"نيويورك تايمز": نهاية الاستثنائية الأميركية؟

يبدو أنّ أيام أميركا بصفتها "الدولة الاستثنائية" قد ولّت.

  • "نيويورك تايمز": نهاية الاستثنائية الأميركية؟

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تطور مفهوم "الاستثنائية الأميركية" وعلاقة الولايات المتحدة بالديمقراطية في الداخل والخارج، ويجادل بأنّه على الولايات المتحدة أن تتخلى عن محاولة فرض نموذجها السياسي على العالم بالقوة، وأن تعود بدلاً من ذلك إلى تعزيز ديمقراطيتها في الداخل وتقديم نفسها نموذجاً يُحتذى به، مع انتهاج سياسة خارجية أكثر واقعية وبراغماتية.
 
 أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

يبدو أنّ أيام أميركا الاستثنائية قد ولّت. فعلى الصعيد الداخلي، يعمل الرئيس دونالد ترامب على تقويض أسس الحكم التمثيلي. أما على الصعيد العالمي، فقد تخلّى عن مساعي تعزيز الديمقراطية.

ورغم أنّ هجوم ترامب على الديمقراطية الأميركية يُعدّ أمراً خطيراً وغير مسبوق، فإنه محق في التريث بشأن تعزيز الديمقراطية في الخارج، وفي مدّ جسور التواصل عبر الانقسامات الأيديولوجية؛ إذ يُعدّ تحسين العلاقات مع الصين -وهو ما يهدف ترامب إلى تحقيقه خلال قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ يوم الخميس- ضرورة حتمية في عالم يتسم بالترابط المتبادل.

إنّ تبنّي نهج واقعي وعملي ليس ضرورياً فحسب للتعامل مع عالم اليوم الذي يشهد حالة من التشرذم، بل يتماشى أيضاً مع جانب كبير من التاريخ الأميركي؛ فمنذ مرحلة التأسيس وحتى الحرب العالمية الثانية، كان الأميركيون يميلون إلى التركيز على شؤونهم الداخلية وترك الشعوب الأخرى تدير شؤونها بنفسها.

ويتبنّى ترامب الرؤية ذاتها، وهو ما أوضحته إدارته في "استراتيجية الأمن القومي لعام 2025" بقولها: "نحن نسعى لإقامة علاقات طيبة وروابط تجارية سلمية مع دول العالم، من دون فرض تغييرات ديمقراطية أو اجتماعية عليها تختلف اختلافاً جذرياً عن تقاليدها وتاريخها".

ومع ذلك، فإن استخفاف ترامب بمسألة تعزيز الديمقراطية ينطوي على خلل، ويتعارض مع التاريخ الأميركي في جانب جوهري؛ فمن خلال تقويض الديمقراطية الأميركية ذاتها، ودعم الشعبويين المناهضين لليبرالية في ديمقراطيات أخرى، فإنه يقوّض الرسالة التأسيسية للأمة والمتمثلة في تغيير العالم عبر تقديم القدوة الحسنة.

لقد فرضت صيغة "الاستثنائية الأميركية" -التي وجّهت مسار البلاد طويلاً- تبنّي نهج عملي (براغماتي) في السياسة الخارجية، بما يتيح للأميركيين التركيز على تطوير تجربتهم الديمقراطية في الداخل. وكان على مستوطني "العالم الجديد" بناء "مدينة فوق تل" -على حد تعبير الزعيم البيوريتاني جون وينثروب عام 1630- لتغيير العالم في نهاية المطاف، ولكن فقط من خلال العمل كنموذج ديمقراطي يحتذي به الآخرون.

وهذا هو النمط من فن الحكم الأميركي الذي تشتد الحاجة اليوم إلى إحيائه من جديد.

إننا نخوض معركة عالمية لكسب القلوب والعقول؛ إذ بات مستقبل الحكم الجمهوري في الولايات المتحدة -وعلى الصعيد العالمي- على المحك. ففي الوقت الذي يتجاوز فيه ترامب حدود سلطاته التنفيذية، ويوظف وزارة العدل كأداة سياسية، ويحاول ترهيب وسائل الإعلام والقطاع الخاص والجامعات، يراقب مواطنو الصين وإيران وروسيا وغيرها من الأنظمة الاستبدادية كيف يخبو بريق المنارة الديمقراطية الأميركية.

