. ويتواصل التعاون عبر الأمم المتحدة، ومنتدى التعاون العربي الصيني، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، وقد زاد من فعالية هذا التنسيق انضمام مصر الرسمي إلى مجموعة "بريكس" عام 2024.
وفي ظلّ ما يواجهه العالم من أزمات في الطاقة والغذاء والمناخ وسلاسل التوريد والتمويل، لا ينبغي فهم تعزيز التعاون بين دول الجنوب على أنه تشكيل كتلة ضدّ أيّ طرف، فالسياسة الخارجية المصرية تُفضّل الشراكات المتنوعة، واتخاذ القرارات المستقلة، والتعددية، ما يعني أن توثيق الروابط مع الصين يمثل توسيعاً لخيارات التنمية. وينطلق مفهوم الجنوب العالمي من إنشاء نظام دولي أكثر توازناً بمشاركة الدول النامية، لا من مبدأ المواجهة مع الشمال.
ثلاث أولويات مستقبلية
ويمكن لزيارة شي جين بينغ أن تُعزّز الشراكة من خلال ثلاثة أولويات: تعميق التعاون التنموي عبر التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وسلاسل القيمة، والطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الذكية، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر لخلق قيمة مشتركة عبر منصات التصدير الإقليمية التي تربط آسيا وأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، وتوسيع نطاق التعاون بين دول الجنوب من خلال تبادل الخبرات في مجالات التمويل والتكنولوجيا والأمنالغذائي والطاقة النظيفة.
بعد 7 عقود، لم تعد العلاقات الصينية المصرية بحاجة إلى إثبات متانتها. فالمهمة الآن هي تحويل الثقة المتراكمة إلى تنمية ملموسة، تُقاس بالمصانع والتكنولوجيا والمهارات والأسواق والأمن الغذائي. مع زيارة الرئيس شي الرسمية، تقف مصر والصين على أهبة الاستعداد لفتح فصل جديد - فصل تصبح فيه الصداقة التاريخية قوة دافعة للتنمية، ويصبح فيه التعاون الثنائي جسراً بين آسيا وأفريقيا والعالم العربي، وتعزز فيه التجربة الصينية المصرية صوت الجنوب العالمي في بناء نظام دولي أكثر توازناً وإنصافاً.