"نيويورك تايمز": سياسة ترامب الخارجية لإحياء الإمبراطورية

صحيفة "نيويورك تايمز" تقدّم تقريراً تظهر فيه أن السياسة الخارجية الأميركية تنحرف بشكل كبير في جميع أنحاء العالم، لكنها تبقى ثابتة على طبيعتها العدوانية واعتمادها على استخدام القوة. 

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو

قدّمت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تقريراً أظهرت فيه أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انحرف في سياسته الخارجية بشكل كبير في جميع أنحاء العالم، لكن السياسية بقيت ثابتة على طبيعتها العدوانية واعتمادها على استخدام القوة. 

وأشار التقرير إلى أن ترامب يُطلق على سياسته اسم "أميركا أولاً"، وهو تركيز مُعلن على مصالح الولايات المتحدة كما يُحددها، لكنها ليست انعزالية أو انسحاباً من العالم، كما زعم بعض المحللين، ولم تتجلى بعد في سعي لإنشاء "مناطق نفوذ"، حيث تكتفي الإدارة بالسيطرة على نصف الكرة الغربي فقط، تاركةً المناطق الأخرى للقوى المنافسة.

مهمة واشنطن: الاستحواذ على موارد الشعوب

وذكرت الصحيفة أن يُعدّ هذا إحياءً لمهمة الإمبراطورية، وهي الاستحواذ على أراضي وموارد الشعوب ذات السيادة، كما أنه أيضاً تبني، بل واحتفاء، بتاريخ الإمبراطوريات الغربية.

وكان ترامب قد أشاد في خطاب تنصيبه، بالرئيس ويليام ماكينلي، الذي حوّل الولايات المتحدة إلى إمبراطورية خارجية خلال الحرب الإسبانية الأميركية، من خلال ضم الفلبين وغوام وبورتوريكو، بحسب التقرير.

واعتبرت "نيويورك تايمز" أنه تم التعبير عن شكل الهيمنة الأميركية الذي يتبناه ترامب بشكل أوضح من قبل وزير الخارجية ماركو روبيو في وقت سابق من هذا الشهر، في خطاب ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن.

وكان روبيو قد قال أمام جمهور من المسؤولين الأوروبيين في الغالب: "على مدى 5 قرون، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الغرب يتوسع، مبشروه، وحجاجه، وجنوده، ومستكشفوه يتدفقون من شواطئه لعبور المحيطات، واستيطان قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات شاسعة تمتد عبر العالم".

وبعد عام 1945، عندما انتهت الحرب العالمية الثانية وأصبحت أوروبا في حالة خراب، قال روبيو إن "الغرب" كان "ينكمش"، وأدان حركات الاستقلال المناهضة للاستعمار، وربطها بالأيديولوجية الشيوعية، وحمّلها مسؤولية تآكل النفوذ الغربي.

وفي السياق، حظي روبيو بتصفيق حار من الحضور، فرغم أن خطابه كان حافلاً بانتقادات لاذعة للدول الأوروبية، إلا أنه استحضر التاريخ المشترك بين الولايات المتحدة وأوروبا، بحسب الصحيفة.

ويرى بعض المؤرخين والمحافظين الأميركيين، أن الخطاب قد لخّص أيضاً أفكاراً حول الليبرالية وتراجع الغرب، كانت قد عبّر عنها قبل عقود الكاتبان اليمينيان جيمس بورنهام وبات بوكانان.

العواقب ستكون هائلة إن استمر ترامب وروبيو في سياساتهما الإمبريالية

وبينما يدفع ترامب باتجاه اتخاذ إجراءات عدائية، فهو يهدد بالحرب ضد إيران بشكل شبه يومي، وتحدث عن غرينلاند مرة أخرى في نهاية الأسبوع الماضي، ينظر بعض المحللون إلى خطاب روبيو كعلامة على ما سيحدث في المستقبل.

