"Antiwar": كيف فقدت عبارة "لن يتكرر ذلك أبداً" معناها في غزة
إذا دُفن القانون الدولي والعدالة تحت أنقاض غزة، فإنّ المجتمع الدولي سيحفر قبره بنفسه في نهاية المطاف.
-
فلسطينيون يشيّعون شهداء ارتقوا في إثر غارات إسرائيلية على قطاع غزّة.
موقع "Antiwar" الأميركي ينشر مقالاً يتناول فشل المجتمع الدولي والمؤسسات الغربية في وقف الحرب على غزة، رغم امتلاكها الأدوات القانونية والسياسية والمؤسسية اللازمة لذلك، مركّزاً على أنّ هذا الفشل لم يكن نتيجة نقص في المعلومات أو غياب التحذيرات، بل نتيجة الشلل السياسي، وازدواجية المعايير، والتواطؤ، وتقديم التحالفات الاستراتيجية على الالتزامات القانونية والإنسانية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
عند النظر إلى المشهد المدمّر في قطاع غزة، وإلى الأجيال الناجية التي تحمل الآن الندوب الجسدية والنفسية الدائمة للحرب، يستوجب هذا كلّه إدانة مطلقة لعصرنا، وللعالم الذي شاهد الرعب يحدث في الوقت الفعلي، وامتلك كلّ الآليات القانونية والسياسية والمؤسسية لإيقافه، ولم يفعل شيئاً.
على مدى أشهر، ثمّ سنوات، اختبرت الكارثة في غزة نسيج القانون الدولي، ونزاهة الحوكمة العالمية، وضمير الإنسانية الأخلاقي، من قاعات الأمم المتحدة إلى المحاكم العليا في لاهاي، حيث لم يكن الصمت ناتجاً من نقص المعلومات، بل كان استسلاماً مخزياً للإرادة السياسية وإفلاساً أخلاقياً.
نادراً ما يقدّم التاريخ مثل هذا القدر من الوضوح السريع واللاذع. فبعد 3 سنوات من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تكمن الفظاعة الحقيقية في أنّ الوحشية الإسرائيلية في غزة لم تكن خفية قط، بل بُثّت مباشرة بجودة عالية أمام جمهور عالمي شاهدها وناقشها مراراً، وسمح باستمرارها.
تستمر حرب "إسرائيل" على الفلسطينيين من دون انقطاع. وعلى الرغم من امتلاك القوى الدولية الكبرى النفوذ اللازم لوقف الأزمة، فإنها لم تتدخّل، ما سمح للنظام الإسرائيلي ومستوطنيه بزيادة عنفهم في غزة والضفة الغربية المحتلة.
ومع انقشاع ضباب الحرب بمرور الوقت، بات الانهيار المنهجي للمؤسسات الدولية والحكومات جلياً ولا لبس فيه. فلم يفشل العالم في وقف الإبادة الجماعية في غزة لقلة وعيه أو بسبب غياب التحذيرات، بل لأن النظام الدولي "القائم على القواعد"، أي النظام الغربي، مفلس بنيوياً وأخلاقياً، ومشلول بالتواطؤ والجبن وازدواجية المعايير.
لقد كشفت الحرب عن استخدام الغرب للقانون الإنساني الدولي كأداة انتقائية، يطبّقها بسرعة على البعض، ويعلّقها عندما تزعج أصحاب النفوذ. فقد أعطت الحكومات التي لطالما تظاهرت بأنها مناصرة لحقوق الإنسان الأولوية للتحالفات الاستراتيجية على الالتزامات القانونية والإنسانية العالمية.
وخلال الأشهر الأولى من الهجوم، ومع ارتفاع عدد القتلى إلى عشرات الآلاف، وتحويل مناطق بأكملها إلى ركام دُفن تحته سكان المباني، مارس الدبلوماسيون العالميون ما يجيدونه: التأخير البيروقراطي لكسب الوقت.
وبينما كانت المستشفيات محاصرة، والأطفال يخضعون لعمليات بتر الأطراف من دون تخدير، على أرضيات ملطخة بالدماء، انحدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى حالة من الجمود التام. فقد عجزت الهيئة العالمية الأبرز للأمن الجماعي عن تحقيق الإجماع العالمي، وانهارت أمام تهديدات القوى العظمى.