إن تعثر التجربة الأميركية، إلى جانب المحاباة التي تُوليها واشنطن لأحزاب اليمين المتطرف حول العالم -حتى في ألمانيا التي لا تزال تعاني من وطأة ماضيها النازي- يعمل على طمس تلك المُثُل العليا التي لطالما ألهمت الشعوب المقهورة للسعي نحو الكرامة والاستقلالية؛ وهما أمران لا يمكن تحقيقهما إلا في ظل نظام حكم تمثيلي.

وتُهدر الولايات المتحدة بذلك قدرتها على توجيه مسار التاريخ نحو مزيد من الحرية.

لقد تبنى الأميركيون منذ البداية نزعة "رسالية" ديمقراطية؛ فكما عبّر توماس باين عام 1776: "بوسعنا أن نبدأ العالم من جديد". ولكن، على مدى ما يزيد على القرن التالي، سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز انتشار الحكم الجمهوري من خلال تقديم نفسها نموذجاً يُحتذى به، لا عبر التدخل في شؤون الدول الأخرى. وكما أوضح جون كوينسي آدامز -الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية آنذاك- عام 1821، فإن الأمة ستُغيّر العالم لا بالقوة، بل من خلال "تأثير صوتها، والتعاطف الخيّر الذي يبعثه نموذجها".

وكان هذا النهج المتأني في نشر الديمقراطية نتاجاً لثلاثة اعتبارات رئيسية. أولاً، كان الأميركيون يدركون تماماً مدى هشاشة تجربتهم في الحكم الذاتي؛ فقد حذّر الرئيس جورج واشنطن صراحةً، في خطاب الوداع عام 1796، من أن الطموح الخارجي -بما يستلزمه من تركيز للسلطة وحاجة إلى جيش ضخم- ينطوي على مخاطر تقويض الحرية في الداخل. كما ساور آدامز القلق من أن الحروب الخارجية -حتى وإن خيضت دفاعاً عن القضية الجمهورية- قد تُغيّر "المبادئ الأساسية لسياسة البلاد... من الحرية إلى القوة"، ما قد يغري الأمة بأن تصبح "ديكتاتورة العالم".

ثانياً، آمن قادة البلاد بأن نظام الحكم الجمهوري يجب أن ينشأ بصورة طبيعية وتلقائية، وأنه لا يمكن فرضه من الخارج. وحين قرر الأميركيون، في عشرينيات القرن التاسع عشر، عدم التدخل في أميركا اللاتينية لدعم الدول الساعية إلى الانفصال عن الإمبراطوريات الأوروبية، أكد آدامز أنه لا يرى "أي أفق لإقامة مؤسسات حكم حرة أو ليبرالية" هناك؛ وهي وجهة نظر ظلت سائدة لعقود.

ثالثاً، أدرك القادة الأميركيون ضرورة التعامل مع العالم كما هو، لا كما يودّون أن يكون. وكما أوضح الرئيس جيمس مونرو عام 1823، تمثلت السياسة الأميركية تجاه الملكيات الأوروبية في "عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من تلك القوى، واعتبار الحكومة القائمة فعلياً الحكومة الشرعية بالنسبة لنا، والعمل على بناء علاقات ودية معها".

وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، أسهم هذا النهج العملي والمصلحي في إدارة شؤون الدولة في تحقيق نتائج مبهرة محلياً؛ إذ لم يكتفِ الأميركيون بالحفاظ على جمهوريتهم، بل حوّلوها إلى قوة عالمية. أما النتائج على الصعيد الخارجي فكانت أكثر تواضعاً، إذ لم يسلك سوى عدد قليل من الدول طريق الديمقراطية الليبرالية بحلول مطلع القرن. ومع ذلك، وكما كان يأمل الآباء المؤسسون، شكّل نجاح التجربة الأميركية نموذجاً بدأ الآخرون في الاقتداء به.

وابتداءً من عام 1898، استدرجت القوة والطموحات المتنامية لأميركا البلادَ إلى الفخ الذي حذّر منه آدامز؛ إذ بدأت تطلعاتها المثالية تتجاوز مصالحها الاستراتيجية.