وفي السياق عينه، نقلت الصحيفة قول مؤرخ القوة الأميركية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ستيفن ويرثيم: "عكس روبيو بدقة موقف ترامب من السياسة الخارجية اليوم، فعلى الرغم من المخاوف الواسعة النطاق من احتمال انسحاب ترامب من العالم، إلا أنه يعمل على إعادة تنشيط الهيمنة العسكرية الأميركية على جميع الأصعدة".

وأردف: "إنها عولمة أميركا أولاً، وبدلاً من الانسحاب من التحالفات، يستخدمها ترامب كأدوات للإكراه"، ثم قال: "كان الاحتفال بالإمبراطورية أمراً طبيعياً في أوروبا في أوائل القرن العشرين، لكنه أمر غير مناسب في عالم تخلص من الاستعمار وأصبح ديمقراطياً".

بدوره، قال الباحث في شؤون السياسة في "الشرق الأوسط" بجامعة جورج تاون، نادر هاشمي، إنه مع استمرار ترامب وروبيو في دفع سياساتهما الإمبريالية، "ستكون العواقب على العلاقات الدولية هائلة، لا سيما في "الجنوب العالمي"، حيث تشكلت الهوية السياسية لمعظم الدول القومية في سياق نضال التحرر من الاستعمار ضد الإمبريالية الغربية".

وأضاف: "في العالم العربي والإسلامي، ستستغل القوى المتطرفة هذا التطور لجذب مجندين جدد"، وقد تستفيد روسيا والصين من ذلك، بعد عقود من محاولاتهما حشد دول أخرى إلى جانبهما من خلال انتقاد الإمبريالية الأميركية.

"مؤسسة العبودية الإمبراطورية"

وفي حديثه عن وطنه، أسهب روبيو في الحديث عن المستعمرين الأميركيين والأوروبيين الذين عملوا جنباً إلى جنب للاستيلاء على الأراضي، مشيداً، وهو ابن مهاجرين كوبيين، بأسلافه من إيطاليا وإسبانيا.

وأكدت الصحيفة أيضاً، على أن روبيو لم يذكر ولو لمرة واحدة الملايين الذين قُتلوا وعُذّبوا وسُجنوا في الحروب التي شُنّت في أنحاء العالم باسم الإمبراطورية، وأردفت أنه لم يُشر أيضاً إلى مؤسسة العبودية الإمبراطورية ودور الأفارقة المستعبدين في بناء الولايات المتحدة.

وتجنّب روبيو مناقشة الإرث الحيّ للإمبراطورية في الغرب، بما في ذلك العديد من المهاجرين من الدول المستعمرة سابقاً وأحفاد العبيد الذين ساهموا في تشكيل بلدانهم، بحسب "نيويورك تايمز".

وقال بعض المؤرخين إن روبيو ربما كان المسؤول الأميركي الرفيع الوحيد في العقود الأخيرة الذي احتفى بالإمبراطورية بهذه الطريقة الصريحة.

ويشار إلى أن مؤرخ كتب عن السياسات الخارجية للولايات المتحدة وشرق آسيا، جون ديلوري، كان قد قال: "إن الاحتفاء بالولايات المتحدة كوريثة للحضارة الغربية ليس بالأمر الجديد، ولكن منذ عهد فرانكلين روزفلت على الأقل، يتحدث الرؤساء والدبلوماسيون عن الولايات المتحدة كعدو للإمبراطورية والإمبريالية".

وأضاف: "تم تحديث الكتب المدرسية للاعتراف بكيفية استعباد "المستكشفين" للناس كعمالة متملكة، ومحو "المبشرين" للثقافات والأديان الأصلية، وتجريد "الرواد" للشعوب الأصلية من منازلهم وسبل عيشهم".