كما قوبلت قرارات متكررة تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار إما بالرفض، أو بتخفيف خطابها إلى حد يفقده معناه. وفي الوقت نفسه، كانت المحاكم الدولية تناقش بعناية الفروق القانونية المتعلقة بالإبادة الجماعية، بينما تضاعفت القبور واستمرت الفظائع من دون انقطاع.
واليوم، بينما تنظر محكمة العدل الدولية ببطء في حكمها النهائي في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا عام 2023 ضد "إسرائيل"، تُمحى الذكريات الملموسة لفلسطين، وتُشطب قرون من التاريخ والثقافة والأنساب. وبالنسبة إلى فلسطين، فإنّ العدالة المتأخرة ليست عدالة منقوصة فحسب، بل هي إبادة جماعية كاملة.
وبعد 3 سنوات من الإفلات من العقاب على إبادة جماعية لم تُقاضَ، يتكشّف أنّ قيمة الحياة البشرية تُقاس وفق مقياس متدرّج، وتُحتسب بناءً على العرق والجغرافيا والفائدة السياسية.
وبالنظر إلى الماضي، تبدو هذه التأخيرات الإجرائية والإدارية وكأنها تتستر عمداً، لا أنها مجرّد جمود هيكلي. فكل شهر أُهدر في مناقشة الممرات الإنسانية أو الامتثال للقانون الدولي منح "إسرائيل" الضوء الأخضر لمواصلة حربها على غزة.
إنّ أشدّ الانتقادات التي وُجّهت خلال السنوات الثلاث الماضية تقع على عاتق القوى الغربية. فالحكومات التي لا تملّ من إلقاء المحاضرات على العالم بشأن حقوق الإنسان، والنظام القائم على القواعد، والقانون الدولي، برّرت، بأخلاق ملتوية، ما لا يمكن تبريره.
وقد ظهر قادة العالم وهم يتوافدون على "إسرائيل" بصكوك ولاء مفتوحة، ويقدّمون دفقاً متواصلاً من الذخائر التي حوّلت الجامعات والمدارس والمستشفيات والأسواق والمكتبات والمخابز وأماكن العبادة والمباني السكنية في قطاع غزة إلى ركام.
وبينما تظاهروا بالندم علناً، وافق هؤلاء القادة أنفسهم سراً على شحنات الأسلحة. وفي مشهد عبثي قاسٍ يجسّد تظاهرهم بالبراءة الإنسانية، سمحوا بإسقاط أكياس ضئيلة من الدقيق جواً على أحياء في غزة ساهموا هم أنفسهم في تدميرها.
ولم يقتصر الفشل على أروقة الحكومات، بل امتد ليشمل المشهد الإعلامي السائد برمّته. فعلى مدى شهور، ناضل المراسلون في غزة، ممن لم يكونوا بين مئات الصحافيين الذين استُهدفوا وقُتلوا بشكل ممنهج، لاختراق جدار من الرقابة الشديدة والتجريد من الإنسانية.
وفي الغرب، لجأت وسائل الإعلام الكبرى إلى تلطيف اللغة لإخفاء مسؤولية "إسرائيل" المباشرة عن العنف المستمر، وقللت من شأن الخسائر في الأرواح الفلسطينية باستخدام عبارات سلبية مثل "ماتوا"، لتصوير الخسائر الجماعية على أنها أضرار جانبية، في حين سلّطت الضوء على الأصوات التي دافعت عن شرعية الحرب.
لكنّ ردود الفعل الشعبية كشفت عن شرخ أعمق. فقد خرج الملايين في مسيرات حاشدة في مدن حول العالم، مطلقين بذلك إحدى أكبر حركات الاحتجاج المناهضة للحرب، والتي لا تزال مستمرة. ومع ذلك، ظلت الفجوة بين المحكومين والحكّام قائمة، وأثبتت الديمقراطيات الغربية مناعة تامة تجاه المطالب الأخلاقية لمواطنيها.
كان صمت السنوات الثلاث الماضية مدوّياً. فلم يكن هناك أدنى شك في وقوع الإبادة الجماعية، ولا نقص في القوانين الدولية اللازمة لوضع حدّ لها. بل إنّ الفشل يقع بالكامل على عاتق المؤسسات الغربية التي افتقرت إلى الشجاعة للتحرّك.
إنّ السماح بوقوع الإبادة الجماعية من دون عقاب يرسي سابقة خطيرة للأمن العالمي. فإذا دُفن القانون الدولي والعدالة تحت أنقاض غزة، فإنّ المجتمع الدولي سيحفر قبره بنفسه في نهاية المطاف.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.