شنَّ الرئيس ويليام ماكينلي حرباً لطرد إسبانيا من كوبا، ثم مضى قُدماً في ضم الممتلكات الإسبانية في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، مؤكداً أنه يتحرك "من أجل الإنسانية". وبعد أقل من عقدين، أمر الرئيس وودرو ويلسون بسلسلة من التدخلات العسكرية في منطقة البحر الكاريبي وأميركا اللاتينية، حيث نُقل عنه تعهده بأن يُعلِّم "جمهوريات أميركا الجنوبية كيفية انتخاب رجال صالحين". كما قاد البلاد إلى الحرب العالمية الأولى، معلناً ضرورة "جعل العالم آمناً للديمقراطية".

وسرعان ما فترت حماسة الأميركيين تجاه هذه المساعي المكلفة لتصدير مُثُلهم العليا؛ فقد حوَّل ضم الأراضي الإسبانية البلادَ إلى إمبراطورية استعمارية، وأصبحت الولايات المتحدة قوة احتلال لا قوة تحرير. ورغم الانتصار في الحرب العالمية الأولى، ندم كثير من الأميركيين على الانخراط في صراعات "العالم القديم"، ورفض مجلس الشيوخ مشاركة الولايات المتحدة في "عصبة الأمم"، وهي المنظمة التي كانت وليدة أفكار ويلسون للحفاظ على السلام في مرحلة ما بعد الحرب. وهكذا بدأ انحسار الدور الأميركي في الفترة الفاصلة بين الحربين، وتخلت البلاد عن تطلعاتها المثالية لصالح نزعة انعزالية متصلبة؛ فبعد محاولة القيام بالكثير، اختار الأميركيون القيام بالقليل جداً.

وخلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، توصلت الولايات المتحدة أخيراً إلى توازن مستقر بين مصالحها الاستراتيجية ومُثُلها العليا السامية. فمن أجل خوض الحرب ضد دول المحور، وضعت واشنطن تحفظاتها الأيديولوجية جانباً وتحالفت مع الاتحاد السوفياتي، لكنها، بعد هزيمة ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية، عملت على ترسيخ الديمقراطية في كلا البلدين.

وفي خضمّ الحرب الباردة، أقامت واشنطن تحالفات متينة مع دول ديمقراطية أخرى، بينما تعاونت أيضاً مع أنظمة استبدادية عند الضرورة لاحتواء الشيوعية، متنازلةً أحياناً عن بعض مُثُلها. ومع ذلك، لم يتحقق انتصار الغرب في نهاية المطاف عبر هزيمة الاتحاد السوفياتي في ساحة المعركة، بل من خلال إثبات تفوق المجتمعات الحرة والأسواق المفتوحة، والانتظار بصبر حتى ينهار المعسكر السوفياتي من الداخل. وتماشياً مع رؤية الآباء المؤسسين، غيَّرت الولايات المتحدة العالم من خلال تقديم القدوة والمثال.

وعلى غرار ما حدث قبل قرن من الزمان تقريباً، بدأت الطموحات المثالية الأميركية تتجاوز مصالحها الاستراتيجية مرة أخرى بعد انتهاء الحرب الباردة. فقد تبنّت إدارة كلينتون استراتيجية "توسيع نطاق الديمقراطية"، مفترضةً -خطأً- أن دول العالم بأسره ستسارع إلى حجز مكان لها في نظام عالمي ترتكز دعائمه على القيم الجمهورية. وفي الوقت نفسه، عزّز انتصار الرأسمالية ثقةً مفرطةً في مزايا اقتصاد السوق غير المقيّد.

وقد أدت هذه الأوهام المثالية إلى سلسلة من الانتكاسات الكبرى للولايات المتحدة. ففي أعقاب هجمات الـ 11 من أيلول/سبتمبر، استنزفت مهام تغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق وليبيا تريليونات الدولارات، من دون أن تحقق نتائج إيجابية تُذكر. كما عملت الولايات المتحدة على دمج روسيا والصين في الأسواق العالمية، متوقعةً أن يؤدي نمو الطبقة الوسطى فيهما إلى تحرير أنظمتهما السياسية وتهدئة سياساتهما الخارجية؛ غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل ازداد البلدان استبداداً وعداءً للولايات المتحدة.