من جهتها، قالت مديرة مركز الولايات المتحدة وأوروبا في معهد بروكينغز، كونستانز ستيلزن مولر، إنّ الإشادة بالإمبراطورية كانت لافتة للنظر بشكل خاص للمسؤولين والمحللين في مؤتمر ميونيخ القادمين من دول كانت مستعمرة سابقاً، مضيفة: "كانوا يقولون إن هذا أمر مذهل".

وفي الوقت نفسه، اتخذ بعض المسؤولين موقفاً مفاده: "حسناً، الولايات المتحدة تعود إلى نهجها المعهود، وعلى الأقل أنتم صادقون"، مردفة أن الاحتفاء بالإمبراطورية لم يكن محورياً في الخطاب الدائر حول اليمين المتطرف الأوروبي، الذي غالباً ما يستقطب كبار مساعدي ترامب.

وأضافت أنه من المحير استخدام روبيو لتلك العبارات، قائلة إن الهدف ربما كان تطبيع فكرة القوة والتوسع الأميركي الذي لا يُقهر، بما في ذلك التوسع في غرينلاند، ثم إنها تعتقد أن هذه اللغة قد تكون جزءاً من محاولة لتهيئة الأوروبيين للقبول بأنهم عاجزون عن مقاومة أي مخططات توسعية قد تكون لدى الإدارة.

روبيو و"إعادة تسويق" الإمبراطورية الغربية

ونقلت الصحيفة قول مدير معهد كينان -مركز أبحاث حول أوراسيا- مايكل كيميج، إن روبيو كان ينشط تقليداً مضاداً للسياسة الخارجية نشأ في اليمين الأميركي خلال الخمسينيات والستينيات. 

وقد تم التعبير عن هذه الأفكار بشكل أكثر وضوحاً من قبل مجلة "ناشيونال ريفيو" وأحد كتابها، بورنهام، الذي كتب كتاباً بعنوان "انتحار الغرب"، والذي كان بمثابة نقد لليبرالية الحديثة و"رثاء لفقدان الإمبراطورية"، كما قال كيميج.

واعتبرت "نيويورك تايمز" أن استحضار روبيو لفكرة "انكماش" الغرب كان صدى لما قاله بورنهام.

كما أن كيميج أشار إلى أن روبيو "حدد الهجرة وفقدان الثقة الحضارية بالنفس باعتبارهما المشكلتين الأساسيتين للغرب ما بعد الإمبريالي"، مردفاً: "من الواضح أن روبيو يعيد صياغة هذه الأفكار، الأفكار نفسها ليست جديدة، الجديد هو أنها تُطرح الآن من وزارة الخارجية والبيت الأبيض، على عكس ما كان عليه الحال طوال العقود السبعة الماضية."

أما عن الكاتب في مجلة "ذا أميركان كونسيرفاتيف"، أندرو داي، فقد اعتقد أن روبيو كان يؤكد على سياسة إدارة ترامب المتمثلة في تعزيز الفخر بالحضارة الغربية، وهو مشروع جدير بالثناء ولكنه سيئ التنفيذ، من وجهة نظره، بدلاً من تأييد الإمبراطورية.

وقال: "أشكّ بشدة في أن روبيو كان يدعو إلى العودة إلى الإمبريالية والاستعمار، بل كان يشير إلى حالة من الضيق الثقافي وانعدام الثقة بالنفس التي يعاني منها الغربيون".

لكن داي أشار إلى أن المحافظين المعتدلين ما زالوا متشككين في روبيو، الذي يرونه مدافعاً متشدداً عن الهيمنة الأميركية العالمية، بحسب الصحيفة.

واختتمت "نيويورك تايمز" تقريرها بالقول إن وزير الخارجية حث مؤخراً على اتخاذ إجراءات ضد فنزويلا وكوبا وإيران، وأضاف أن هذه الفئة تشك أيضاً في أوروبا، وتعتقد أن إطار الإدارة "الحضاري الغربي" ضخم ودولي، وبالتالي فهو لا يتوافق مع التركيز الشديد على المصالح الوطنية الأميركية.