وفي غضون ذلك، أدى تضافر الأتمتة والتجارة الحرة إلى تقويض العقد الاجتماعي الذي ساد الحقبة الصناعية، ما أسهم في تآكل الطبقة الوسطى وضمور التيار السياسي الوسطي في الديمقراطيات الغربية. ويُعد دونالد ترامب -وغيره من الشعبويين حول العالم- عارضاً من أعراض الغضب الشعبي ضد المؤسسة الحاكمة، وليس سبباً له. فالديمقراطية الليبرالية تشهد تراجعاً عالمياً، بما في ذلك في موطنها الأصلي: الولايات المتحدة.

لقد عدنا إلى نقطة البداية؛ فالديمقراطية الأميركية تواجه تهديداً داخلياً، تماماً كما كانت الحال في حقبة التأسيس. وفي الوقت نفسه، تتراجع المبادئ الجمهورية، ويصبح العالم أقل حريةً بصورة واضحة. ونظراً إلى أن إدارة عالم مترابط تتطلب تعاوناً دولياً واسع النطاق، يتعين على الولايات المتحدة مجدداً التعامل مع العالم كما هو في الواقع، لا كما تود أن يكون عليه.

وفي ظل هذه الظروف، يُحسِن ترامب صنعاً بتجنب الإفراط الاستراتيجي، والابتعاد عن مساعي "بناء الدول"، والتخلّي عن الطموحات الواهية لنشر الديمقراطية عبر إسقاط الأنظمة الاستبدادية. صحيح أن ترامب أخفق في ممارسة ضبط النفس الذي يدعو إليه؛ إذ لجأ إلى مزيج من القوة المسلحة والإكراه الاقتصادي في محاولاته لتغيير الأنظمة في فنزويلا وإيران وكوبا. لكنه، على الأقل، خفّض سقف أهدافه، ساعياً إلى تنصيب حكومات تذعن له بدلاً من السعي إلى إقامة أنظمة ديمقراطية. ومن المأمول أن يعزز الإخفاق الذي مُنيت به سياسة ترامب تجاه إيران شعوراً ضرورياً بالحذر، ينبغي على واشنطن التحلي به كلما فكرت في تغيير الأنظمة بالقوة.

وسار ترامب أيضاً في الاتجاه الصحيح بسعيه إلى التعامل ببراغماتية مع جميع الدول، بغض النظر عن طبيعة أنظمة الحكم فيها. ورغم أن سياسته الخارجية اتّسمت بالتقلب والاندفاع، فإن جهوده الرامية إلى بناء علاقات عمل جيدة مع روسيا والصين جاءت متأخرة للغاية، بعد عقود من التوسع المفرط -أيديولوجياً واستراتيجياً-؛ فالتعاون مع هذه القوى بات أمراً ضرورياً لمواجهة قوى المنافسة التي تعمل بسرعة على تفتيت عالم مترابط الأطراف.

غير أن ترامب، بتهديده للديمقراطية في الداخل ودعمه للشعبويين المناهضين لليبرالية في الخارج، إنما يفسد جوهر "الاستثنائية الأميركية" بدلاً من إحيائه. فمن خلال تعريض التجربة الأميركية للخطر وتشجيع أمثالهم في دول أخرى على السير على النهج ذاته في ديمقراطياتهم، يضرب ترامب مثلاً سيئاً سيترك، بلا شك، أثراً قاتماً على مسار التاريخ.

ويتعيّن على الأميركيين إنقاذ تجربتهم الديمقراطية على وجه السرعة؛ إذ تُعد قدرتهم على القيام بذلك أمراً حاسماً لكبح المد المناهض لليبرالية الذي يتصاعد عالمياً. ولن يتسنى لهم ضمان انحياز مسار التاريخ مجدداً نحو مزيد من الحرية إلا إذا رتّبوا أوضاعهم الديمقراطية الداخلية، وأثبتوا أن الديمقراطية قادرة على التفوق على الاستبداد.

نقله إلى العربية: الميادين نت.